كاميرا المراقبه حكايات علي ابو الدهب 2
استمرت “حبيبة” في نومها العميق، وكأن صدر عم صابر تحول من مجرد جسد بشري إلى حصن منيع يحميها من قسوة الدنيا التي استقبلتها بالهجر والوحدة. مرت ساعات الليل الطويلة بطيئة على الجميع، إلا على صابر؛ كان جالساً كالصنم، لا يتحرك منه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بأنفاس منتظمة ومدروسة، كأنه يضبط إيقاع حياتها على إيقاع أنفاسه.
في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، دخل الدكتور “شريف”، رئيس القسم، وبصحبته الممرضة “إيمان”. كان الطبيب يتابع المؤشرات الحيوية لحبيبة على الشاشة بدقة. اقترب من صابر، ونظر إلى جهاز القياس، ثم ابتسم بذهول والتفت إليّ هامساً:
“يا نادية.. نبض البنت بقى مستقر بشكل مش طبيعي، ونسبة الأكسجين في الدم ارتفعت من 88% لـ 96%. ده سحر مش مجرد حضن!”
سمع عم صابر همس الطبيب، فرفع عيونه الزرقاء الحادة التي غمرتها الدموع وقال بصوت خافت متهدج:
“مش سحر يا دكتور.. ده يوسف اللي بيشفيها.. روحه حوالينا.”
انحنى الدكتور شريف واحترم خلوة الرجل وقصته التي يعرفها الأقدمون في المستشفى، وطبطب على كتف صابر الضخم قائلاً: “الله يقويك يا صابر.. أنت بتعمل اللي الطب والعلم بيقفوا قدامه عاجزين.”
جلسنا أنا وإيمان في زاوية الغرفة نراقب المشهد. ريحة المطهرات وهدوء الليل وجرس الأجهزة المتقطع، كلها تفاصيل تلاشت أمام مشهد ذلك العملاق الموشوم وهو يميل برأسه الضخم ليقبل جبين الطفلة الصغيرة برقة متناهية، واضعاً ذقنه الرمادية الخشنة على رأسها وكأنه يغزل لها غطاءً من الحنان.
فجأة، في تمام الساعة الرابعة فجراً، فتحت الأبواب الإلكترونية للرعاية المركزة بحدة، ودخلت فردة أمن المستشفى وخلفها سيدة في أواخر العشرينات. كانت حالتها تثير الشفقة؛ ملابسها ممزقة ومتسخة، وجهها شاحب كالموتى، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء والخوف. كانت هذه “مريم”.. أم الطفلة حبيبة.
قالت الأم بصوت مبحوح ودموعها تنهمر بلا توقف: “بنتي.. بنتي فين؟ أنا مسبتهاش والله.. أنا رجعت.. والله ما كنت قاصدة أسيبها!”
حاول أفراد الأمن تهدئتها، فاقتربت منها بسرعة وأمسكت بيدها الباردة قائلة: “اهدي يا مدام، بنتك بخير وموجودة جوه جوه الحضانة.. بس قوليلي إيه اللي حصل؟”
انهارت الأم على الرخام الممتد في الممر وقالت وهي تشهق: “جوزي طردني في الشارع لما عرف إنها بنت وتعبانة ومحتاجة مصاريف مستشفى.. سحب مني تليفوني وفلوسي ورماني.. مشيت كيلومترات على رجلي في نص الليل وأنا لسه والدة وتعبانة عشان أروح لبيت أهلي في المحافظة التانية أستنجد بيهم.. رجعت بفلوس وجميل أهلي عشان أدفع للمستشفى وآخد بنتي في حضني.. افتكرتوني رميتها؟ الأم متموتش بنتها يا ناس!”
في تلك اللحظة، خرج عم صابر من الغرفة بخطوات ثقيلة وهادئة، حاملاً حبيبة بين يديه بحرص شديد، والطفلة ما زالت غارقة في نومها الساكن.
نظرت الأم إلى صابر، وجفلت لثوانٍ من هيبته وضخامته وتاتوهات جسده، لكنها عندما نظرت إلى يده الكبيرة التي تحتضن جسد ابنتها الضئيل بقمة الحنان، ولمحت الدموع في عينيه، أدركت فوراً أنه ليس تهديداً، بل كان الملاك الحارس لابنتها في غيابها.
اقترب عم صابر من الأم المحطمة، وجثا على ركبتيه أمامها على الأرض بالرغم من ضخامة جسمه وصعوبة حركته، ومد يديه بالطفلة إليها وقال بصوت يشبه حفيف الأشجار في خشوعه:
“خدي يا أمي.. بنتك كانت مستنياكي.. أنا بس كنت بسلفها شوية دفا لحد ما ترجعي.. هي ممرتش باللي ابني يوسف مر بيه.. نامت في حضن دافي.”
ارتمت الأم على ابنتها، واحتضنتها بقوة وهي تبكي وتدعو لعم صابر بصوت هز أرجاء المستشفى: “ربنا يجبر بخاطرك.. ربنا يريح قلبك زي ما ريحت قلبي وقلب بنتي المكسورة.”
وقف عم صابر، ومسح دموعه بكم قميصه الأزرق، ونظر إلى الوشم المكتوب عليه “يوسف” على معصمه، وابتسم لأول مرة منذ سنوات ابتسامة حقيقية صافية، كأنه شعر أخيراً أن روح ابنه الراحل قد سامحته، وأن ذنب الخوف القديم قد غُفر بحضن حبيبة.
التفت إلينا وقال بصوته الجهوري الدافئ: “أنا ماشي يا نادية.. بس تليفوني معاكم.. لو أي سرير في الأوضة دي فضي من أهله وصاحبه الصغير عيط.. كلموني في أي وقت.. أنا ضهري وسيع، ودراعاتي لسه فيها دفا يكفي بلاد.”
خرج عم صابر من الباب، وترك خلفه في وحدة الرعاية المركزة درساً لن ننساه أبداً: إن الإنسانية والرحمة لا تقاس بالملابس أو المظاهر أو الوشوم، بل تقاس بقلوب تصبح ملاجئ دافئة لمن لا ملجأ لهم.
مرت الأسابيع، وجاء اليوم الذي انتظرناه جميعاً في الوحدة؛ خرجت “حبيبة” من الحضانة بعدما استرد جسدها الصغير كامل عافيته، وأصبحت رئة قوية قادرة على تنفس هواء الدنيا دون مساعدة من الأجهزة.
في صباح يوم خروجها، كانت الغرفة مليئة ببهجة لم نعهدها من قبل. “مريم” كانت ترتدي ملابس جديدة وبسيطة اشتراها لها عم صابر، وجهها استرد ضحكته بعدما زال الخوف من عينيها. أما عم صابر، فقد جاء بسيارته القديمة ليقلهما إلى شقة صغيرة آمنة تكفل بدفع إيجارها لمدة سنة كاملة، ووفر لمريم عملاً شريفاً في مشغل ملابس يمتلكه أحد أصدقائه المقربين، لتعتمد على نفسها وتبدأ حياتها من جديد بعيداً عن قسوة ماضيها.
قبل أن يغادروا باب المستشفى، التفتت مريم إليّ والدموع في عينيها، وقالت بصوت يملأه الامتنان: “مش عارفة أشكركم إزاي يا نادية.. أنتوا هنا مش بس عالجتوا بنتي، أنتوا أنقذتوا روحي من الضياع.”
أمسكتُ بيدها ونظرتُ إلى عم صابر الذي كان يقف خلفها حاملاً حقائبها بجسده الضخم الذي لم نعد نرى فيه أي مخاوف، وقلت لها: “اشكري عم صابر يا مريم.. هو المعجزة الحقيقية اللي ربنا بعتها لكم.”
ابتسم عم صابر ابتسامة هادئة، وانحنى قليلاً ليمسح بإصبعه الضخم على وجنة حبيبة الصغيرة التي كانت تنظر إليه بعينين واسعتين وكأنها تتعرف على ملامح منقذها، ثم نظر إلى التاتو المحفور على معصمه؛ اسم **”يوسف”**.
في تلك اللحظة، شعرنا جميعاً أن الدائرة قد اكتملت؛ فالطفل الذي فقده صابر قبل 26 عاماً ولم يستطع ضمه، بعث له الله بدلاً منه آلاف الأطفال المهجورين والمكسورين ليداووا جرح قلبه ويغسلوا ذنب خوفه القديم.
التفتُ أنا وزميلاتي نحو شاشة كاميرا المراقبة المعلقة في زاوية الوحدة، وهي تعرض مشهد خروجهم معاً.. رجل ضخم، وأم مستردة لكرامتها، وطفلة ولدت من جديد. تذكرتُ كيف بدأت القصة بـ “مشهد غريب لراجل مخيف”، وكيف تنتهي الآن بأعظم مشهد إنساني رأيته في حياتي.
لقد تعلمتُ في مستشفى “أبو الريش” على مدار 11 سنة الكثير عن الطب والأدوية، لكن عم صابر علمني الدرس الأهم: **أن القلوب الرحيمة قد تسكن أحياناً في أجساد تبدو كالوحوش، وأن حضناً صادقاً واحداً، قد يكون أحياناً هو كل ما يحتاجه الإنسان ليعود إلى الحياة.**
مرت الأسابيع، وجاء اليوم الذي انتظرناه جميعاً في الوحدة؛ خرجت “حبيبة” من الحضانة بعدما استرد جسدها الصغير كامل عافيته، وأصبحت رئة قوية قادرة على تنفس هواء الدنيا دون مساعدة من الأجهزة.
في صباح يوم خروجها، كانت الغرفة مليئة ببهجة لم نعهدها من قبل. “مريم” كانت ترتدي ملابس جديدة وبسيطة اشتراها لها عم صابر، وجهها استرد ضحكته بعدما زال الخوف من عينيها. أما عم صابر، فقد جاء بسيارته القديمة ليقلهما إلى شقة صغيرة آمنة تكفل بدفع إيجارها لمدة سنة كاملة، ووفر لمريم عملاً شريفاً في مشغل ملابس يمتلكه أحد أصدقائه المقربين، لتعتمد على نفسها وتبدأ حياتها من جديد بعيداً عن قسوة ماضيها.
قبل أن يغادروا باب المستشفى، التفتت مريم إليّ والدموع في عينيها، وقالت بصوت يملأه الامتنان: “مش عارفة أشكركم إزاي يا نادية.. أنتوا هنا مش بس عالجتوا بنتي، أنتوا أنقذتوا روحي من الضياع.”
أمسكتُ بيدها ونظرتُ إلى عم صابر الذي كان يقف خلفها حاملاً حقائبها بجسده الضخم الذي لم نعد نرى فيه أي مخاوف، وقلت لها: “اشكري عم صابر يا مريم.. هو المعجزة الحقيقية اللي ربنا بعتها لكم.”
ابتسم عم صابر ابتسامة هادئة، وانحنى قليلاً ليمسح بإصبعه الضخم على وجنة حبيبة الصغيرة التي كانت تنظر إليه بعينين واسعتين وكأنها تتعرف على ملامح منقذها، ثم نظر إلى التاتو المحفور على معصمه؛ اسم **”يوسف”**.
في تلك اللحظة، شعرنا جميعاً أن الدائرة قد اكتملت؛ فالطفل الذي فقده صابر قبل 26 عاماً ولم يستطع ضمه، بعث له الله بدلاً منه آلاف الأطفال المهجورين والمكسورين ليداووا جرح قلبه ويغسلوا ذنب خوفه القديم.
التفتُ أنا وزميلاتي نحو شاشة كاميرا المراقبة المعلقة في زاوية الوحدة، وهي تعرض مشهد خروجهم معاً.. رجل ضخم، وأم مستردة لكرامتها، وطفلة ولدت من جديد. تذكرتُ كيف بدأت القصة بـ “مشهد غريب لراجل مخيف”، وكيف تنتهي الآن بأعظم مشهد إنساني رأيته في حياتي.
لقد تعلمتُ في مستشفى “أبو الريش” على مدار 11 سنة الكثير عن الطب والأدوية، لكن عم صابر علمني الدرس الأهم: **أن القلوب الرحيمة قد تسكن أحياناً في أجساد تبدو كالوحوش، وأن حضناً صادقاً واحداً، قد يكون أحياناً هو كل ما يحتاجه الإنسان ليعود إلى الحياة.**

