امي في العمليات ٢

بقلم اماني سيد

وقفتُ خارج باب المستشفى، أتنفس الهواء البارد للمرة الأولى منذ أشهر دون غصة في حلقي. التفتُّ خلفي لأرى واجهة المبنى الزجاجية، وأنا أعلم تمامًا أن الإعصار الذي تركته بالداخل لن يهدأ.

لم تكد تمر نصف ساعة وأنا في طريقي بسيارتي إلى منزل أمي، حتى بدأ هاتفي يهتز دون توقف.

كريم.

دينا.

ثم رقم غريب… عرفتُ فورًا أنه محامي العائلة، الأستاذ رفعت.

لم أرد على أي منهم. كنت أحتاج إلى ترتيب خطواتي كأستاذة ورئيسة قسم في إدارة الاستثمار؛ فالغضب دون تخطيط هو مجرد ضوضاء، وأنا أريد نصرًا صامتًا وحاسمًا.

في الصباح الباكر، توجهتُ مباشرة إلى مقر البنك الذي خرج منه القرض. كنت أرتدي بدلة رسمية سوداء، ونظارتي الشمسية تُخفي ملامح الإرهاق. جلستُ أمام مدير فرع الائتمان، ووضعتُ أمامي نسخة من العقد المزور وبطاقتي الشخصية.

قلت له بنبرة واثقة:

— “أنا سلمى المنشاوي. جيت أبلغكم رسميًا إن التوقيع اللي على العقد ده مش توقيعي، وإن فيه عملية تزوير واستغلال لبياناتي جرت جوه الفرع ده.. وأنا مستعدة أتحول للطب الشرعي حالًا.”

ارتبك المدير، وبدأ يقلب الأوراق بيد مرتعشة:

— “يا فندم.. ده قرض بضمان راتبك وحسابك الاستثماري عندنا.. الأوراق مستوفــ,,ـــــاه وجوز حضرتك الأستاذ كريم قدم كل الضمانات..”

قاطعتُه ببرود:

— “وجوزي مضى مكاني كمان؟ أنا بطلب تجميد الحساب المشترك فورًا، وبقدم طعن رسمي بالتزوير.. وإجراءات البلاغ للنيابة شغالة دلوقتي ضد البنك وضد المستفيد من القرض.”

قبل أن يهم المدير بالرد، اهتز هاتفي في يدي. كان اتصالًا من كريم. هذه المرة فتحت الخط، ووضعت الهاتف على مكبر الصوت ليسمع المدير.

جاء صوته باكيًا، منكسرًا، وخلفه صوت أجهزة العناية المركزة:

— “سلمى.. أرجوكي ارحمينا.. أمي خرجت من العمليات ودخلت العناية، والبنك لسه مكلم دينا بيقولولها إن الحسابات هتتجمّد وفيه تحقيق.. دينا هتروح في داهية وأنا مستقبلي هيضيع! أنا مستعد أكتبلك شقة التجمع باسمك، مستعد أعمل أي حاجة.. بس اسحبي الورق!”

نظرتُ لمدير البنك الذي كان يستمع للاتصال بذهول وعيناه متسعتان، ثم وجهتُ كلامي لكريم:

— “شقة التجمع دي اللي أنت شاربها بفلوس شقانا سوا؟ مش عايزة شقق يا كريم.. القرض يتسدد كاش في حساب البنك قبل الساعة ٢ الضهر، وفلوس حسابي اللي حولتها لأمك ترجع.. وإلا قسَمًا بالله هتشوف أختك في عربية الترحيلات قبل المغرب.”

أغلقتُ الخط في وجهه دون الانتظار لسماع رده.

رجعتُ إلى مكتب الهانم دينا.. أو بالأصح، المعرض الجديد الذي افتتحته بالـ 40 ألف دولار. وقفتُ بسيارتي على الجانب الآخر من الرصيف أراقب المشهد.

كانت الواجهة الزجاجية الفخمة تلمع، لكن بالداخل كانت دينا تبكي بهستيريا، وكريم يروح ويجيء محاولًا الاتصال بأي شخص لتدبير المبلغ قبل الموعد النهائي. رأيتُ بعيني كيف تدور الدوائر؛ نفس المكان الذي بُني بأموالي وبألم أمي، يتحول الآن إلى مصيدة لهم.

الساعة دقت الواحدة والنصف ظهرًا.

وصلتني رسالة بنكية على هاتفي: “تم إيداع مبلغ 40,000 دولار في حسابكم…” متبوعة برسالة أخرى بإعادة المبالغ المستقطعة من الحساب المشترك.

لقد باع كريم أرضًا كان يملكها في القرية، أو ربما اقترض من أصدقائه تحت ضغط الفضيحة والسجــ,,ـــــن.. لا يهم، المهم أن حقي عاد كاملًا مكملًا بالرقم والمليم.

في تمام الساعة الرابعة عصرًا، توجهتُ إلى المستشفى مرة أخرى.

حين دخلتُ الطابق الخاص بالعناية المركزة، كان كريم يجلس على الأرض، وقميصه مجعد، ووجهه أسود كأنه كبِر عشر سنوات في يوم واحد. ودينا كانت تنظر إلى الأرض بخزي غير مسبوق.

وقفتُ أمامهم، فأسرع كريم بالوقوف وقال بصوت مبحوح:

— “الفلوس رجعت.. والبنك قفل الملف.. ارتحتِ؟ سيبيلنا أمي بقى نركز معاها.”

أخرجتُ من حقيبتي مظروفًا مغلقًا، ورميته على ركبتيه وهو يجلس.

— “إيه ده كمان؟” سأل برعب.

ابتسمتُ وقلت:

— “دي ورقة طلاقي منك يا كريم.. طلاق على الإبراء. أنا مش هسيبك تركز مع أمك وبس.. أنا هسيبك تعيش اللي باقي من عمرك بتسدد الديون اللي عليك للناس عشان تنقذ أختك.. هسيبك تفتكر كل ٤٧ ثانية قسوتك فيهم عليا.. هسيبك تلف حوالين نفسك.”

التفتُّ لأغادر، فنادتني دينا بصوت ضعيف ملؤه الغل:

— “فاكرة نفسك انتصرتِ يا سلمى؟ بكره كريم يتجوز ست ستك وأمي هتقوم بالسلامة، وأنتِ هتفضلي لوحدك!”

توقفتُ مكاني، دون أن أنظر إليها، وقلت بصوت مسموع هز الممر كله:

— “الست اللي تشيل أمها على كتافها وتجيب حقها بدراعها.. عمرها ما بتكون لوحدها. أنا معايا نفسي.. ودي أغلى حاجة أنا كسبتها النهارده.”

مشيتُ وأنا أسمع صوت كريم وهو يصرخ في أخته ليُسكتها، وصوت الممرضات وهم يطلبون منه الهدوء.

خرجتُ إلى الشارع، وكان الهواء هذه المرة دافئًا.. دافئًا جدًا. لكن خطوتي لم تنتهِ هنا، فما زال هناك حساب أخير لم يُغلق بعد مع حماتي التي ترقد داخل العناية.. والزيارة القادمة ستكون لها خصيصًا.

انتظرتُ يومين كاملين حتى تأكدتُ من نقل حماتي، الحاجة فايزة، من غرفة العناية المركزة إلى غرفة عادية في الطابق الثالث. كان جسدها قد بدأ يستجيب للعلاج، لكن كبر سنها وجسامة الكسر جعلا حركتها شبه مستحيلة.

في تمام الساعة السادسة مساءً، دلفتُ إلى المستشفى. كانت الممرات هادئة على غير العادة. صعدتُ في المصعد بخطوات واثقة، والمظروف الذي يحتوي على بقية الأوراق الرسمية وقسيمة الطلاق في يدي.

قبل أن أصل إلى باب غرفتها، لمحتُ كريم من بعيد وهو يتحدث مع الطبيب بنبرة حادة. تخفيتُ خلف الجدار لأستمع إلى حوارهما.

كان الطبيب يقول له بنفاد صبر:

— “يا أستاذ كريم، والدتك محتاجة جراحة تثبيت شريحة ومسامير فورًا، وتكلفة العملية والمستلزمات لازم تتسدد قبل الصبح.. المستشفى هنا استثماري، والمهلة اللي أخدتوها خلصت.”

رد كريم وصوته يرتجف من قلة الحيلة:

— “يا دكتور أرجوك امضِ على القرار وأنا هصرف الشيكات بكره.. أنا لسه بايع أرضي بنص تمنها عشان أسدد مديونية تانية.. والله ما معايا كاش حالًا!”

تراجع الطبيب خطوة وقال بحسم:

— “الحالة مستقرة حاليًا على الأجهزة والمُسكنات، بس مش هتدخل العمليات من غير دفع الحساب.. اتصرف يا فندم.”

ترك الطبيب كريم واقفًا بطوله في الممر، يضــ,,ـــــرب كفًا بكف، وعلامات الضياع مرسومة على وجهه بالكامل. انتظرته حتى دخل إلى الحمام ليغسل وجهه، وتحركتُ أنا مباشرة نحو غرفة حماتي.

فتحتُ الباب بهدوء شديد.

كانت الغرفة شبه مظلــ,,ـــــمة، تضاء فقط بنور الأجهزة المحيطة بالسر,,ـــــير. كانت حماتي مستلقية، وجهها شاحب، وتحيط بحوضها وجسدها جبيرة ضخمة تمنعها من الالتفات. بمجرد أن سمعت صوت الباب، ظنت أن القادم هو كريم أو دينا، فقالت بصوت مبحوح وبتأوه:

— “تعال يا كريم.. شوف الممرضة الزفت دي فين، مش راضية تعدلي المخدة.. وجسمي كله قايد نــ,,ـــــار.”

اقتربتُ من السر,,ـــــير بخطوات بطيئة، وضغطتُ على زر الإضاءة العلوية ليتضح وجهي تمامًا تحت الضوء الأبيض.

فتحت عينيها ببطء، ولما رأتني، تجمدت ملامحها وتغيرت نبرة صوتها من التوجع إلى حدة غريبة رغم تعبها:

— “سلمى؟ أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ كريم قالي على اللي عملتيه في البنك.. أنتِ مشيتي وسبتينا في عز زنقتنا يا قليلة الأصل؟”

لم يهتز فيّ رمش واحد. سحبتُ المقعد الخشبي وجلستُ بجوار سر,,ـــــيرها تمامًا، ووضعتُ حقيبتي والمظروف على حجرها برفق قائلًا:

— “ألف سلامة عليكي يا حاجة فايزة.. يارب ما تتعبينيش تاني.”

نزلت الجملة عليها كالصاعقة. تذكرت فورًا ورقتها الصفراء التي كتبتها لأمي وهي في أوج مرضها بالسرطان. زاغت عيناها يمينًا ويسارًا، وحاولت التحرك لكن الألم ألجمها فصرخت:

— “أنتِ جاية تشمتي فيا وأنا مكسورة؟”

— “لأ.. أنا جاية أوريكي نتيجة ذكائي” قلتُها بابتسامة باردة، ثم تابعت: “فاكرة ليلة رأس السنة لما قولتيلي طالما أهلك غلابة خليكي أذكى؟ أنا سمعت نصيحتك بالملي. بقيت أذكى.. وجمعت كل الإثباتات اللي تخلي ابنك يبيع أرضه في يوم وليلة عشان يحمي نفسه وأخته من السجــ,,ـــــن.. وبقيت أذكى وخلعت من عيلتكم المزيفة دي بأموالي وكرامتي.”

أخرجتُ وثيقة الطلاق ووضعتها أمام عينيها:

— “أنا وكريم اتطلقنا.. ومبقاش ليكي عندي أي حق، ولا حتى حق الزيارة.. أنا جاية بس عشان أحط النقط على الحروف.”

في تلك اللحظة، فُتح الباب واندفع كريم إلى الداخل بعد أن علم بوجودي من الممرضات. كان يلهث، ونظر إليّ برعب قائلاً:

— “سلمى! أنتِ بتعملي إيه هنا؟ أرجوكي أمي ماينفعش تتعرض لأي ضغط.. اطلعي بره!”

وقفتُ من مقعدي، وعدلتُ هندامي بكل ثقة، ونظرتُ إليهما معًا:

— “أنا خارجة يا كريم.. بس قبل ما أمشي، أحب أقولكم إن المستشفى مش هيرضى يعمل العملية للحاجة فايزة من غير دفع كاش.. وبما إن الحساب المشترك اتقفل، وفلوس القرض رجعتلي.. فأنتم دلوقتي لوحدكم تمامًا.”

حاولت حماتي بصوت متقطع أن تأمر كريم:

— “رد عليها يا كريم.. قولها إننا مش محتاجينها.. قولها إن أختك دينا معاها فلوس المعرض..”

ضحكتُ بصوت مسموع وقاطعتُها:

— “دينا؟ دينا قفلت تليفونها ومشت مع جوزها بعد ما عرفت إن البنك طالب تحقيق في التزوير، ومش عايزة تظهر في الصورة عشان ما تدفعش مليم من معاها.. دي التربية اللي زرعتيها يا حاجة فايزة، بتجني ثمارها دلوقتي.”

شحب وجه حماتي تمامًا، ونظرت إلى كريم لتتأكد من كلامي، فلم يجد كريم مفرًا من إشاحة وجهه عنها إلى الأرض بخزي، وهو ما أكد لها الحقيقة المرة.

تحركتُ نحو الباب، وقبل أن أفتحه لكي أغادر، التفتُّ إليهما للمرة الأخيرة وقلت:

— “التسعين يوم بتوع أمي عدّوا.. ودلوقتي أيامكم أنتم بدأت.. ورونا هتعيشوها إزاي.”

خرجتُ من الغرفة، وصوت بكاء حماتي الممزوج بألم الكسر يلاحقني في الممر، بينما وقف كريم عاجزًا لا يملك حتى ثمن العملية التي ستنقذ والدته.

أغلقتُ باب الطابق خلفي، ونزلتُ إلى الشارع.. كانت هناك خطوة واحدة أخيرة تنتظرني لإنهاء هذه الصفحة تمامًا، خطوة تخص مستقبل كريم ودينا القانوني الذي لم أتنازل عنه بالكامل بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *