عيب جوزي 2
ارتجت ممرات مستشفى قصر العيني على صوت بكاء وتوسلات المحامي الشهير “داوود”، الذي كان بالأمس فقط يظن نفسه ملكاً يمسك بمصائر النساء، واليوم يمرغ كرامته تحت أقدام الممرضات والأطباء الذين تجمعوا على صوت فضيحته.
لم ألتفت خلفي، تركتُه راكعاً على أرضية الممر يندب حظه ومستقبله الذي بدأ يتهاوى كبيت من ورق، ودخلتُ إلى مكتب الأطباء المقيمين، خلعتُ سماعة الطبيب ووضعتها على المكتب ونظراتي شاخصة نحو الفراغ. شعرتُ للمرة الأولى منذ ثماني سنوات بوزن جبل ينزاح عن صدري، لكن المعركة لم تنتهِ بعد، فهذه كانت مجرد ضربة البداية.
في تمام الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، خرجت “دينا” من المستشفى بعد كتابة تقرير خروجها. كان داوود ينتظرها بالخارج، ليس بلهفة العاشق هذه المرة، بل بعينين حمراوين كالجمر، تمتلئان بالشك والغل. بمجرد أن ركبت السيارة معه، انطلقت صرخاتهما التي ملأت الشارع، وبدأت المؤامرة تأكل أصحابها.
أما أنا، فقد توجهتُ مباشرة رفقة محامي عائلتي إلى مكتب الشهر العقاري، ومنه إلى محكمة الأسرة. لم أكن أتحرك بعاطفة زوجة مجروحة، بل بعقل طبيبة جراحة تعرف أين تضع المشرط لتبتر العضو الفاسد تماماً.
في المساء، تلقيتُ اتصالاً هاتفياً من رقم داوود، لكن الصوت لم يكن صوته، بل كان صوت حماتي “إجلال”، وكانت النبرة هذه المرة خالية تماماً من الكبرياء والتعالي، بل مليئة بالانكسار والخوف:
“كامليا.. يا بنتي.. أرجوكي اسمعيني. داوود هيموت في إيدي، من ساعتها وهو مش طايق نفسه، وطلق دينا في الشارع وطردها بعد ما اعترفت له بكل حاجة. إحنا غلطنا في حقك يا بنتي، والبيت بيتك، وتعالي نلم الدور والموضوع يفضل في سرنا.. بلاش الفضايح وسط العائلات والمحاكم، داوود اسمه وضاع ومستقبله هينتهي!”
أخذتُ نفساً عميقاً وقلت ببرود شديد:
“يا إجلال هانم، مش أنتِ اللي كنتِ بتقولي البيوت اللي مفيش فيها عيال بتبقى زي القبور؟ أنا بقى قررت أهد القبر ده فوق دماغكم. مفيش رجوع، ومفيش لم دور. ابنك عاش على قهرتي ثماني سنين، ودلوقتي جه الوقت اللي يدفع فيه التمن.. قرش الصاغ الصاغ، وسنة السجن بالسنة!”
أغلقتُ الخط في وجهها دون أن أنتظر رداً، وبدأت الإجراءات القانونية تتحرك كالسيل الجارف:
1. **الحجز على المكتب**: تحركت قوة من التنفيذ بموجب إيصالات الأمانة البالغة ٢ مليون جنيه، وتم الحجز على مكتب المحاماة الخاص به بكل محتوياته، وأصبح عاجزاً عن ممارسة عمله أو دخول مكتبه.
2. **طرد من الشقة**: بموجب عقود الملكية ومقدم الشقة الذي دفعه والدي، صدر قرار بتمكيني من الشقة طالما أن الطلاق لم يقع رسمياً بعد، وطُرد داوود ووالدته منها.
3. **دعوى زنا وتزوير**: قدم المحامي الخاص بي بلاغاً رسمياً مدعوماً بالتسجيلات الصوتية يثبت فيه محاولة داوود تزوير نسب طفل ليس من صلبه (بناءً على تقريره الطبي) لحرمان زوجته الشرعية من حقوقها والضغط عليها.
بعد أسبوع واحد، كان داوود يجلس في قسم الشرطة على ذمة التحقيق في قضايا النصب وإيصالات الأمانة، وبدت عليه علامات الشيخوخة المبكرة، بعد أن فقد مكتبه، وشقته، واسمه في السوق، والطفل الذي كان يظن أنه سيحمل اسمه.
وفي ليلة هادئة، كنتُ أجلس في شقتي المستردة، أرتشف الشاي وأنا أراجع أوراق قضية الخُلع والتعويض التي رفعتها، رن جرس الباب.
فتحتُ الباب لأجد أمامي مفاجأة لم تكن في الحسبان.. لم يكن داوود ولا أمه إجلال، بل كانت “دينا” تقف على الباب، بطنها المنتفخ يسبقها، ووجهها شاحب، والدموع تملأ عينيها، وقالت بصوت يرتجف:
“دكتورة كامليا.. أنا عارفة إني ماليش عين أبص في وشك، بس أنا جاية أترجاكي.. داوود وإبراهيم اتفقوا عليا، وداوود ناوي يدمرني بعد ما عرف الحقيقة، وأنا ماليش غيرك ينقذني وينقذ البنت دي.. أنا معايا سر خطير عن داوود وأمه لو عرفتيه، هتقدري تحبسيهم العمر كله من غير ما تحتاجي للمحاكم دي كلها!”
نظرتُ إليها بنظرة فاحصة، وسحبتُ نفساً عميقاً وأنا أفكر: هل هذه خديعة جديدة من داوود، أم أن جحيمهم بدأ ينفجر من الداخل ليمنحني السلاح الأخير لإنهاء هذه المعركة تماماً؟
يا ترى ما هو السر الخطير الذي تخفيه دينا عن داوود وأمه؟ وكيف ستتصرف كامليا مع عشيقة زوجها السابقة التي جاءت تطلب حمايتها؟ وما هي المفاجأة الصادمة التي تنتظر داوود داخل قاعة المحكمة في الجلسة القادمة؟
وقفتُ على عتبة الباب، أنظر إلى دينا وهي ترتجف أمام الصدمات المتتالية التي تلقتها. غريزة الطبيبة في داخلي جعلتني ألاحظ إجهادها الجسدي، لكن مرارة ثماني سنوات علمتني ألا أثق بدموع الأفاعي. تراجعتُ خطوتين إلى الوراء وقلتُ بجمود: “ادخلي.. بس مش عشان سواد عيونك، عشان البنت اللي في بطنك ملهاش ذنب في قذارة اللعبة دي كلها.”
جلست دينا على طرف الكرسي وجسدها يرتجف، وضعت يديها فوق بطنها وقالت بنبرة باكية: “داوود مش محامي شريف يا دكتورة كامليا.. داوود وأمه مش بس غشوكِ في موضوع الخلف، داوود كان بيستغل اسم عيلتك ومركز والدك المستشار عشان يمرر قضايا مشبوهة، تزوير عقود أراضي، وتهريب أموال لرجال أعمال برة البلد.. وفي خزنة سرية في مكتبه اللي اتقفل، فيه أوراق ومستندات لو طلعت، داوود مش بس هيتحبس بتهمة وصلات أمانة، ده هيتوجّه له تهم توديه ورا الشمس وتضيع اسمه للأبد، وأمه إجلال شريكة معاه في كل قرش دخل جيبهم!”
سحبتُ نفساً عميقاً، والقطع المفقودة من اللغز بدأت تترتب في عقلي. الآن فهمتُ لماذا كان داوود مستميتاً على إبقائي في حياته ثماني سنوات رغم اتهام أمه لي بالعقم، كان يحتاج لغطاء عائلتي واسم والدي ليحمي أعماله القذرة!
التفتُّ إليها وقلتُ بلهجة حاسمة: “وإيه اللي يضمن لي إن كلامك ده صح؟ وإنك مش مبعوتة من داوود عشان تشتتيني؟”
أخرجت دينا من حقيبتها مفتاحاً صغيراً غريب الشكل، ووضعته على الطاولة بيد ترتعش: “ده مفتاح الخزنة السرية.. إبراهيم، أبو البنت، كان شغال مع داوود في العمليات دي وهو اللي سرق المفتاح ده عشان يساوم داوود بيه، بس داوود قفشه وحبسه في مخزن وناوي يخلص منه ويلبسني أنا وإياه قضية سرقة.. أنا جيت لك عشان عارفة إنك الوحيدة اللي تقدري تقفي في وشه، وعشان ترحميني وتنقذي بنتي من الملجأ لو أنا اتسجنت!”
نظرتُ إلى المفتاح، وتذكرتُ كل ليلة بكيتُ فيها في زاوية هذه الشقة وأنا أظن نفسي سبباً في حرمانه من الأبوة. أخذتُ المفتاح، وقمتُ بالاتصال فوراً بالمحامي الخاص بي وقوة الشرطة المسؤولة عن الحجز الإداري على المكتب.
في تمام الساعة الثالثة فجراً، وبحضور وكيل النيابة والمحامي، تم فتح المكتب المحجوز عليه، والتوجه إلى الجدار الخفي خلف لوحة المرافعة الكبرى. تم فتح الخزنة السرية.. وكانت المفاجأة تفوق كل التوقعات؛ ملفات مزورة، وعقود وهمية، ومبالغ مالية ضخمة غير مشروعة، وتحويلات بنكية باسم “إجلال” والدته!
في صباح اليوم التالي، كانت الجلسة الأولى لمحاكمة داوود في قضية إيصالات الأمانة والنصب.
دخلتُ قاعة المحكمة بكامل أناقتي، بالطو الطبيب فوق كتفي، وخطواتي ثابثة تعكس انتصاراً طال انتظاره. كان داوود يجلس في قفص الاتهام، ووجهه شاحب، وشعره أشعث، وقد زالت عنه كل مظاهر الهيبة والمحاماة. وفي المقاعد الخلفية كانت تقف “إجلال” تبكي بحرقة وتنظر إليّ بعيون مليئة بالرجاء والانكسار.
بمجرد أن بدأت الجلسة، وقف محامي داوود يحاول المماطلة وطلب التأجيل، لكن محاميّ الخاص تقدم بخطوات واثقة نحو منصة القضاء، ووضع ملفاً ضخماً أسود اللون أمام المستشار، وقال بصوت جهوري هز أرجاء القاعة:
“سيادة المستشار، نطالب بتعديل قيد وتوصيف القضية، وضم الأحراز الجديدة المستخرجة من الخزنة السرية للمتهم برقم محضر جنايات رسمي، والتي تثبت ارتكابه لجنايات التزوير الكبرى، والكسب غير المشروع، واستغلال النفوذ، ونطالب بضبط وإحضار شريكته الأولى في الأرباح.. والدته المتواجدة بالقاعة!”
التفتت الرؤوس كلها نحو إجلال التي صرخت صرخة مكتومة وسقطت على الأرض مغشياً عليها، بينما داوود جن جنونه داخل القفص، وبدأ يضرب القضبان الحديدية بيديه ويصرخ بهستيريا: “كامليا!! حرام عليكي.. هدمتي حياتي وحياة أمي! ارحميني يا كامليا!”
نظرتُ إليه نظرة أخيرة من خلف نظارتي الطبية، ولم تتزحزح في قلبي ذرة شفقة واحدة. أشرتُ بيدي لمحاميّ لمتابعة الإجراءات، واستدرتُ لأغادر القاعة وسط ذهول الحاضرين وزلزال الفضيحة الذي هز أروقة المحاكم.
ولكن.. بينما كنتُ أخطو خارج باب المحكمة، استقبلتُ اتصالاً عاجلاً من المستشفى.. صوت الحكيمة كان يصرخ باهتزاز: “دكتورة كامليا.. الحقينا! دينا جات المستشفى في حالة حرجة جداً، حصل لها نزيف حاد ومفاجئ، والبنت بتموت في بطنها، ومفيش أي دكتور نسا متاح حالاً غيرك!”
توقفتُ في مكاني، وتجمدت الدماء في عروقي.. دينا التي خانتني مع زوجي وسرقت بيتي، تقف الآن بين الحياة والموت، وحياة جنينها معلقة بين يديّ أنا بالذات!
فهل ستدخل كامليا غرفة العمليات وتنقذ الست التي دمرت حياتها وجنينها لتثبت أمانتها الطبية؟ أم أن مرارة الانتقام ستجعلها تترك القدر يقتص من دينا داخل نفس المستشفى التي بدأت فيها الحكاية؟ وما هي المفاجأة الكبرى التي تنتظر داوود وإجلال في الجلسة الختامية والنطق بالحكم؟
لم أتردد إلا لثوانٍ معدودة، ثوانٍ جرى فيها شريط ثماني سنوات من الظلم والقهر أمام عيني، لكن صوت القسم الطبي الذي أقسمته يوم تخرجي كان أعلى وأقوى من نيران الانتقام. ركبتُ سيارتي وانطلقتُ بأقصى سرعة نحو مستشفى قصر العيني، وأنا أقول لنفسي: “داوود انتقم لنفسه بنفسه بنذالته، ودينا دمرت حياتها بطمعها.. أما أنا، فالدكتورة كامليا، ومشرطي يقطع ليداوي، لا ليقتل.”
دخلتُ المستشفى كالإعصار، ارتدَيتُ ملابس التعقيم بلمح البصر، ودفعتُ باب غرفة العمليات بقدمي. كانت دينا غائبة عن الوعي، وجهها بلون الورق، وجهاز نبض الجنين يصدر أصواتاً متسارعة ومتقطعة تنذر بالخطر. نظرتُ إلى طاقم التمريض وقلتُ بحسم: “بنج كلي حالاً.. علقوا كيسين دم.. تجهيز حضّانة للأطفال المبتسرين.. النزيف حاد وانفصال المشيمة كامل، قدامنا دقائق لإنقاذ الجنين!”
بدأتُ العمل.. يداي اللتان ركبتا السونار بالأمس بغصة، كانت تشق البطن اليوم بأعلى درجات الاحترافية الطبية. لم أرَ في دينا المرأة التي خطفت زوجي، بل رأيتُ جسداً مستضعفاً يطلب الحياة. بعد دقائق من التوتر وحبس الأنفاس، تعالت صرخة صغيرة، رفيعة ومتقطعة، هزت جدران الغرفة.. صرخة البنت!
سلّمتُ الطفلة لطبيب الأطفال فوراً، والتفتُّ لإنقاذ الأم. استغرق الأمر ساعتين كاملتين من الكفاح لوقف النزيف وإعادة العلامات الحيوية للاستقرار. خرجتُ من غرفة العمليات، عرق المجهود يغمر وجهي، خلعتُ القناع الطبي وأخذتُ نفساً عميقاً، علمتُ وقتها أنني لم أنقذ دينا وابنتها فحسب، بل أنقذتُ نفسي من أن أتحول إلى مجرمة بدم بارد.
مر شهر كامل..
وجاء يوم الجلسة الختامية والنطق بالحكم. غصّت قاعة المحكمة بالصحفيين والمحامين، فالقضية تحولت إلى قضية رأي عام عن سقوط قناع “المحامي الشريف”.
وقفتُ في الصفوف الأولى بكامل ثقتي وثباتي، بينما جلس داوود في قفص الاتهام بكسرة لم يسبق لها مثيل، وبجانبه أمه “إجلال” التي بدا عليها الهرم وضياع الهيبة، ترتعش يداها وهي تمسك بحديد القفص. وعلى الجانب الآخر، كانت دينا تجلس على مقعد متحرك في مؤخرة القاعة، تحمل ابنتها بضعف، وقد جاءت لتدلي بشهادتها الأخيرة كشاهدة ملك.
تنحنح القاضي، وساد الصمت التام في القاعة، ثم فتح الملف ونطق بالحكم المزلزل:
“حكمت المحكمة حضورياً، أولاً: بمعاقبة المتهم داوود (…) بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، وتغريمه مبلغ مليوني جنيه ردّاً لأموال الشاكية، وعزله من نقابة المحامين وشطب اسمه نهائياً. ثانياً: بمعاقبة المتهمة إجلال (…) بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات بتهمة الاشتراك في التزوير والكسب غير المشروع والاستيلاء على أموال الشاكية.”
ارتجت القاعة بصراخ وعويل إجلال التي انهارت تماماً، بينما سقط داوود على ركبتيه داخل القفص وهو ينظر إليّ بعينين تائهتين تطلب العفو والرحمة بعد أن ضاع منه كل شيء: الشرف، المهنة، المال، والحرية.
التفتُّ وخرجتُ من القاعة، ولم أنظر خلفي أبداً. وفي الممر الخارجي، لحقت بي دينا بمقعدها المتحرك، وقالت وعيناها تفيضان بالدموع: “دكتورة كامليا.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. أنتِ أنقذتي حياتي وحياة بنتي رغم كل اللي عملته فيكي.. أنتِ مش بشر، أنتِ ملاك.”
توقفتُ ونظرتُ إليها، ثم نظرتُ إلى الطفلة الصغيرة في حضنها وقِلت بلهجة هادئة ولكنها حاسمة: “أنا مش ملاك يا دينا.. أنا ست عرفت تاخد حقها بالقانون ومن غير ما تلوث إيدها. بنتك دي ملهاش ذنب، ربيها بعيد عن الحرام والطمع اللي ودى أبوها وأم داوود ورا الشمس.. ربيها تطلع نضيفة.”
تركتُها ومشيتُ خطوات نحو بوابة المحكمة الكبرى. الشمس كانت تشرق بقوة وكأنها تغسل سنوات العتمة والقهر. تنفستُ بعمق، ورفعتُ رأسي للسماء بابتسامة انتصار حقيقية.
أخرجتُ هاتفي، ومسحتُ كل الأرقام والذكريات القديمة، وأغلقتُ صفحة “داوود وعائلته” للأبد.. لتبدأ من جديد حياة “الدكتورة كامليا”، المرأة التي لم تكسرها العاصفة، بل جعلت منها إنسانة أقوى، وأجمل، وأبقى!