جوزي بعتلي 150الف ج 3

## الجزء الخامس: رقصة الأفاعي

الظابط وشه اتقلب وهو سامع الصوت اللي بيكلمه في التليفون. بص لمنة بنظرة فيها إعجاب على صدمة، ورجع خطوتين لورا وهو بيقول: “تمام يا فندم.. تمام يا فندم، كله تحت السيطرة.. أوامرك.”

قفل الموبايل وبص لمنة وكريم وقال بنبرة هادية تماماً اختفت منها القسوة: “مدام منة.. المكالمة دي كانت من رئيس نيابة الأموال العامة العليا بنفسه. البلاغ اللي أختك قدمته من ساعتين في مكتب النائب العام بالملفات اللي على السيرفر، قلب الوزارة كلها. إحنا مش جايين نقبض عليكي.. إحنا جايين ننفذ قرار ‘حماية شهود’ وتأمين طبي ليكي وللبنت.”

كريم أخد نَفَس طويل كأنه كان مخنوق، ومنة ابتسمت وهي بتغمض عينها من التعب: “الحمد لله.. الفلاشة طلعت هي طوق النجاة.”

الظابط كمل: “الملفات اللي إنتي شيلتيها دي فيها أسماء شركات وهمية، وعقود تصدير واستيراد وهمية لقطع غيار سيارات، ومقاولات.. كلها واجهات لغسيل أموال تبع ‘شبكة المرصفي’. الـ 150 ألف جنيه بتوعك كانوا الغلطة اللي كشفت الغطاء عن جبل الجليد.”

في نفس اللحظة.. في مكتب “شاكر المرصفي”.

شاكر كان قاعد ورا مكتبه الفخم، بيولع سيجار وغرقان في ضحكة ثقة وهو بيكلم نيرمين على الموبايل: “برافو عليكي يا نيرمين.. بكره في النيابة هتقولي نفس الكلام.. ومنة هتدبس في القضية لوحدها، وأحمد هيطلع منها بكفالة وتعيشوا حياتكم بالـ 2 مليون جنيه.”

نيرمين بصوت مرعوب وبتعيط: “يا شاكر بيه.. أنا خايفة، أبويا حبسني في الأوضة وقالي لو كدبتي في النيابة هيدفنني صاحية.. ومنة مش سهلة.. منة مأمنة نفسها.”

شاكر نفخ دخان السيجار ببرود: “أبوكي سيبيه عليا، وأحمد أمه هتلينه.. ومنة خلاص، رجلها جت في المصيدة ومحدش هيصدقها قدام مستندات البنك.. اقفلي دلوقتي.”

أول ما شاكر قفل الخط، باب المكتب بتاعه اتفتح من غير إذن.. دخل عليه اتنين رجالة بلبس مدني، ووراهم قوة من الشرطة.

شاكر قام وقف بغضب: “إنتو مين؟ وإزاي تدخلوا مكتب شاكر المرصفي بالهمجية دي؟ أنا هوديكم ورا الشمس!”

واحد من الرجالة طلع كارنيه المخابرات العامة والأموال العامة المشتركة وبص له ببرود: “شاكر بيه المرصفي.. إنت مقبوض عليك بتهمة التخابر الاقتصادي، وتسهيل غسيل أموال لجهات أجنبية، والإضرار بالأمن القومي. اتفضل معانا من غير شوشرة.”

السيجار وقع من إيد شاكر على السجادة العجمي الفخمة.. وبص لهم بزهول: “مستحيل.. المستندات دي محية تماماً.. مين اللي وصلكم ليها؟”

الظابط رد وهو بيكلبشه: “طليقة أحمد عبد العزيز.. الست اللي كنت فاكرها مجرد زوجة مكسورة.”

في قسم الشرطة..

أحمد كان قاعد مستني محامي شاكر يخرجه.. كان عمال يطبطب على أمه ويقولها: “خلاص يا أمي.. منة هتروح ورا الشمس، وشقة أكتوبر هترجعلنا، ونيرمين هتاخد القرشين ونعيش ملك الملوك.”

وفجأة، الباب اتفتح، ودخل الظابط ومعاه عساكر.. بس مكنش معاهم أمر إفراج.

الظابط بص لأحمد بقرف: “قوم يقف يا روح أمك.. شاكر بيه المرصفي شرف في الزنزانة اللي جنبك، واعترف عليك في أول خمس دقائق إنك كنت ‘الديل’ والوسيط بتاعه، وإنك كنت بتستخدم حسابات عيلتك لتمويه العمليات.. ومامتك دي (شاور على الحاجة فاطمة) شريكة في التستر والمؤامرة.”

الحاجة فاطمة صرخت ولمت القسم بصوتها: “يا لهوي! يا خراب بيتك يا فاطمة! يا ابن عمري ودتني المشنقة برعونتك وطمعك! منك لله يا نيرمين إنتي وأحمد!”

أحمد انهار تماماً، وقع على ركبه وهو بيبكي بهستيرية: “لأ.. لأ يا فندم أنا ماليش دعوة.. أنا كنت بنفذ أوامر شاكر.. منة هي اللي خططت! منة هي اللي معاها الفلوس!”

الظابط ضرب على المكتب بعنف: “اخرس! منة دلوقتي تحت حماية الدولة.. وإنتو التلاتة هتشوفوا أيام أسود من قرن الخروب.”

بعد يومين في المستشفى..

منة كانت قاعدة في سريرها، وبنتها “أمل” في حضنها بعد ما خرجت من الحضانة وبقت بصحة جيدة. كريم كان قاعد جنبها بيبتسم وهو ماسك جورنال الصباح.

كريم: “البلد كلها مقلوبة على قضية المرصفي وشبكة غسيل الأموال يا منة.. أحمد ونيرمين وأمه وشاكر، كلهم اتحالوا لمحاكمة عاجلة جنائية.. وشقة أكتوبر والمحلات وكل أملاك أحمد اتحفظت عليها الدولة، وبصفتك الواصية على بنتك، النيابة حكمتلك بنفقة مؤقتة ومصادرة جزء من فلوس أحمد لصالح بنتك ‘أمل’.”

منة باست راس بنتها ودموع الفرحة في عينها: “الحمد لله يا كريم.. الـ 150 ألف جنيه اللي بعتهم بالغلط، كانوا تمن حريتي وحق بنتي.”

كريم سكت شوية، وبعدين وشه اتغير وقفل الجورنال.. وبص لمنة بقلق: “بس في حاجة يا منة.. المحامي بتاعنا وهو بيراجع ورق القضية في النيابة النهاردة الصبح.. لقى حاجة غريبة جداً.”

منة انتبهت وقالت بقلق: “حاجة إيه؟”

كريم: “الـ 150 ألف جنيه دول.. لما اِتراجع خط سيرهم في البنك.. اتضح إنهم مخرجوش من حساب أحمد ولا من حسابات شاكر المرصفي أصلاً!.. دول خرجوا من حساب شخص تالت خالص، شخص مجهول الاسم، والتحويل حصل من بره مصر.. والشخص ده كتب في الملاحظة الجملة دي عشان ‘يقصد’ يوقع أحمد ويحميكي إنتي بالذات!”

منة برقت عينها بزهول ودقات قلبها السريعة رجعت تاني: “تقصد إيه يا كريم؟! مين الشخص ده؟”

كريم طلع ورقة من جيبه وقال: “الشخص ده كاتب اسم مستعار في التحويل.. بس سابلك رسالة مشفرة تحت الاسم.. كاتب: (القديم مابيموتش يا منة.. وأنا رجعت عشان أوفي بوعدي).”

منة حطت إيدها على بوقها بصدمة وهزت راسها مش مصدقة: “مش ممكن.. هو؟! بعد السنين دي كلها؟!”

**مين الشخص المجهول اللي راقب منة من بعيد، وتدخل في اللحظة المناسبة عشان ينقذها ويدمر أحمد وشبكة المرصفي؟ وإيه السر القديم اللي بينه وبين منة؟**

## الجزء السادس: شبح من الماضي

الورقة كانت بترتعش في إيد منة، وعينها مقدرتش تتحرك من على الجملة: “(القديم مابيموتش يا منة.. وأنا رجعت عشان أوفي بوعدي)”. الكلمات دي مكنتش مجرد رسالة، دي كانت مفتاح لباب قفلته من سبع سنين ورمت مفتاحه في أعمق حتة في قلبها.

كريم كان باصص لملامح أخته اللي اتخطفت تماماً، وسألها بقلق: “منة.. إنتي عارفة مين صاحب الرسالة دي؟ إيه السر اللي بينك وبينه؟”

منة بلعت ريقها بصعوبة، وبصت لبنتها “أمل” اللي نايمة في حضنها، وقالت بصوت أشبه بالهمس: “ده ‘يوسف’ يا كريم.. يوسف السيوفي.”

كريم برّق عينه بصدمة: “يوسف؟! يوسف ابن الجيران اللي سافر إيطاليا فجأة من سبع سنين بعد ما أحمد اتقدم لك؟ مش ده اللي أحمد عمله مصيبة ولبسه قضية سرقة عشان يبعده عنك ويجبر أبوكي يرفضه؟”

منة دموعها نزلت: “هو يا كريم.. يوسف مظلمش حد، وأحمد هو اللي دمر حياته هنا وسفره هربان. يوسف قبل ما يمشي قالي: ‘أنا هلف الدنيا وهكبر، وهرجع أخد حقي من أحمد، وأحميكي منه لو الزمن دار بيكي’.. أنا كنت فاكراه كلام أفلام ومشاعر مجروحة، مكنتش أعرف إنه كان مراقب كل حاجة!”

في نفس اللحظة، في مكان مش بعيد عن المستشفى..

داخل عربية مرسيدس سوداء مفيّمة، كان قاعد شاب في أواخر التلاتينات، ملامحه حادة، لابس قميص أسود مريح، وساعة هوبلو فخمة. كان باصص على شاشة تابلت في إيده، بيتابع أخبار القبض على “شاكر المرصفي” والتحفظ على أملاك أحمد عبد العزيز.

سائق العربية التفت له وقال باحترام: “كله تم يا يوسف بيه.. أحمد وشاكر خلاص انتهوا قانونياً، والنيابة حطت إيدها على كل حاجة، والمدام منة وبنتها بقوا في أمان وتحت حماية الشهود.”

يوسف ابتسم ابتسامة هادية فيها وجع قديم، وبص ناحية مبنى المستشفى: “أحمد كان فاكر نفسه ذكي.. فاكر إنه لما يدخل شبكة غسيل أموال دولية محدش هيكشفه. ميعرفش إن الشركة الإيطالية اللي كانت بتبعت له الفلوس، أنا بقيت الشريك الأكبر فيها من سنتين.. الـ 150 ألف جنيه دول أنا اللي حولتهم لحسابه الشخصي، وأنا اللي كتبت الملاحظة بتاعة نيرمين من تليفونه بعد ما هكرنا السيستم بتاعه.. كنت عارف إن غبائه وطمعه هيخلوه يبعتها لمنة بالغلط، وكنت عارف إن منة أذكى من إنها تسكت.”

السائق: “بس كده حضرتك خاطرت بفلوسك يا فندم، والنيابة ممكن تتتبع الحساب المستعار.”

يوسف بثقة: “الفلوس تروح وتيجي.. بس حق منة، وحقي القديم من أحمد كان لازم يرجع.. وأحمد لازم يدفع تمن كل ليلة سهرت فيها منة بتعيط بسببه.”

تاني يوم.. في سرايا النيابة.

المواجهات كانت شرسة. أحمد واقف بكلبش في إيده، ووشه دبلان تماماً، ونيرمين قاعدة على كرسى بتعيط بهستيرية وأبوها واقف بعيد مش طايق يبص في وشها، والحاجة فاطمة عمالة تدعي على نيرمين وعلى أحمد.

وكيل النيابة وجه كلامه لأحمد: “أقوالك إيه في المستندات الجديدة اللي قدمتها جهات سيادية، واللي بتثبت إنك كنت بتستغل حسابات زوجتك منة وحسابات تانية وهمية لتلقي أموال من جهات مشبوهة في الخارج؟”

أحمد بانهيار: “يا فندم والله أنا مظلوم! أنا كنت مجرد وسيط لشاكر بيه، والتحويل الأخير اللي قلب الدنيا ده أنا معرفش عنه حاجة! أنا مبعتش لمنة 150 ألف جنيه، الملاحظة دي مش أنا اللي كاتبها.. في حد بيلعب بيا.. في حد عايز يدمرني!”

شاكر المرصفي بص له بقرف وقال لوكيل النيابة: “يا فندم المتهم ده هو اللي عرض عليا تسهيل العمليات دي من الأول، وهو اللي ورط عيلته وبنت خالته.. أنا بطالب بفحص قواه العقلية لأنه واضح إنه بيخرف.”

نيرمين صرخت: “أحمد هو اللي ضحك عليا! قال لي هنخد شقة منة ونعيش في التجمع، وهو اللي خلاني أوافق نتجوز في السر.. أنا ماليش دعوة بغسيل الأموال!”

وكيل النيابة خبط على المكتب: “بسسس! كلكم هتروحوا المحكمة الجنائية العاجلة.. محبوسين 15 سنة مع الشغل والنفاذ دي أقل حاجة مستنياكم.”

بعد أسبوع..

منة خرجت من المستشفى ورجعت بيت أهلوها القديم مع كريم، لأن شقة التجمع بقت تحت التحفظ لحين انتهاء القضية. كانت قاعدة في الصالة، وبنتها “أمل” نايمة في سريرها الصغير.

جرس الباب رن. كريم فتح الباب، ومفيش دقيقة ودخل الصالة وهو شايل بوكيه ورد أبيض كبير وفخم جداً، ومعاه علبة قطيفة زرقاء.

منة باستغراب: “إيه ده يا كريم؟ مين بعت الورد ده؟”

كريم حط الورد والعلبة قدامها وقال وعينه بتلمع بفرحة: “واحد سابهم مشي فوراً.. بس ساب الكارت ده.”

منة فتحت الكارت، كان مكتوب فيه بخط إيد أنيق:

(العدل اتنَفّذ يا منة.. وأحمد خلاص بياخد جزاءه. العلبة دي فيها عقد شقة جديدة باسم بنتك “أمل” في الكومباوند اللي كان نفسك تعيشي فيه.. مش عايز منك حاجة غير إنك تربي بنتك في أمان.. وأنا هفضل دايماً بعيد، بس دايماً قريب لو احتجتيني).

منة فتحت العلبة القطيفة، لقت عقود ملكية شقة فاخرة مدفوعة الثمن بالكامل، ومكتوبة باسم بنت أحمد.. “أمل أحمد عبد العزيز”.

منة دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع صدمة ممزوجة بحيرة.. وبصت لكريم وقالت: “هو لسة بيحبني يا كريم؟ بعد كل السنين دي؟ بعد ما اتجوزت غيره وخلف كمان؟”

كريم قعد جنبها وطبطب عليها: “يوسف عمره ما نسي يا منة.. بس السؤال دلوقتي.. إنتي هتعملي إيه؟ هتقبلي الهدية دي وتدوري عليه؟ ولا هتقفلي الصفحة دي كمان؟”

قبل ما منة ترد.. موبايلها اتهز على الترابيزة.. مكالمة من رقم دولي مجهول..

**هل منة هترد على المكالمة؟ وإيه المفاجأة الأخيرة اللي يوسف مأخرها وميعرفهاش حد غيره عن عيلة أحمد؟**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *