رودي خالد 3

وقفنا أمام المطعم الذي بدأت ألسنة النار تتراجع فيه بفضل رجال الإطفاء. نظر كريم إلى المطعم ثم نظر إليّ، وقال وهو يبتسم برغم الخسائر:
— المطعم يتعوض والمباني تتبنى تاني يا نورا… المهم إن الكابوس ده اتخلع من جذوره للابد.
لكن قبل أن نتنفس الصعداء ونظن أن كل شيء قد انتهى… اقترب منا أحد رجال المطافئ وهو يحمل قطعة قماش متفحمة وجدها تحت أنقاض المطبخ، وقال لكريم بصوت حذر:
— يا أستاذ كريم… الحريق مكنش مجرد خرطوم غاز عادي… إحنا لقينا العبوة دي، والعبوة دي عليها اسم وشعار مؤسسة ضخمة جداً في السوق… فيه حد ثاني كبير أوي كان بيمول سارة وبيساعدها تخطط للعملية دي من ورا الستار!
تلاقت أعيننا أنا وكريم وصدمة جديدة أثقلت الصدور… من هذا الطرف الخفي الذي كان يحرك سارة كالبيدق ليدمر كريم؟
تسمرتُ في مكاني، وتلاقت عيناي بعيني كريم وسط أدخنة الحريق التي تتصاعد في السماء. كان الذهول يسيطر علينا جميعاً؛ فالمعركة لم تكن مجرد غيرة فتيات أو عقد نفسية لدى سارة، بل كانت هناك يد خفية تحرك الأحداث من الظلام.
أخذ كريم قطعة القماش المتفحمة والعلبة المعدنية من يد رجل الإطفاء. مسح الرماد عن شعار المؤسسة المطبوع عليها بخفة، ولحظتها… اتسعت حدقتا عينيه، وصدرت منه زفرة غضب مكتومة.
سألته بنبرة يملؤها الخوف:
— كريم… الشعار ده بتاع مين؟ مين اللي ممكن يعمل فيك كده؟
نظر إليّ بملامح حادة لم أرها فيه من قبل، وقال بصوت حاسم:
— ده شعار “مجموعة الشريف” للاستثمارات الغذائية… أكبر سلسلة مطاعم في المنطقة، واللي صاحبها يبقى… طارق الشريف.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يستطرد كريم وهو يربط الخيوط ببعضها:
— طارق حاول يشتري المطعم بتاعي أكتر من مرة السنة اللي فاتت بأسعار خيالية، ولما رفضت نزل تهديدات غير مباشرة إنه هيمحيني من السوق. اتاري لما عرف بعلاقتي بيكي، وصل لسارة واستغل عقدتها وغيرة قلبها عشان تكون هي رأس الحربة اللي يضربني بيها من غير ما يظهر في الصورة!
في تلك اللحظة، ظهرت سيارة شرطة ثانية، ونزل منها ضابط المباحث الذي ألقى القبض على سارة، ومعه جهاز تسجيل صغير. اقترب من كريم وقال بابتسامة نصر:
— أستاذ كريم… سارة أنهارت تماماً في البوكس بعد ما شافت المظبوطات، واعترفت اعتراف تفصيلي! أقرت إن طارق الشريف هو اللي أدالها المادة المخدرة، وهو اللي مولها بالفلوس ووعدها بيهربها برة مصر بعد ما تحرق المطعم وتلصق فيك الفضيحة!


