فرامل عربيتي 4
الورقة اللي في إيدي كانت عبارة عن عقد بيع وشراء ابتدائي لشقتي.. شقتي اللي بابا الله يرحمه كتبها باسمي قبل ما يموت عشان تأمن مستقبلي.
العقد كان مكتوب فيه إنني بعت الشقة لشريف بمبلغ خيالي، وممضي تحت في خانة البائع باسمي.. “منة”. الإمضاء كان متقن جداً، لدرجة إني لو مش متأكدة إني ممضيتش، كنت هقول ده خطي!
بس الصدمة الحقيقية مكنتش في تزوير إمضائي.. الصدمة كانت في خانة “الشهود” تحت. كان فيه اسمين؛ الاسم الأول كان “رنا”.. والاسم الثاني كان صدمة عمري اللي خلت ركبي تخبط في بعضها ومبقتش قادرة أقف على رجلي.
الاسم كان: **”ميّار أحمد”**.. صاحبة عمري!
ميّار؟ صاحبتي الأنتيم اللي متربية معايا من الابتدائي؟ اللي كانت بتدخل بيتي وأسراري كلها معاها؟
شريط الذكريات لَف في دماغي في ثانية.. افتكرت كلامها ليا دايماً: *”يا بختك يا منة، وقعتي واقفة وجوزك بيعشق تراب رجليكي”*.. وافتكرت لما كانت بتزن عليا وتقولي: *”هو شريف مش ناوي يغير عربيتك بقا؟ تلات سنين كتير عليها يا بنتي، اطلبي منه يجددها”*..
كانت بتقول الكلمات دي بسمّ.. كانت عارفة الخطة! كانت بتسوقني برجلي للموت وهي بتضحك في وشي!
مسكت التليفون وإيدي بتترعش من الغل، وطلبت المحامي بتاعي فوراً:
“أستاذ هاني.. أنا لقيت ورقة في حاجة شريف.. عقد بيع مزور للشقة، وفيه اسم شاهدة ثانية لازم تتجاب فوراً في القضية.. صاحبتي ميّار.”
المحامي صوته اتغير وقال لي بحسم: “امدحي ربنا يا مدام منة إن الورقة دي وقعت في إيدك.. دي كنز قانوني يثبت نية القتل العمد بغرض السرقة والتزوير. هاتي الورقة وتكالي على الله تعالي على النيابة فوراً، أنا هطلب استدعاء للمشكو في حقها.”
نزلت من البيت كأن فيا طاقة مية راجل.. الوجع اتقلبت لـ غضب أعمى. رحت النيابة وقدمت الورقة، ووكيل النيابة أمر فوراً بضبط وإحضار ميّار أحمد كشريكة في التزوير والتستر على جناية شروع في قتل.
ساعتين بالظبط، وكنت قاعدة في طرقة النيابة، ولمحت بوكس الشرطة وهو نازل منه ميّار.
وشها كان جايب ألوان، وبتعيط ومنهارة، وأول ما عيناها جت في عيني، صرخت وجريت عليا وهي مكلبشة:
“منة! وحياة غلاوة عشرتنا ماليش ذنب! شريف هو اللي هددني! قالي لو ممضيتيش شاهدة هفضحك وهقول لخطيبك على حاجات قديمة.. والله العظيم ما كنت أعرف إنه هيقطع الفرامل! أنا كنت فاكرة إنه هيطلقك وياخد الشقة بس!”
بصيت لها من فوق لتحت بقرف، زقيت إيدها المكلبشة بعيد عني وقولت لها بصوت حاد ومسموع للكل:
“كنتي فاكرة إنه هيسرقني بس؟ فـ رضيتي تصاحبيني وتأكلي معايا في طبق واحد وأنتِ عارفة إنه بيسرق عمري وشقايا؟ لدرجادي الغل والحقد كان عامي عينك مني يا ميّار؟”
الظابط شدها ودخلها أوضة التحقيق وهي بتصوت وتستعطفني، بس قلبي خلاص.. مابقاش فيه مكان لأي عاطفة.
على مغرب اليوم ده، خرج المحامي بتاعي من جوة وهو مبتسم ابتسامة نصر وقال لي:
“خلاص يا مدام منة.. القضية قفلت وبقت قفص حديد مالوش مخرج. ميّار اعترفت بكل حاجة عشان تنجي بنفسها، وقالت إن شريف ورنا وميّار كانوا مرتبين الموضوع بقالهم شهرين، وشريف وعد ميّار بمبلغ كبير من تمن العربية والشقة بعد ما الحادثة تتم وتتقيد قضاء وقدر.”
تنهدت براحة.. براحة غريبة.. حسيت إن ربنا نضف حياتي من كل الثعابين اللي كانت محاوطاني مرة واحدة.
رجعت البيت بليل، لقيت عم مصطفى وطنط هدى مستنييني قدام باب الشقة. طنط هدى أول ما شافتني خدتني في حضنها وقعدت تعيط وتقول: “سامحينا يا بنتي.. احنا ملناش ذنب في اللي عمله الاسود ده.”
طبطبت عليها وقولت: “يا ماما أنتوا أهلي، وشريف خلاص اتمحى من حياتنا كلنا.”
قعدنا مع بعض، وحمايا قالي إنه نزل وباع عربيتهم القديمة، وهيشتري عربية تانية جديدة يخليها معايا وتحت إيدي، وقال لي بالحرف: “أنا اللي هكون سواقك يا بنتي لحد ما تقفي على رجلك تاني.”
مر أسبوع، وبدأت أرجع لشغلي وحياتي الطبيعية بالتدريج، وبقيت بتابع القضية اللي اتحولت لمحكمة الجنايات بشكل سريع جداً بسبب اكتمال الأدلة.
وفي يوم الصبح، وأنا بفتح اللابتوب بتاعي عشان أشتغل، لقيت إيميل جايلي من الإدارة القانونية في بنك كبير.. بنك شريف كان واخد منه قرض ضخم بضمان الشقة من فترة من ورايا، مستخدماً عقد البيع المزور!
الإيميل كان فيه إنذار بالحجز على الشقة خلال 48 ساعة لو مدفعتش مبلغ القرض اللي شريف خده وهرب بيه أو صرفه على رنا وميّار!
وقفت في وسط الصالة وأنا حاسة إن المشاكل مابتخلصش.. شريف حتى وهو مشلول وفي السجن، لسه سايب وراه لغبطة ومصايب بتهدد السقف اللي عايشة تحته!
الإنذار كان بين إيديا، والكلام المكتوب فيه كان زي الميّة الساقعة اللي نزلت على دماغي. شريف مكنش بس ناوي يموّتني ويورثني، ده كان غرقان في الديون ومستغل التزوير عشان يسحب قرض بضمان الشقة، وصرف الفلوس كلها على رنا والمنظرة الكدابة.
قعدت على الكنبة وجسمي كله بيترعش من الغيظ.. الشقة دي شقايا وشقا أبويا الله يرحمه، ومش هسيبها تضيع من تحت إيدي بسبب ندالة بني آدم مجرم.
مسكت التليفون وكلمت المحامي بتاعي، أستاذ هاني، وصوتي كان مخنوق:
“الحقني يا أستاذ هاني.. جالي إنذار بالحجز على الشقة من البنك.. شريف سحب قرض بضمان عقد البيع المزور، والبنك بيمهلني 48 ساعة وإلا هيحجزوا على البيت!”
أستاذ هاني سكت ثواني، وسمعت صوت تقليب ورق، وبعدها رد بصوت مطمئن:
“اهدئي خالص يا مدام منة ولا تقلقي.. قانوناً، كل ما بُني على باطل فهو باطل. العقد اللي شريف قدمه للبنك ثبت تزويره رسمياً في تحقيقات النيابة، وميّار وشريف ورنا محبوسين على ذمة القضية دي بالذات.. بكره الصبح أول حاجة هنعملها، هناخد صورة رسمية من محضر التحقيقات وتقرير أبحاث التزييف والتزوير، ونرفع دعوى بطلان تصرفات ونقدمها للشؤون القانونية في البنك.. البنك مش هيقدر يلمس الشقة طول ما فيه قضية تزوير منظورة في المحكمة.”
تنهيدة طويلة خرجت من صدري، وحسيت إن حبل المشنقة اللي كان بيتلف حوالين بيتي بدأ يترخي.
تاني يوم الصبح، نزلت مع أستاذ هاني ورحنا البنك، وقابلنا مدير الشؤون القانونية. أول ما شاف الأوراق الرسمية وختم النيابة والاعترافات الموثقة، وشه اتغير وبص لي باحترام وأسف وقال:
“يا مدام منة، إحنا كبنك ضحية للنصب ده زيّك بالظبط.. الورق اللي شريف قدمه كان متقن جداً والشهود ماضيين، وبناءً على المحضر ده، البنك هيوقف أي إجراءات حجز فوراً، وهنرفع قضية جنائية مستقلة ضد شريف ورنا وميّار بتهمة النصب والاحتيال وتزوير أوراق بنكية.. حقك في الشقة مضمون ومحدش هيقدر يخرجك منها.”
خرجت من البنك وأنا حاسة إن جبل انزاح من على كتافي. ربنا كان واقف معايا في كل خطوة، وكل ما شريف كان بيحفر لي حفرة، كانت بتقلب عليه وعلى اللي معاه.
مرت الأسابيع، وجاء اليوم الموعود.. أولى جلسات محاكمة “شبكة شريف” أمام محكمة الجنايات.
الصحافة ووسائل الإعلام كانت مالية الممر قدام القاعة، القضية بقت رأي عام تحت اسم “مؤامرة فرامل الموت”.
كنت قاعدة في الصف الأول، وجنبي عم مصطفى وطنط هدى اللي صمموا يحضروا عشان يثبتوا للجميع إنهم مع الحق ضد ابنهم.
وفجأة، اتفتحت بوابة القفص ودخل المتهمين.
رنا وميّار كانوا لابسين لبس الحبس الأبيض، وشهم شاحب، ومنهارين من العياط وبيحاولوا يداروا وشوشهم من كاميرات الصحافة.
أما شريف.. فدخل وهو متشال على كرسي متحرك يمرضه عسكري، جسمه التحتاني عاجز تماماً، وشه خاسس للنص، وعينيه زايغة وفيها نظرة انكسار ورعب تخلي أي حد يشوفه يتعظ من الدنيا.
أول ما شريف عينه جت عليا وعلى أبوه وأمه، حاول يرفع إيده المرتعشة وينادي بضعف: “بابا.. أمي.. منة.. ارحموني!”
لكن عم مصطفى لف وشه الناحية التانية بكبرياء، وطنط هدى مسكت سبحتها وبدأت تستغفر وهي بتبكي على المنظر، وأنا بصيت له بثبات وقوة، وعينيا بتقول له: “ده حصاد إيدك.”
القاضي دخل، والقاعة سكتت تماماً.
بدأ ممثل النيابة العامة يلقي خطبة الادعاء، وصوته كان بيهز جدران القاعة وهو بيوصف ندالة شريف وخيانته، وغدر ميّار بصاحبة عمرها، وطمع رنا.. وطالب بتوقيع أقصى عقوبة عليهم وهي الأشغال الشاقة المؤبدة بتهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والتزوير في أوراق رسمية وبنكية.
المحامي بتاعي وقف وقدم كل المستندات والدفوع، والمحكمة رفعت الجلسة للمداولة والنطق بالحكم.
الدقائق دي كانت أطول دقائق مرت في حياتي.. المتهمين جوة القفص كانوا بيموتوا من الرعب، رنا وميّار بيصرخوا، وشريف حاطط راسه بين إيديه وبيترعش بعجز.
بعد ساعة كاملة، خرج حاجب المحكمة ونادى بصوته الجهوري:
“محكمة!”
وقفنا كلنا، وقلوبنا بتدق بعنف، والقاضي مسك الأوراق وفتحها وبدأ يقرا الحكم اللي هيحدد مصير الكل..
للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم
ساد صمت رهيب في القاعة، لدرجة إن صوت أنفاس المتهمين المرعوبة جوة القفص كان مسموع. القاضي عدّل نظارته، وبص للورق اللي قدامه، ونطق بالحكم اللي هز أركان المكان:
“حكمت المحكمة حضورياً، أولاً: بمعاقبة المتهم شريف مصطفى بالأشغال الشاقة المؤبدة عما أسند إليه من اتهامات بالشروع في القتل العمد والتزوير والنصب الاحتيالي.
ثانياً: بمعاقبة المتهمة رنا السيد بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً لشراكتها في الجريمة والتزوير.
ثالثاً: بمعاقبة المتهمة ميّار أحمد بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات بتهمة التزوير والتستر على جناية.”
بمجرد ما القاضي نطق بالحكم، انطلقت صرخات هستيرية جوة القفص. رنا وقعت على الأرض بتصوت، وميّار بدأت تلطم على وشها وتصرخ باسمي: “سامحيني يا منة.. ضيعت نفسي عشان الفلوس!”
أما شريف، فنزلت راسه بين كتافه وهو على كرسيه المتحرك، وبكى بحرقة ودموع عاجزة.. دموع بني آدم عرف إن اللي باقي من عمره هيقضيه بين أربع حيطان، مشلول بجسده، وميت بروحه.
في اللحظة دي، طنط هدى أخدتني في حضنها وهي بتبكي وبتقول: “الحمد لله.. العدل اتحقق يا بنتي.. ربنا نصرك.”
وعم مصطفى وقف، ورفع راسه للسما وعينيه مليانة دموع، وقال بصوت قوي: “يارب أنا بريء من عمله.. وأنت العدل الحق.”
خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسة إن الهوا اللي بيدخل صدري بقا نقي، كأن الكابوس انزاح تماماً. الصحفيين حاولوا يتلموا عليا عشان ياخدوا تصريحات، بس أنا رفضت أتكلم. حقي رجع لي بالقانون، وكرامتي وبيتي اتصانوا، وده كان يكفيني.
بعد مرور سنة كاملة على اليوم ده..
كنت قاعدة في بلكونة شقتي، بشرب قهوتي الصبح والجو كان ربيع وزي الفل. الشقة رجعت لي بالكامل بحكم المحكمة، والبنك شال الحجز وأخد حقه من أملاك شريف اللي اتصادرت.
حياتي اتغيرت تماماً.. ركزت في شغلي، وترقيت، وبقيت إنسانة أقوى بكتير ومبقاش أي حد يقدر يخدعني بكلمتين حلوين.
سمعت صوت كلاكيت عربية تحت البيت، بصيت من البلكونة لقيت عم مصطفى واقف جنب عربيته الجديدة، ورافع لي إيده وبيبتسم: “يلا يا منة يا بنتي عشان أوصلك الشغل.. متتأخريش!”
ابتسمت من قلبي، ولميت حاجتي ونزلت. حمايا وحماتي بقوا هما أهلي الحقيقيين اللي ربنا عوضني بيهم عن ندالة ابنهم.. السحر انقلب على الساحر، وشريف اللي كان عايز يخلص مني عشان الفلوس، خسِر الفلوس، والشقة، وصحته، وأهله.. وخسر عمره كله.
### الحكمة من الحكاية:
> “إن الله لا يصلح عمل المفسدين”.. هذه القصة ليست مجرد حكاية عن غدر وخيانة، بل هي درس وعظة لكل من يظن أن المظاهر البراقة والكلمات المعسولة هي دليل الحب والنقاء.
> * **الأقنعة تسقط دائماً:** مهما برع الخائن في تمثيل دور “الزوج المثالي” أو “الصديقة الأنتيم”، فإن المواقف والزمن كفيلان بكشف الوجوه الحقيقية.
> * **عدالة السماء لا تغفل:** من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.. شريف أراد لزوجته حادثة تشلها أو تقتلها، فكانت العقوبة من جنس العمل؛ شلل كامل وعجز يعيش به خلف القضبان.
> * **الأصل الطيب لا يتغير:** عم مصطفى وطنط هدى أثبتا أن “ابن الحلال” يظل دغرياً حتى لو كان الجاني ابنه.. شهادة الحق لم تمنعها عاطفة الأبوة، وهذا هو المعدن الأصيل الذي يبقى ويدوم.
> * **الحذر واجب:** الثقة العمياء قد تكون قاتلة؛ حافظ على وعيك، ولا تغلق عينيك عن الشكوك المنطقية، فربما تكون هي طوق النجاة الذي يحميك من “فرامل الموت”.
>

