مظاهر خداعه ٢

ومرت الأيام، والبرود اللي في البيت بدأ يتحول ل*س*م هاري. الست اللي “مفيهاش غلطة”، واللي اتجوزتها عشان أرضي نظرة أمي والناس، بدأت هي اللي تبصلي بنفس العين اللي كنت ببص بيها لمراتي الأولى.. عين مابتلقطش غير العيب وبس.

في يوم كنا معزومين عند أهلها، وكنت واقف بلبس قميصي قدام المراية، لقيتها واقفة ورايا، وبتبصلي بنظرة استهجان عمري ما نسيتها، وقالتلي بنبرة كلها تريقة وقرف: “بقولك إيه.. أنت شعرك ماله بقى بيخف كدة ليه من قدام؟ وبقى خفيف وفيه فراغات؟”

أنا اتسمرت مكاني وبصيتلها في المراية، مالحقتش أرد، لقيتها كملت وهي بتهز رأسها: “ولاحظت كمان إن كرشك بقى بيكبر وبقى باين أوي في اللبس.. بجد شكلك مابقاش لطيف خالص، أنت كدة بتحرجني قدام أهلي وبتصغرني وسط قرايبي! أنا مش واخدة واحد عشان يتبهدل كدة ويبوظ شكلي قدام الناس”.

الكلمات نزلت عليا زي السكاقين، نفس السكاكين اللي كنت بدبح بيها مراتي الأولى زمان. حسيت ساعتها إن الزمن بيلف، وإن الدنيا بتخلص حقها مني بالملي. نفس الوجع، ونفس جرح الكرامة والأنوثة اللي دوقتهم لست طيبة ملهاش ذنب، بقيت بدوقهم النهاردة في رجولتي وفي شكلي من ست مفيهاش غلطة.. بس كمان مفيهاش رحمة.

طول العزومة عند أهلها، كنت قاعد كاتم في نفسي، ببص لضحكاتها مع قرايبها وببص لثقتها بنفسها، وجوايا بركان. افتكرت مراتي الأولى لما كنت بدخل البيت وأعايرها بسمارها وشعرها، افتكرت إزاي كانت بتكسر عينيها في الأرض وتسكت، وتروح تجري تشتري كريمات وتغير تسريحتها بس عشان تعجبني ومتحرجنيش. مكنتش بتمشي تشتكي لأهلها ولا كانت بتقولي “أنت بتحرجني”. كانت بتداوي قسوتي بحنيتها.

أما الست اللي زي ما قال الكتاب، فكانت شايفة إنها خسارة فيا، وإن أي تغيير بيحصل في شكلي بسبب همومي وضغط الشغل، هو “إهانة” ليها ولبرستيجها قدام الناس.

لما رجعنا البيت، واجهتها وقولتلها: “أنتِ إزاي تقوليلي كدة؟ الشياكة والمنظر مش كل حاجة في الراجل يا بنت الناس”. بصتلي ببرود وقالتلي: “لا كل حاجة.. أنا بنت عيلة وميتعابش عليا، وزي ما أنا مهتمة بنفسي ومفيش فيا غلطة عشان أرفع راسك، أنت كمان لازم تفضل مظبوط عشان متصغرنيش”.

سابتني ودخلت نامت بكل برود، وأنا فضلت واقف قدام المراية لوحدي.. ببص لوشي، ولقيت دموعي بتنزل لأول مرة من سنين. مكنتش دموع وجع من كلام مراتي الجديدة، كانت دموع ندم.. ندم حقيقي هز جدران قلبي.

عرفت إن ربنا مبيدرّش بالظلم، وإن الكأس اللي سقيت منه مراتي الأولى، بقيت بشرب منه النهاردة وبنفس الطعم المر. أمي اللي كانت بتزن وتخليني أقارن، مكنتش موجودة عشان تدافع عني، والمنظر اللي ضحيت بعمري وببيتي الأولاني عشانه، بقى هو السجن اللي بيخنقني كل يوم. بقيت عايش مع ست بتكسف مني وتعايرني، بعد ما خسرت الست اللي كانت شايفة عيوبي كلها.. ومكتفية بيا

من بعد الليلة دي، الحياة بيننا اتحولت لـ “تأديب وتبكيت” مستمر. مبقتش طايق أدخل البيت، ومبقتش طايق النظرة اللي بتفحصني بيها من فوق لتحت أول ما أفتح الباب، كأنها مفتش داخل يستلم عهدة ناقصة.

لو لقتني قاعد مهموم، بدل ما تقولي “مالك يا بو فلان؟”، تقولي: “بقولك إيه، ابقى غير قصة شعرك دي عشان الفراغات باينة أوي وأنت قاعد، وبلاش تلبس القميص ده تاني عشان بيبين كيرف كرشك، صحباتي لما شافوا صورتنا الأخيرة علقوا على الموضوع ده ولطخوا وشي”.

كلمة “لطخوا وشي” و”صغرتني” بقت هي الديباجة بتاعة أي حوار. الست اللي اتجوزتها عشان “تشرفني” قدام الناس، بقت شيفاني “وصمة عار” بتهدد برستيجها الاجتماعي.

وف يوم، أمي جات تزورنا. كانت قاعدة، ومراتي دخلت تقدم العصير بكل شياكة ورقة.. الرقة المزيفة اللي بتظهر قدام الناس بس. أمي بصتلها بإعجاب وقالتلي: “شفت يا ابني الشياكة؟ شفت الست اللي تفتح النفس؟”. مراتي ابتسمت ابتسامة صفرا وبصت لأمي وقالتلها: “تسلمي يا طنط، بس يا ريت ابنك كمان يهتم بنفسه شوية، ده مبقاش مهتم بشكله خالص، وشعره هر وبقى ليه كرش، وبقيت بكسف أقول لصحباتي إنه رايح معايا النادي”.

أمي اتصدمت، وبصتلي.. مكنتش متوقعة إن “ست البنات” اللي اختارتها على الفرازة، ممكن تكسر ابنها بالطريقة دي وقدامها. حاولت أمي تلطف الجو وقالت: “معلش يا بنتي، الشغل وهموم الدنيا.. الراجل ميعيبوش إلا جيبه”. فردت مراتي بكل برود وهي بتعدل شعرها: “لا يا طنط، في زماننا ده الشكل والمنظر هما كل حاجة، وأنا من حقي جوزي يفضل واجهة ليا زي ما أنا واجهة ليه”.

أمي سكتت، ومقدرتش تنطق بكلمة.. شافت في عيني نفس الكسرة اللي كانت بتشوفها في عين مراتي الأولى لما كنا بنقعد نتسلى عليها. شافت حصاد الزرعة اللي زرعتها فيا.

لما أمي مشيت، لقيتها بتبكي وبتقولي: “أنا آسفة يا ابني، مكنتش فاكرة إنها بالأنانية دي.. دي مفيهاش حنية خالص”. بصيت لأمي وضحكت بوجع وقولتلها: “مش أنتِ اللي كنتِ بتقوليلي اختار اللي ترفع راسنا؟ أهي رفعت راسنا لدرجة إنها شايفة إننا متسواش حاجة جنب عيلتها ومنظرها”.

في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدا قدام عيني.. افتكرت مراتي الأولى لما كنت برجع من الشغل عرقان وتعبان، كانت تجري تجيبلي هدوم مريحة، وتقولي “ربنا يعينك ويقويك على شقاك”. مكنتش بتبص لصلعة ولا لكرش ولا لوزن، كانت بتبص لراجلها، لسندها اللي شايل البيت. كانت بتشوفني أحسن راجل في الدنيا لمجرد إني جوزها.

بقيت قاعد في بيتي الجديد، مكسور، مهان في رجولتي وفي كرامتي، عايش مع “تمثال رخام” ملوش قلب، كل همه صور الانستجرام ونظرة صحابها. وعرفت بالدليل القاطع، إن اللي بيبيع الغالي عشان يشتري رضا عيون الناس، بيصحي في يوم يلاقي نفسه خسيس في عين نفسه، وخسيس في عين الست اللي ضحى بالدنيا عشانها.

أنا النهاردة عايش عقابي في الدنيا.. وبدعي ربنا ليل نهار إن ذنب مراتي الأولى ميكونش هو الخاتمة، بس الحقيقة اللي مفيش منها هروب: أنا لبست التوب اللي أمي عايزاه، بس اتخنقنا بيه احنا الاتنين.

الندم لما بيتمكن من القلب، بيخلي الواحد يدور على أي طوق نجاة، حتى لو كان عارف إنه متأخر.

بعد ليلة طويلة من قهر الكلام والكسرة، أخدت قراري. قولت ماليش مكان هنا، والبيت ده مش بيتي، والست دي مش مراتي. أنا لازم أصلح الغلط اللي عملته، لازم أروح للست الوحيدة اللي حبتني من قلبها، الست اللي سمارها كان دفا، وشعرها اللي كنت بتريق عليه كان حنية الدنيا فيها. نزلت من البيت والدموع في عيني، وسبت مراتي “بنت العيلة” في برودها ومنظرها، ومشيت وأنا مش شايف قدامي غير صورة مراتي الأولى وكسرة عينيها يوم ما مشيت.

طول الطريق كنت برتب الكلام في دماغي. هقولها إني كنت أعمى، وإني عرفت قيمتها، وإني مستعد أبوس راسها وإيدها قدام الدنيا كلها عشان تسامحني. هقولها إن البيوت من غيرها ضلمة، وإن الست اللي أمي اختارتها طلعت حجر ومفيهاش روح. كنت حاسس بلهفة وندم بيحرقوا في صدري، وعندي أمل صغير إن قلبها الطيب الأبيض مش هيرفضني.

وصلت لحد بيتها.. البيت اللي أهلي قالوا عليه “مش من توبنا”. طلعت السلم وأنا قلبي بيدق زي الطبل، إيديا كانت بترتعش وأنا بمدها عشان أخبط على الباب. خبطت.. وثواني مرت عليا كأنها سنين، لحد ما الباب اتفتح.

بس اللي فتح الباب مكنتش هي.. ولا كان حد من أهلها.

كان راجل.. راجل طويل، وشه سمح، باين عليه الهيبة والوقار، لابس لبس مريح وفي عينه نظرة استقرار وهدوء.

أنا اتسمرت مكاني، الكلمتين اللي كنت مرتبهم طاروا من دماغي، ولساني عجز عن النطق. بصيتله بذهول وقولت بتلعثم: “أنا.. أنا كنت عايز.. هي الأستاذة فلانة هنا؟”

الراجل بصلي بنظرة كلها هدوء، كأنه قرا في عيني كل حاجة، وكأنه عرف أنا مين من غير ما أتكلم. ابتسم ابتسامة هادية وقالي بنبرة كلها رجولة وصون: “أه يا فندم، المدام جوة.. خير، أقولها مين؟”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “المدام”!

الدنيا لفت بيا، وحسيت الأرض بتهتز تحت رجلي. وفي اللحظة دي بالظبط، سمعت صوتها جاي من جوة.. الصوت اللي كنت بتبخل عليه بكلمة “تسلم إيدك”. كانت بتقول بنبرة كلها دفا وفرحة وعمرها ما طلعت معايا: “مين يا حبيبي على الباب؟ الغدا جه؟”

الراجل التفت ليها وقالها بحنية تشرح القلب: “لا يا حبيبتي، ده واحد بيسأل عليكي، خليكي جوة وأنا هشوفه”.

في اللحظة دي، شفتها من وراه.. كانت واقفة في الصالة، وشها منور، سمارها اللي كنت بعايرها بيه بقى زي الشمس من كتر الراحة والرضى، شعرها كان مفرود ومفيش فيه أي تكلف، ولابسة فستان بسيط وجميل. مكنتش الست المكسورة الخايفة اللي سابتني من شهور، كانت ست تانية خالص.. ست عايشة في حِمى راجل بجد، راجل مقدرها وصاينها، وشايفها الدنيا وما فيها.

هي بصتلي.. عينيها جت في عيني. مكنش في عينيها غل، ولا عتاب، ولا حتى صدمة. كانت نظرة واحدة كلها “شفق” ولامبالاة، كأنها بتبص لواحد غريب ملوش أي قيمة في حياتها. لفت وشها ودخلت جوة بكل هدوء، من غير ما تنطق بحرف واحد.

الراجل رجع بصلي، وحط إيده على الباب وقالي بكل ذوق بس بحسم: “يا فندم، إحنا اتجوزنا من فترة، وربنا كرمني بيها، وهي معززة مكرمة في بيتي، وشايلها في عيني.. فلو في أي شغل أو حاجة قديمة، يا ريت بلاش، عشان أنا مسمحش لأي حاجة تعكر صفو حياتنا”.

أنا مقدرتش أرد.. مكنش عندي عين أنطق. هزيت راسي ولفيت وضهري مكسور، ونزلت السلم وأنا بجر في رجلي الخيبة والندم.

عرفت ساعتها إن ربنا عادل أوي.. الغالي اللي رميته في التراب عشان أرضي عيون الناس، جه اللي يعرف قيمته، ويشيله فوق الراس كأنه ألماس. عرفت إنها لما سألتني “أنا ذنبي إيه إنك مش شايفني؟”، ربنا بعتلها الراجل اللي يفتح عينيه وقلبه عليها ويشوفها أحسن ست في الدنيا.

رجعت لبيتي البارد، لمراتي “بنت العيلة” اللي مفيهاش غلطة، وقعدت في مكاني.. وبكيت بدل الدموع دم. خسرت الست اللي كانت شيفاني الدنيا، وعرفت بالدليل القاطع إن الندم مبيصلحش اللي انكسر، وإن الست اللي تكسر خاطرها وتبيعها عشان رضا الناس.. بكرة ربنا يعوضها بواحد يصونها، ويسيبك أنت ت

اكل في نفسك لحد ما تموت بالبطيء.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *