جوزي بعتلي 150 الف ج 5

## الجزء التاسع: عاصفة الرماد

لمسة إيد يوسف لبنتها “أمل” وهي بين إيديه كانت زي البلسم اللي داوى كل الجروح القديمة. منة بصت للمشهد ده وحست لأول مرة إن ربنا بيعوضها عن كل لحظة ذل وخوف عاشتها. الأيام اللي بعد كده مرت زي الحلم؛ يوسف مكنش مجرد حبيب قديم، ده بقى السند الحقيقي اللي بيشيل مع كريم مسؤولية كل حاجة، وبيرسم الضحكة على وش أمل اللي اِتعلقت بيه وبقت تندهله “بابا يوسف”.

أعلنوا خطوبتهم في حفل عائلي صغير وبسيط، منة صممت فستانها بنفسها، وكان فستان رقيق وراقي بلون الفيروز. الكل كان فرحان، وكريم كان حاسس إنه أخيرًا بيسلم أمانته لإيد أمينة.

لكن الدنيا مابتسيبش حد في حاله، والشياطين اللي دخلوا السجن مكنش سهل عليهم يشوفوا منة وهي بتتبني من جديد وبتعيش المحنة كأنها منحة.

في سجن القناطر للنساء..

كانت نيرمين قاعدة في العنبر، وشها شاحب، وهدوم السجن الزرقا واسعة عليها ومتبهدلة بعد ما ولدت ابنها “سيف” جوة مستشفى السجن. الطفل كان نايم على دكة خشبية جنبها، بيبكي بصوت ضعيف من الحر وقرص الناموس.

جنبها، كانت الحاجة فاطمة قاعدة وضهرها محني تماماً، عياطها مبقاش بيقف، والطمع اللي كان مالي عينها اِتحول لكسرة وخزي.

دخلت السجانة وصرخت: “نيرمين عوض! عندك زيارة من محامي.”

نيرمين قامت بلهفة وفرحة، اِفتكرت إن في نقض قُبل أو مصيبة اِنزاحت. جِريت على غرفة الزيارة، لقت محامي شاب من طرف أبوها واقف ومستنيها.

نيرمين بلهفة: “أهلاً يا أستاذ.. طمني! أبويا هيرفع قضية ويخرجني؟ أحمد اعترف؟ في إيه؟”

المحامي بص لها بأسف وقدم لها ورقة من ورا السلك: “أنا جاي بناءً على طلب الحاج عوض.. دي ورقة طلاقك من أحمد عبد العزيز، هو مضى عليها في سجن الرجال بناءً على قضية الضرر اللي رفعناهالك.”

نيرمين صرخت: “أنا مش عايزة ورقة طلاق! أنا عايزة أخرج من هنا! ابني هيموت في السجن! فين الفلوس اللي أحمد كان مخبيها؟ فين محلات التجمع؟”

المحامي تنهد بقرف: “أملاك أحمد كلها اِتصادرت لصالح الدولة، والجزء اللي كان كاتبه باسمك وباسم والدته، طلع متباع لصندوق استثماري باسم ‘أمل’ بنت منة.. إنتي ووالدته م تملتوش مليم واحد برة.. وأبوكي بيقولك ابنك ده لما يكمل السن القانوني ويخرج من السجن، هو هيتكفل بيه، بس إنتي مالكيش دخول بيته تاني بعد ما جرصتيه في العيلة.”

نيرمين انهارات، بدأت تلطم على وشها وتصرخ وتخبط دماغها في السلك: “منة! كله بسبب منة! هي اللي أخدت الشقة وفلوس يوسف ودمرت حياتنا! مش هسيبها.. قسماً بالله ما هسيبها تتهنى!”

في سجن طرة..

أحمد كان قاعد في زنزانته الجماعية، لابس البدلة الزرقا، ضوافره طولت ووشه بقى مليان قذارة. وسط المساجين، مبقاش “أحمد بيه” بتاع المقاولات والفلوس، بقى مجرد مسجون رقم.. “الديل” اللي ودى الكل في داهية.

دخل عليه واحد من المساجين القدام، راجل ضخم ووشه مليان علامات جروح، وحط إيده على كتف أحمد بقوة لدرجة وجعته:

“يا كابتن.. في واحد برة بعتلك الأمانة دي مع الزيارة التابعة ليه.. وبيقولك: ‘القديم مابيموتش.. ودي يدوب البداية’.”

الراجل رما في حجر أحمد علبة سجاير غالية جداً.. وجواها ورقة صغيرة.

أحمد فتح الورقة وهو بيرتعش، لقى مكتوب فيها:

(أمك ونيرمين بقوا مساجين، وابنك اتولد في زنزانة.. وكل أملاكك بقت باسم ‘أمل’.. أنا مسحت اسمك من الدنيا يا أحمد، ومخليك عايش بس عشان تتعذب.. يوسف السيوفي).

أحمد مسك الورقة وكرمشها في إيده وهو بيصرخ صرخة مكتومة، الغل والجنون طاروا من عينه.. وبدأ يكلم نفسه كأنه فقد عقله تماماً.

بعد مرور شهرين..

ميعاد فرح منة ويوسف قرب. الترتيبات كانت على قدم وساق، ويوسف حجز قاعة فخمة جداً في أحد الفنادق الكبرى المطلة على النيل، وجاب لمنة كل اللي كانت بتحلم بيه وزيادة.

في ليلة الحنة..

منة كانت قاعدة في بيت أهلها القديم مع صاحباتها وجيرانها، الأغاني شغالة والفرحة مالية المكان. منة كانت منورة كأنها رجعت بنت عندها عشرين سنة، كريم كان واقف برة بيشرف على العشا والناس.

فجأة، جرس الباب رن..

كريم فتح الباب، لقى راجل غريب، لابس لبس بسيط وشكله باين عليه التعب، وماسك في إيده ظرف كبير مغلق بشمع أحمر.

الراجل: “ده بيت الأستاذ كريم؟ والمدام منة عبد الرحمن؟”

كريم باستغراب: “أيوة، أنا كريم.. خير في إيه؟”

الراجل قدم له الظرف: “أنا محضر من محكمة قنا لشئون الأسرة.. ده إعلان رسمي برفع دعوى قضائية مستعجلة ضد المدام منة.”

كريم قلق وسحب الظرف: “دعوى إيه يا فندم؟ منة ملهاش قضايا مع حد!”

المحضر بص للأرض بأسف وقال: “الدعوى مرفوعة من السجن.. من المتهم أحمد عبد العزيز ووالدته فاطمة.. بيطالبوا فيها بإسقاط حضانة الطفلة ‘أمل’ عن المدام منة، ونقل الحضانة لجدتها لأبوها (أخت الحاجة فاطمة) بتهمة إن المدام منة على علاقة برجل غريب (يوسف السيوفي) وإنها غير أمينة على تربية البنت بسبب التحقيقات القديمة في قضية غسيل الأموال!”

كريم الدم غلي في عروقه، والظرف كان هيتقطع في إيده: “يسقطوا حضانة مين يا ابن الـ…؟! دول مساجين ونصا…”

منة كانت خارجة من جوة وهي بتضحك وفستان الحنة مالي الأرض، بس شافت وش كريم والظرف الإعلان في إيده.. الضحكة اِتخطفت من وشها، وقربت برعب: “في إيه يا كريم؟ الظرف ده فيه إيه؟”

كريم حاول يخبي الورقة ورا ضهره، بس منة سحبتها وقرت الكلام..

الدنيا لفت بيها تاني، وحست إن كابوس أحمد لسة بيمد إيده القذرة من ورا القضبان عشان يسرق منها الحاجه الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا.. بنتها!

**هل هيقدر أحمد وهو جوة السجن يلعب لعبته الأخيرة ويسرق أمل من حضن منة؟ ويوسف هيتصرف إزاي مع القانون في المواجهة الجديدة دي؟**

## الجزء العاشر والأخير: فجر الأيام الطيبة

نزلت الكلمات على قلب منة زي طعنة الغدر، رجعت خطوتين لورا وسندت على الحيطة، وفستان الحنة الفيروزي اللي كان منور من شوية حسيت إنه بقى حبل بيخنقها. صرخت بصوت مخنوق: “مش هيمسوا بنتي يا كريم! لو السما انطبقت على الأرض مش هسيب أحمد وأهله ياخدوا أمل!”

كريم مسك إيدها وطمنها: “اهدي يا منة، دي رقصة المذبوح.. أحمد وشاكر محبوسين، وأمه ونيرمين في زنزانة، والورقة دي غرضها بس يكسروا فرحتك ويموتوا قلبك ليلة فرحك.”

في نفس اللحظة، الباب خبط ودخل يوسف وعينه كلها قلق بعد ما السكرتيرة كلمته وقالتله إن المحضر جه. أول ما شاف الورقة في إيد منة، ملامحه الحادة اِتحولت لغضب صامت ومرعب. قرب من منة، أخد الورقة منها، ورماها على التربيزة وبص في عينها بكل ثبات: “أنا سيبت أحمد عايش في السجن عشان يتعذب.. بس مادام مد إيده على بنتي، يبقى هو اللي استعجل نهايته تماماً.”

تاني يوم الصبح.. في مكتب رئيس محكمة شئون الأسرة.

المحامي بتاع أحمد (اللي دفع ملاه أهل نيرمين من ورا أبوها في السر) كان واقف ومعاه الست “رسمية” أخت الحاجة فاطمة، ست غليظة وملامحها كلها طمع، وجايين بكل ثقة عشان يقدموا طلب مستعجل لسحب البنت.

وفجأة، الباب اتفتح ودخل يوسف السيوفي ومعاه المستشار القانوني الخاص بيه، “رفعت بيه الدمنهوري”، واحد من أكبر رجال القانون في مصر.

شاكر محامي أحمد قام وبص بقلق: “إنتو جايين بصفتكم إيه؟ القضية دي شق أحوال شخصية تخص عيلة أحمد والمدام منة بس!”

المستشار رفعت الدمنهوري ابتسم ابتسامة ثقة و حط ملف ضخم جداً على مكتب القاضي: “سيادة المستشار.. إحنا جايين نقدم مذكرة بدفوع تسقط هذه الدعوى قبل أن تبدأ، ومعاها بلاغ رسمي نيابة عن وزارة التضامن الاجتماعي وبلاغ لنيابة أمن الدولة.”

القاضي بص في الورق وانتبه: “توضيح يا فندم؟”

رفعت بيه: “أولاً: المتهم أحمد عبد العزيز والجدة فاطمة عبد العزيز صادر ضدهم أحكام نهائية وشبه نهائية في قضايا تمس الشرف والأمانة والإضرار بالأمن القومي (غسيل أموال وتخابر اقتصادي). والقانون يمنع نقل الحضانة لجهة تابعة لمتهمين بجنايات مخلة بالشرف.

ثانياً: الست رسمية (المطالبة بالحضانة) بيتها غير مؤهل لرعاية طفلة، وإحنا مقدمين مستندات تثبت إن جوزها وابنها الأكبر محكوم عليهم في قضايا تبديد سابقاً.. يعني البيئة غير صالحة.

ثالثاً والأهم…”

يوسف قرب خطوة وبص للمحامي وللست رسمية وعينه شرار: “أحمد عبد العزيز وقع الصبح في السجن على إقرار رسمي وموثق بالتنازل الكامل والنهائي عن أي حق في الولاية أو الحضانة أو الرؤية للطفلة أمل.. مقابل إنه يفضل في زنزانته الحالية وميتنقلش لسجن الوادي الجديد (أبعد وأصعب سجن في مصر)، ومقابل إننا مانرفعش قضية ‘زنا’ على نيرمين بناءً على تواريخ الجواز السري اللي ثبت إنه تم وهي لسة على ذمة التحقيق في بيوت تانية.”

المحامي وشه جاب مية لون، والست رسمية لمت شيلانها وجريت برة المكتب وهي بتبرطم من الخوف. القاضي ضرب بالشاكوش وقال: “تُرفض الدعوى شكلاً وموضوعاً، وتثبت الحضانة الكاملة للأم منة عبد الرحمن.”

في سجن طرة..

أحمد كان قاعد في الأرض، عياطه بقى زي الأطفال.. المحامي بلغه إن اللعبة الأخيرة فشلت، وإن يوسف قفل عليه كل أبواب الدنيا. أحمد بص للسقف وكلم نفسه: “خسرت كل حاجة.. الشغل، الفلوس، الشرف، الأملاك.. وحتى بنتي مبقاش ليا حق أنطق اسمها.. ضيعت نفسي وضيعت عيلتي عشان وهم.”

وفي سجن النساء.. نيرمين كانت قاعدة في العيادة وابنها في حضنها، الدكتور بلغها إن ابنها لازم يخرج برة السجن عشان عنده حساسية شديدة في الصدر، وأبوها رفض يستلمه.. ملقيتش قدامها غير إنها تبعته لدار رعاية.. بكت نيرمين دموع دم، واِتأكدت إن ذنب منة والـ 150 ألف جنيه اللي ضحكت عليهم زمان، هيدفعوا تمنهم طول العمر.

بعد مرور أسبوع.. ليلة الفرح الكبير.

الفندق المطل على النيل كان منور، وأنوار الفرح واصلة للسما. القاعة كانت مليانة بالناس اللي بيحبوا منة ويوسف بجد، وكريم واقف لابس بدلته السودا الفخمة وبيرحب بالضيوف ودموع الفرحة في عينه.

المزيكا بدأت تعزف لحن رقيق وهادي..

انفتحت أبواب القاعة، ودخلت منة. كانت زي الملاك، فستان الزفاف الأبيض اللي صممته بنفسها كان أسطوري، منور ومطرز بحبات اللؤلؤ الصغيرة. وشها كان صافي ومفيش فيه أي أثر للحزن القديم.

في إيدها اليمين كانت ماسكة بنتها “أمل” اللي لابس فستان أبيض صغير وزي الملاك هي كمان.. وفي إيدها الشمال كان واقف يوسف، ساندها ومبتسم ابتسامة ملك الدنيا كله فيها.

يوسف أخد إيد منة، وباسها قدام الكل، وهمس في ودنها: “الوعد اِتنفذ يا قلب يوسف.. السبع سنين اللي فاتوا ماتوا، والنهاردة أول يوم في عمرنا الحقيقي.”

منة بصت في عينه، وحست إن جبل الهموم خلاص داب، وإن كل الوجع اللي عاشته كان مجرد طريق ضلمة عشان يوصلها للنور ده. اِبتسمت وقالتله بصوت كله حب وأمان: “أنا تِهت كتير يا يوسف.. بس ربنا رجعني لحضنك عشان يعرفني إن الطيبين دايماً بيكسبوا في الآخر.”

اشتغلت أغنية الفرح، ويوسف شال “أمل” الصغيرة على كتفه، ومسك إيد منة وبدأوا يرقصوا وسط تصفيق وفرحة كل اللي حواليهم..

والقاهرة اللي كانت ليلتها امبارح مطر وخوف ورسائل غدر.. بقت الليلة منورة، دافية، وشاهدة على بداية حياة جديدة مبنية على الصدق، الأصول، والحب اللي عمره ما بيموت.

**تمت الحكاية بنصرة الحق.. وعاشوا حياة طيبة.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *