امي في العمليات الاخير
بقلم اماني سيد
لم أكن أنتوي الغفران؛ فالغفران في موضع القدرة على القصاص يعتبر ضعفاً، وأنا صمدتُ طوال تلك الشهور لكي أكون قوية، وقوية جداً.
في صباح اليوم التالي، توجهتُ إلى مكتب المحامي الخاص بي، الأستاذ عاصم. كان رجلاً وقوراً، حاد النظرات، يفهم جيداً كيف تُدار المعارك القانونية دون ضجيج. وضعتُ حقيبتي على مكتبه وجلست، وقلت بحسم:
— “أستاذ عاصم، الفلوس رجعت الحساب والبنك قفل ملف المديونية بعد ما كريم سدد الكاش.. لكن أنا مش هتنازل عن الشق الجنائي. التزوير حصل، واسمي اتمسح بيه الأرض في غيابي، وأنا عايزة حقي بالقانون.”
ابتسم الأستاذ عاصم وهو يرتشف قهوته، ثم سحب ملفاً أزرق وضعه أمامي:
— “كنت متوقع منك ده يا استاذه سلمى. البنك قفل الملف الإداري للمديونية عشان الفلوس اتدفعت، بس الإقرار بالتزوير والطلب اللي قدمناه للتحقيق في الفرع لسه شغال وميقدرش حد يوقفه.. لأن التزوير في المحررات البنكية دي جناية ضد الحق العام، مش مجرد خلاف شخصي ينتهي بالصلح.”
سندتُ ظهري إلى المقعد وشعرت براحة غريبة تسري في جسدي، وتابعت:
— “يعني إيه الخطوة الجاية؟”
— “الخطوة الجاية إن النيابة هتستدعي الموظف اللي مرر الورق في البنك، والموظف ده عشان يحمي نفسه هيعترف فوراً إن كريم هو اللي جاب الورق ومضى قدامه أو ادعى إن دي إمضتك.. وساعتها كريم ودينا هيتجابوا للتحقيق بشكل رسمي بتهمة التزوير والاستعمال.”
تركتُ مكتب المحامي وأنا أشعر أن العدالة بدأت تأخذ مجراها الطبيعي. لم أعد تلك المرأة التي تبكي في ممرات المستشفى وتستجدي نظرة عطف أو سؤالاً عن أمها.
في عصر نفس اليوم، وبينما كنت في مكتب شركة الاستثمار أتابع بعض التقارير لكي أستعيد تركيزي في عملي الذي أهملته طويلاً، تفاجأت بسكرتيرة المكتب تدخل وهي مرتبكة:
— “أستاذة سلمى.. فيه واحدة بره عايزة تقابلك ضروري، شكلها تعبان وبتبكي ورافضة تمشي.”
— “مين؟” سألتها.
— “قالت إن اسمها دينا.. أخت طليقك.”
أخذتُ نفساً عميقاً، ثم أشرت للسكرتيرة بالسماح لها بالدخول. د لفت دينا إلى المكتب، ولم تكن هي تلك الفتاة المتكبرة التي كانت تتباهى بمعرضها وتعايرني بأهلي “الغلابة”. كانت عيناها منتفختين من البكاء، ووجهها شاحباً، وترتدي عباءة بسيطة لم أعتد رؤيتها بها.
أغلقتْ الباب خلفها واندفعت نحو مكتبي، وحاولت الإمساك بيدي لكنني تراجعت بمقعدي للخلف:
— “خير يا دينا؟ جاية ليه هنا؟”
انفجرت في البكاء وقالت بصوت متقطع:
— “سلمى.. أرجوكي.. أنا جاية وببوس إيدك تسحبي الشكوى اللي في البنك.. كريم جاله استدعاء من النيابة الصبح، والموظف بتاع البنك اتقبض عليه واعترف بكل حاجة.. أنا جوزي طلقني ورماني في الشارع لما عرف إن فيه ق*ضية تزوير وسجن، والمعرض بتاعي اتقفل.. أبوس رجلك بلاش تخربي بيتي!”
نظرتُ إليها ببرود أدهشني أنا شخصياً. تذكرتُ ليلة رأس السنة، وتذكرتُ شككي وخوفي وأنا أرى توقيعي المزور على شاشة اللابتوب وإيدي ترتعش من الصدمة.
قلت لها بنبرة هادئة ورزينة:
— “بيتك اتخرب لما فكرتي تبني طموحك على قهرتي يا دينا. لما وافقتي إن أخوكي يزور إمضاء مراته ويورطها في 40 ألف دولار عشان أنتِ تفتحي معرض.. كنتِ فين وأنا بلف حوالين نفسي عشان ممرضة لأمي؟ كنتِ فين وأنتِ بتاخدي هدايا بآلاف الدولارات من شقاي وتعب عمري؟”
— “كنا غلطانين.. والله العظيم كريم كان نادم، وأمي دلوقتي بتموت في المستشفى ومش عارفين نعملها العملية.. كريم شحت من طوب الأرض عشان يسددلك الفلوس ومبقاش حيلتنا مليم.. ارحمينا يا سلمى!” صرخت دينا وهي تسقط على ركبتيها أمام المكتب.
وقفتُ من مكاني، ونظرتُ إليها من الأعلى وقلت بحسم:
— “أنا لا هرحم، ولا هقسى.. أنا هسيب القانون ياخد مجراه. اللي مد إيده وزور يتحمل نتيجة فعله.. اتفضلي بره مكتبي يا دينا، عشان عندي شغل.”
خرجت دينا تلملم ذيول الخيبة والانهيار، تاركة خلفها بقايا عائلة ظنت يوماً أنها فوق البشر، وأن أموال الناس ومشاعرهم مستباحة لهم.
بعد رحيلها، أمسكتُ بهاتفي واتصلتُ بوالدتي، الحاجة نوال. جاءني صوتها الدافئ الحنون الذي يعيد إليّ روحي في كل مرة أسمعه:
— “أيوة يا سلمى يا بنتي.. أنتِ كويسة؟”
— “أنا كوية جداً يا أمي.. طول ما أنتِ بخير وواقفة على رجليكي، أنا بألف خير.”
— “ربنا ينصرك يا بنتي ويريّح قلبك.. أنتِ تعبتِ كتير وشيلتِ فوق طاقتك.”
أغلقتُ الخط مع أمي، ونظرتُ من نافذة مكتبي العالية إلى شوارع القاهرة المزدحمة. لقد استعدتُ أموالي، واستعدتُ كرامتي، وأصبحت عائلة كريم بالكامل على حافة الهاوية؛ فالأم عاجزة على سرير المستشفى لا تجد ثمن علاجها، والابنة مطلقة ومشردة، وكريم ينتظر ترحيله إلى النيابة في أي لحظة.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في انهيارهم.. بل كانت في الاتصال الذي تلقيته في المساء من رقم لم أكن أتوقعه أبداً، اتصال سيقلب الطاولة على الجميع ويعيد ترتيب الأوراق بشكل لم يخطط له أحد.
نظرتُ إلى شاشة هاتفي التي أضاءت في تمام الساعة التاسعة مساءً برقم غريب، لكنه لم يكن رقماً عادياً؛ كان خطاً أرضياً دولياً. أجبنا بقلبٍ وجل، وضغطتُ زر الرد:
— “ألو.. مين معايا؟”
جاءني صوت رجل وقور، نبرته تحمل مزيجاً من الصرامة والأسف، يتحدث بلكنة مصرية مغتربة:
— “مساء الخير يا فندم. أنا الأستاذ محمود المنشاوي.. عم كريم، وبكلمك من الرياض.”
تسمرتُ في مكاني. عم كريم؟ الرجل الذي هاجر منذ أكثر من عشرين عاماً وانقطعت أخباره عن العائلة تماماً بعد قصة خلاف حاد قديم بينه وبين حماتي الراقدة الآن في المستشفى.
تابع بصوت هادئ:
— “أنا عرفت كل اللي حصل يا بنتي.. وعرفت باللي كريم ودينا عملوه فيكي، وعرفت بالبلاغ اللي اتقدم في النيابة وتزوير توقيعك.”
استجمعتُ قوتي وقلت بنبرة حازمة:
— “أهلاً بحضرتك يا فندم.. بس لو الاتصال ده عشان واسطة أو عشان أتنازل عن الق*ضية، فأنا أسفة جداً، الموضوع بقا في إيد القضاء ومفيش تراجع.”
تنهد العم عبر الهاتف وقال:
— “بالعكس يا سلمى.. أنا مش بكلمك عشان أطلب منك تتنازلي، أنا بكلمك عشان أقولك إنك صح، وعشان أطلب منك ما ترحميهومش.. وعندي ليكي مفاجأة هتقلب الق*ضية دي رأساً على عقب.”
سكتُّ تماماً، فتابع الأستاذ محمود:
— “فايزة وأولادها عاشوا طول عمرهم بالمنظر الكداب قدام الناس، وفلوسهم اللي كانوا بيتباهوا بيها زمان كانت حقي وحق إخواتي اللي فايزة سرقته مننا بورق ميزور برضه بعد وفاة والد كريم! لما عرفت إن كريم كرّر نفس اللعبة معاكي وزوّر إمضتك عشان يسرقك، قررت إني مش هسكت.. أنا نازل مصر بكره الصبح، ومعايا مستندات وأوراق أصلية تخص قضايا قديمة وحسابات بنكية سرية باسم فايزة وكريم، الأوراق دي لو اتضمّت لملف الق*ضية بتاعك في النيابة.. مش بس كريم ودينا اللي هيتسجنوا، دي فايزة كمان هيتفتح تحقيق في ثروتها كلها وهيتثبت عليها النصب.”
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي بالكامل. العدالة لم تعد تأتي بخطوات بطيئة، بل أصبحت تتدفق كالشلال جارفة في طريقها كل حصونهم الكاذبة.
في صباح اليوم التالي، التفتُّ مع الأستاذ محمود ومحاميّ الأستاذ عاصم أمام مقر النيابة. كان عم كريم رجلاً حكيماً، قدم للمحقق كل الثغرات القانونية والمستندات التي تثبت أن كريم ودينا لديهما سوابق عائلية في النقل والتزوير، مما جعل موقف كريم ينحدر من جنحة “تسهيل ائتمان” إلى جناية “تزوير واشتراك في تشكيل بغرض النصب والاستيلاء”.
بينما كنا ننهي الإجراءات في النيابة، رن هاتف الأستاذ محمود. كان المتصل هو كريم.
فتح العم مكبر الصوت بطلب مني. كان صوت كريم منهاراً تماماً، يبكي بنحيب يسمعه كل من في الغرفة:
— “عمي.. أرجوك الحقني.. أنا اتقبض عليا وأنا خارج من المستشفى، وأنا دلوقتي في القسم.. دينا هربت ومش عارف طريقها، وأمي حالتها بتتدهور والدكاترة رفضوا يدخلوها العمليات إلا لما ندفع، ومحدش راضي يسلفني مليم.. أبوس رجلك يا عمي أنقذنا!”
تغيرت نبرة العم إلى القسوة والجمود وقال له:
— “اللي يمد إيده على مال غيره ويخون مراته اللي شالت أمه في وقت مرضه، ما يستاهلش يتقال عليه راجل يا كريم.. أنا مش هسندك، أنا اللي قدمت ورق النيابة اللي هيخليك تقض*ي أحلى أيام شبابك ورا القضبان.. أنت وأختك وأمك.”
أغلق العم الخط، والكل في قاعة الانتظار ينظر إليّ بذهول.
التفتُّ إلى الأستاذ عاصم وقلت له:
— “أنا عايزة أروح المستشفى للمرة الأخيرة.. لازم أقفل الصفحة دي بنفسي.”
وصلتُ إلى المستشفى في المساء. توجهتُ إلى الطابق الثالث، ووقفتُ أمام باب غرفة حماتي. كانت الغرفة خالية تماماً من الأهل؛ لا كريم، ولا دينا، ولا أي من أقاربهم الذين كانوا يملأون الدنيا بضجيجهم. كانت الحاجة فايزة مستلقية بمفردها، ودموع العجز تبلل وسادتها، بينما كانت الممرضة تضع لها المحاليل الطبية الأساسية فقط دون أي تدخل جراحي.
دخلتُ بخطى ثابتة، ونظرتُ إليها. لما رأتني، لم تعد تملك القدرة على الصراخ أو الشتيمة، بل نظرت إليّ بعيون مكسورة ومستسلمة، وقالت بصوت أشبه بالهمس:
— “سلمى.. كريم اتقبض عليه؟ دينا فين؟.. أنا بتموت يا بنتي.. ارحميني وخلي الدكاترة يعملوا العملية.”
اقتربتُ من سريرها، ونظرتُ إلى عينيها مباشرة، وقلت بكل هدوء وثقة:
— “أنا مش همنع عنك العلاج يا حاجة فايزة.. أنا دفعت تمن الإسعافات والمُسكنات الأساسية من معايا كصدقة على روح طليقك.. لكن العمليات الكبيرة والرفاهية دي انتهت. ابنك في السجن، وبنتك هاربة، والبيت اللي بنيتوه بالظلم والافتراء اتهد فوق دماغكم.”
أخرجتُ من حقيبتي الورقة الصفراء الصغيرة التي كانت بدايتنا، ووضعتها فوق الطاولة بجانب سريرها، وقلت كلمتي الأخيرة:
— “أنا بقيت أذكى يا حاجة فايزة.. ودلوقتي، أنا هسيبك لوحدك مع الورقة دي.. تفتكري بيها كل دقيقة ظلمتوني فيها.”
التفتُّ وغادرت الغرفة، وأنا أسمع صوت أنفاسها المتهدجة خلفي. نزلتُ إلى بهو المستشفى، وفي طريقي نحو الباب الخارجي، لمحتُ المحامي الأستاذ عاصم يقترب مني وهو يبتسم ومعه ملف جديد، وقال:
— “أستاذة سلمى.. الجلسة اتحددت خلاص، والنيابة أصدرت قرارها النهائي بخصوص كريم ودينا.. وفيه مفاجأة قانونية تانية بخصوص الشقة والأملاك القديمة هتحصل بكره الصبح.”
وقفتُ عند عتبة الباب، أنظر إلى السماء التي بدأت تمطر خفيفاً، وأنا مستعدة تماماً لسماع السطر الأخير في هذه الرواية.
نظرتُ إلى الأستاذ عاصم، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتي وأنا أستقبل قطرات المطر الباردة على وجهي. سألته بهدوء:
— “إيه هي المفاجأة يا متر؟”
فتح عاصم الملف بقوة وثقة وقال:
— “النيابة أصدرت قرارها رسميًا بإحالة كريم ودينا لمحاكمة عاجلة بتهمة التزوير الجنائي في محررات رسمية واستعمالها، مع استمرار حبس كريم. دينا صدر ضدها أمر ضبط وإحضار ومنع من السفر، والشرطة بتتحرك حاليًا للقبض عليها في شقة أحد أقاربها.”
بلعتُ ريقي وانتظرت البقية، فتابع ببرود قانوني لذيذ:
— “أما بخصوص الأملاك، فعم كريم، الأستاذ محمود، قدم إعلام الوراثة القديم والملفات اللي تثبت إن الشقة اللي كريم كان عايش فيها معاكي، والمعرض، والأرض اللي باعها بنصف ثمنها، كلها كانت مأخوذة بنظام وضع اليد والتزوير من ورث أعمامه. وبناءً عليه، النيابة تحفظت على الشقة والمعرض لصالح الورثة الشرعيين.. يعني ببساطة يا أستاذة سلمى، عائلة كريم مبقاش حيلتها حتى الحوائط اللي كانت بتسترهم.”
تنقّلت عيناي بين ممرات المستشفى وبين الشارع المفتوح أمامي. في هذه اللحظة بالذات، شعرت أن الحمل الثقيل الذي كان جاثمًا فوق صدري منذ مكالمة الـ 47 ثانية قد تبخر تمامًا.
انتهت اللعبة.
انهارت القلاع الورقية التي بنوها بالزيف، وتناثرت صورهم المثالية أمام المجتمع كالغبار.
في صباح اليوم التالي، ذهبتُ إلى شقة أمي، الحاجة نوال. كانت تجلس في صالتها الصغيرة المشمسة، تشرب الشاي الدافئ وتحتضن سجادة الصلاة. ارتميتُ في حضنها كطفلة صغيرة لأول مرة منذ سنوات. استنشقتُ رائحتها التي تشبه الأمان، وقبلتُ يدها الخشنة التي تحملت المرض والشقاء.
نظرتْ في عيني وقالت بصوتها الملائكي:
— “وشك منور يا سلمى.. كأنك رجعتِ بنت العشرين سنة من تاني.”
— “أنا رجعت لنفسي يا أمي.. ورجعتلك.”
تلقيتُ بعد عدة أسابيع رسالة قصيرة من الأستاذ عاصم يخبرني فيها بصدور الحكم النهائي: السجن المشدد ثلاث سنوات لكريم، وسنتين مع الشغل لدينا غيابيًا. أما حماتي، الحاجة فايزة، فقد نُقلت إلى مستشفى حكومي بسيط لتلقي العلاج على نفقة الدولة بعد أن تخلّى عنها الجميع، لتقضي ما تبقى من عمرها وحيدة، تحيط بها جدران باردة، لا يونسها سوى صدى كلماتها الظالمة التي دارت الأيام لترتد في صدرها.
أغلقتُ ملف الإكسل البارد من على شاشة حاسوبي.. قمت بحذفه تمامًا، ولم أعد بحاجة لمراقبة أحد أو تدوين خيباتي.
أنا سلمى، عندي 35 سنة.. واليوم أبدأ حياتي من جديد. تعلمتُ أن السكوت ليس قوة، وأن الست الشاطرة ليست هي من تسند من يكسرها، بل هي من تملك الشجاعة لتبتر كل يد امتدت لتؤذيها أو تستغل نقاءها.
تركتُ الماضي خلفي في ممرات المستشفى المظلمة، وخطوتُ نحو المستقبل بكامل قوتي وكبريائي.. بمفردي، لكنني لست وحيدة، فمن تملك كرامتها ونفسها، تملك العالم كله.
