خطيبي ج 3 بقلم روماني مكرم
الجزء السادس
وقفت في نص الشارع والدم بيغلي في عروقي، بس عقلي كان شغّال زي الساعة. بصيت لثريا ولعادل اللي كان واقف بعيد مستني يشوف انهيارنا وكسرة نفسنا قدام الناس. كنت عارفة إن اللحظة دي مش لحظة بكاء ولا استسلام، دي لحظة تثبيت حق، والباطل لو ما اتداسش عليه بالجزمة في ساعتها بيكبر ويكتم على أنفاس الشرفاء.
سحبت شهد إيدي وهي بتتنفض وبتبكي بصوت مكتوم:
* “سارة.. يلا نمشي من هنا، الناس بتبص علينا والشارع بيتفرج!”
بصيت لشهد في عينها وبمنتهى الثبات والصرامة قلت لها:
* “نمشي فين يا شهد؟! اللي يهرب من الكذبة بيثبتها على نفسه! وأنا أختك الكبيرة، وقسماً بالله ما هتحرك من هنا غير وحقك مرفوع فوق دماغ الكل!”
سيبت إيد شهد، وخطيت خطوات وسيعة وسريعة ناحية عادل اللي كان واقف على الناصية ماسك تليفونه. لما شافني جاية عليه بوش ما فيهوش ريحة الخوف، ابتسامته الخبيثة بدأت تبهت، وظهر على وشه التوتر. وقفت قدامه مباشرة على مسافة شبر، وزعقت بصوت جهوري رن في الحارة كلها وخلى الستات تطلع في البلكونات:
* “يا عادل يا ابن حسين! طلعت التليفون أهو؟ وريني بقى الرسائل الصوتية والصور اللي أختك ولا خالتك بتقول عليها! طالع ورّيها للشارع وللناس اللي واقفة دي دلوقتي حالا!”
عادل رجع خطوة لورا واتلعثم:
* “إيه.. إيه اللي أنتِ بتعمليه ده يا سارة؟ اتلمي وامشي من هنا احسنلك!”
صرخت فيه وأنا بشاور على تليفونه:
* “مش هتمشى! أنت جاي تتبلى على أختي الشريفة اللي متربية في بيت أصول عشان تغسل وساختك؟ افتح التليفون قدام الحاجة أم طارق قدام كبارات الشارع اللي واقفين دول، وشغل بصمة صوت شهد كده خلّي الناس تسمع! شغل يا ندل ولا أنت كذاب وابن كذاب ورخيص!”
الناس بدأت تقرب وتحاوطنا، والحاجة أم طارق قربت وقالت بجدية وصرامة:
* “أيوه يا عادل! افتح التليفون وورّينا! طالما خالتك بتتكلم في عرض البنت وتقول في رسائل وبصمات صوت، افتح وسمّعنا كلنا عشان نعرف مين الصادق ومين الكذاب!”
عادل وشه أصفر زي الليمونة المقطوعة، وإيده بدأت ترتعش وهو ماسك التليفون. حاول يلف ويدور ويرمي بياض:
* “أنا.. أنا مش مجبر أوري حاجتي لحد في الشارع! ده كلام بيني وبينها ومستور!”
هنا أتكدبت الكذبة واتفضحت العائلة كلها قدام الشارع! طلعت ضحكة استهزاء عالية من زوري وقلت للناس بصوت مسموع:
* “شفتوا؟! شفتوا الجبان الكذاب؟! ما معاهوش حاجة ولا عمر أختي اتكلمت معاه كلمة واحدة زيادة عن السلام! جايين يستغلوا إن طارق خطيبها مش موجود ويمشوا شائعة عشان يخربوا بيتها وزي ما خرّبت خطوبتي يخرّبوا خطوبتها!”
في اللحظة دي بالذاط، اتسمع صوت فرملة عربية قوية في أول الشارع! نزلت منها هيئة طارق وهو نازل زي القضاء المستعجل.. كان شكل حد بلغوا بالتجمع والمهزلة اللي بتحصل. طارق ما مشيش، ده كان بيجري وعينيه ملانة شرار وضربه الدم في نفوخه.
أول ما ثريا وعادل شافوا طارق، ثريا سكتت كأن على رأسها الطير، وعادل حاول ينسحب ويدخل في مدخل العمارة اللي جنبه.. بس طارق كان أسرع منه!
سحبه طارق من قفاه قبل ما يدخل البوابة، وهزه هزّة طيرت الشاب لبرة قدام الناس كلها، وزعق بصوت هز الحارة:
* “كنت بتقول إيه يا عادل يا ابن الفايحة؟! كنت بتتكلم في حق شهد وتقول رسائل وبصمات صوت يا عايب؟!”
شهد جريت على طارق وهي بتبكي وتقول:
* “والله كذابين يا طارق! والله ما كلمته ولا بعتت له حاجة، دول عايزين يتبلوا عليا عشان ينتقموا من سارة!”
طارق بص لعادل ونزل بإيده على وشه بضربة طيرت التليفون من إيد عادل على الأسفلت! التليفون اتكسر نصفين الشاشة والشاسيه.. وطارق مسك عادل من ياقته ورفعه لفوق:
* “أقسم بالله لو سمعت اسم شهد أو سارة على لسانك أو لسان خالتك أو أمك تاني، ما هتحميك مني لا شرطة ولا كبارات منطقة! أنت عيل رخيص وعينك فارغة وعيلتك ملهاش أصول!”
أبويا كان وصل في اللحظة دي مع عمي جابر، وأبويا مسك طارق وقال له بصوت حكيم وناشف:
* “سيبه يا طارق.. التليفون اتكسر والكذبة اتقطعت والشارع كله شهد إنهم ناس بتتبلى على الشرفاء.. اللي يرمي المحصنات بالباطل بيبقى ده قدره ومقامه تحت الجزمة!”
عادل قام من على الأرض ووشه في الطين، جرى على جوة من غير ما ينطق بحرف واحد، وخالته ثريا انسحبت وهي بتداري وشها من نظرات الاحتقار اللي طالعة من كل بلكونة وكل محل في الشارع.
رجعنا البيت، وشهد كانت حاضناني وبتبكي وتقول:
* “أنا آسفة يا سارة.. آسفة إنك اتحطيتي في الموقف ده بسببي.”
بصيت لها وقلت لها بمنتهى القوة:
* “ما تتأسفيش يا شهد.. حقك وحقي واحد، وأنا أختك الكبيرة اللي أقف في وش المدفع عشانك.. والندل لما يتكشف، القلم اللي بياخده بيفضل يعلم في وشه طول عمره.”
بس وأحنا قاعدين بليل بنهدّي النفوس، أبويا جا له اتصال تليفوني من حد من قرايبنا في البلد.. اتصل وقال كلمتين خلوا أبويا يقف على حيله ووشه يتغير تماماً!
الجزء السابع
أبويا مسك التليفون، ووجهه اتقلب في ثانية! حسيت إن الهواء اتسحب من الصالة من هول السكتة اللي طالت بينه وبين اللي بيكلمه على الناصية التانية. كلنا اتسمرنا في أماكننا؛ أنا، وشهد، وأمي، وحتى طارق اللي كان قاعد بيهدي شهد.
أبويا قفل الخط، ويده كانت بترتعش ترعيشة خفيفة من كثرة الغضب والحسرة، بص لعمي جابر وقال بصوت مخنوق ومخنوق بالغل:
* “الخسيس ابن حسين مسبش باب نذالة إلا ودق عليه! مش كفاية الفضيحة اللي فضحها لنفسه في الشارع؟ ده رايح يتصل بقرايبنا في البلد.. بعت لعمامك يا سارة، وبيقولهم إننا ضربناه واعتدينا عليه في الشارع، وإننا بنتبلى عليه عشان خايفين يطالب بحقه في الشبكة والفلوس اللي صرّفها في الخطوبة!”
أمي لطمت على خدها بصوت واطي:
* “يا مري! البلد؟! دول عمامك شداد وعقولهم ناشفة ومبيقبلوش بالقيل والقال ولا القضايا، وممكن يقيموا القيامة من كلمة!”
قمت وقفت بثبات، وناري اللي كانت هدّيت رجعت ولعت تاني بس بعقل وصبر. بصيت لأبويا وقلتله:
* “يهديك ربنا يا أبا! البلد ناس أصول، وعمامنا عارفينك وعارفين تربيتك لينا.. عادل وأهله بيغرّقوا، واللي بيغرّق بيمسك في قشة حطب حتى لو كانت كذبة بايرة. طالما الحقيقة معانا والشارع كله شاهد، يبقى العوج مش عندنا!”
طارق وقف وعيونه ملانة جمر، وقال لأبويا:
* “عمي.. أنا نازل البلد مع حضرتك الفجرية، وقسماً بالله لو حد من عمامها نطق كلمة وحدة تمس كرامتكم، لأكون شارح لهم كل كلمة حصلت من يوم مكالمة التليفون لحد التليفون اللي اتكسر تحت رجلي في الشارع!”
عمي جابر حط يده على كتف طارق وقال:
* “اهدى يا طارق يا بني.. البلد لها أصول وقعدة عرب، وأبوك وأنا وعمامك هنقعد قعدة كبارات. الندل لما يروح يشتكي للبلد، بيبقى فاكر إن البُعد هيستر عيبه، وميعرفش إن حق بنات الأصول بيوصل لأبعد مكان!”
في الفجرية، أخد أبويا وعمي جابر وطارق أول عربية ونزلوا على البلد.. فضلت أنا وشهد وأمي في البيت، الثواني كانت بتعدي علينا زي السكاكين. شهد كانت خايفة من القعدة ومشاكل العائلات، بس أنا كنت حاسة بإحساس ثاني خالص.. كنت حاسة إن الحفرة اللي عادل بيحفرها لنفسه بتكبر، وكل ما يحاول يهرب من غلطة بيقع في غرزة ألعن من اللي قبلها!
على الساعة الضهر، التليفون رن.. كان أبويا. فتحت السبيكر وجريت أمي وشهد يسمعوا.
صوت أبويا كان غير الصوت بتاع بليل خالص! كان فيه نبرة عز وكبرياء ورأسه مرفوعة للسما:
* “سارة.. يا بنتي اسمعيني كويس.”
قلتله بلهفة:
* “خير يا أبا؟ عملتم إيه مع عمامي وأهل البلد؟”
أبويا ضحك ضحكة راحة وقال:
* “عمامك رجالة يا بنتي! عادل كان جاي فاكر إن البلد هتقف معاه ضدنا.. بس عمك الحاج داوود طلب منه يجيب أبوه وكبارات عيلته ويقفوا في المضيفة قدام رجالة البلد كلهم.. وعمك داوود قال له كلمة واحدة هددت كيانه!”
قلت له بحماس:
* “قال له إيه يا أبا؟!”
رد أبويا بصلابة:
* “قال له: يا ابن حسين، طالما كبرت الموضوع وجيت لحد البلد.. احنا مش هناخد بكلامك ولا كلام سارة! احنا هنطلب شهادة كبارات الحارة اللي في المصر، والحاجة أم طارق، ولو ثبت إنك اتكلمت في حق بنتنا وشرف أختها، مش بس مش هتاخد قرش، ده حق العرب وهيترفع عليك شرط جزائي يكسر ظهرك وظهر عيلتك قدام البلد كلها!”
أبويا كمل وهو بيتنفس براحة:
* “أبوه أول ما سمع كلمة “شهادة كبارات الحارة والشرط الجزائي”، وشه جايب ألوان الشفقة والخزي، ومسك ابن عادل من رقابته قدام عمامك في المضيفة، ونزل فيه ضرب وإهانة وقاله: فضحتنا في المصر وجاي تفضحنا في البلد يا ابن الكلب!”
شهد اتنفست براحة وحضنت أمي وهي بتبكي، وأنا ابتسمت وقلت لأبويا:
* “والنهاية إيه يا أبا؟”
رد أبويا بصوت حاسم هز السما:
* “النهاية إن عمامك كتبوا ورقة تخليص حق ومشارطة عرب.. عادل وأبوه يوقعوا عليها بإيديهم، ملهمش عندنا قلامة ظفر، ورجلهم ما تطأش ناحية بيتنا أو حارتنا تاني نهائياً، ولو جابوا سيرة شهد أو سارة بكلمة، يدفعوا حق عرب خمسين ألف جنيه ويتم طردهم من القعدة!”
بس قبل ما أبويا يقفل الخط، سمعنا صوت زعيق وهرج في المضيفة عند أبويا! صوت عادل وهو بيصرخ وبيرفض يوقع على ورقة المبادرة والمشارطة!
الجزء الثامن والأخير
علت الأصوات في المضيفة، وكان صوت عادل وهو بيصرخ وبيرفض يوقع طالع من التليفون زي النبحة الأخيرة لحيوان محاصر:
* “مش موقع! مش هتدوسوا عليا وتطلعوني أنا الجاني قدام الناس كدة!”
سمعنا صوت عمي الحاج داوود، كبير البلد، وهو بيهبد عصايته الأبنوس في أرض المضيفة هبدة هزت الأركان، ورن صوته الجهوري اللي يسكت أجدعها راجل:
* “اتلم يا ولد وأعرف أنت واقف فين وفي ديار مين! أنت واقف في مضيفة آل عبد الجواد.. اللي تدخله بالأصول يرفعك على راسه، واللي تجيله بالنذالة والتدليس يفرشك تحت رجليه! التوقيع ده مش خاطر ليك، ده عشان أبوك الراجل الطيب اللي جرجرت هيبته في الطين بسبب عينك الفارغة وتربيتك السايبة.. أوقع يا ولد وإنت ساكت بدل ما تطلع من البلد دي حافي ومضروب بالأحذية!”
أبو عادل، اللي كان جايب آخره ومكسور النفس قدام رجالة البلد، مسك إيد ابنه بعنف وقسوة، وجر القلم وحطه في إيد عادل بالقوة وهو بيزعق فيه بدموع الخزي:
* “وقع يا مسخوط! وقع وغور من وشي الله لا يسامحك ولا يوفقك.. خربت بيتك بيديك وجبتلي العار بعد ما شيبت!”
بإيد ترتعش ووش أصفر زي الج\ثة، بَصّ عادل لورقة المشارطة الشديدة، ووقع بصمته وتوقيعه وهو حاسس إن كل حرف بيكتبه هو مسمار في نعش كبريائه المزيف. التوقيع ده كان شهادة وفاته الاجتماعية؛ لا هو قادر يرفع رأسه في الحارة، ولا له عين يظهر في البلد تاني!
قفل أبويا التليفون بعد ما تمت المشارطة وتم التنازل الكامل عن أي حق، ورجعت حقوقنا كاملة مرفوعة الرأس.
بعد يومين، رجع أبويا وعمي جابر وطارق من البلد.. استقبلناهم بالزغاريد، والارتياح دخل بيتنا من أوسع أبوابه. عادل وعيلته لمّوا حاجتهم في صمت شديد ونقلوا من الحارة كلها بعد ما بقت نظرات الجيران سكاكين بتاكل فيهم، واختفت عينهم الناقصة من حياتنا للابد.
مرت الأيام، ورجعت ضحكة شهد المافيهاش هم، وتحددت خطوبتها وجوازها من طارق اللي أثبت إنه راجل أصول يتقال له يا سيد الرجالة. أما أنا.. فكنت واقفة في البلكونة في نفس المعاد اللي كنت بكلم فيه عادل، حاطة إيدي في جيب روبي وبصّ لسمت الليل الصافية.
ماسكة دبلتي القديمة اللي رجعتلي، وبصيت ليها بابتسامة نصر وراحة بال.. وعرفت إن اللي حصل ده مكانش كابوس، ده كان لطف ربنا ورحمته بي إنه كشفلي الندل قبل ما أتسجن معاه في بيت واحد تحت مسمى “القسمة والنصيب”.
### **الحكمة من القصة:**
* **العين الفارغة لا يملؤها إلا التراب:** الراجل اللي ما يصونش حرمة البيت اللي دخل منه وأكل فيه عيش وملح، ويحط عينه على أهل بيتك، ده مش راجل يتربط بيه مصير.. ده نجس يتقطع من جذوره.
* **الكرامة خط أحمر:** قلة القيمة لما تبدأ في الخطوبة بكلمة أو نكشة خبيثة، بتتحول لبلاوي بعد الجواز.. اللي يستخصر فيكي نفسه ويقل بيكي، ارمي دهبه في وشه ولو كانت الشبكة ياقوت ومرجان!
* **حق بنات الأصول ما بيموتش:** الباطل مهما علّى صوته وزوّر في الحقيقة، بييجي الحق بعزمه ويكسره قدام الناس كلها.. والست العفيفة الشريفة بيبقى وراها رجالة وضهر يهدوا الدنيا عشان خاطر كرامتها.
* **رب ضارة نافعة:** ساعات الخناقة الصغيرة أو الكلمة اللي تضايقك بتكون هي “القشة” اللي ربنا بيبعثهالك عشان تنقذك من جحيم مستقبلي.. احمدي ربنا على كشف الوجوه، حتى لو كانت اللحظة صعبة، لأن الحرية وعزة النفس أغلى من أي دبلة!

