اخد الحق حرفه حكايات علي ابو الدهب 2
الخوف والذل اللي شفتهم في عين بسمة وهي بتتجرجر بالكلابشات برة الأوضة، غسلوا من جوايا كل وجع السقوط. كانت بتلتفت وراها وتبص لي بـ نظرات رجاء، وكأنها بتترجاني أتنازل، بس أنا أدرت وشي عنها الناحية التانية. البنت دي مش بس كانت عايزة تموتني، دي كانت هتدمر حياة ابني وتعيّشه مع شيطانة في ثوب ملاك.
حازم قعد على الكرسي اللي جنب السرير، ودفن وشه بين إيديه، وكتفه كان بيتهز من البُكا. الوجع اللي في قلبه كان أكبر من وجع ضلوعي المكسورة. صدمة العمر لما تكتشف إن الإيد اللي كنت مستعد تلبسها دبلتك، هي نفس الإيد اللي كانت مستعدة تنهي حياة أمك.
مديت إيدي براحة وطبطبت على ظهره:
”خلاص يا حازم.. ارفع راسك يا بني، الحمد لله إنها جت على قد كده. ربنا حب يربط على قلبي ويكشفها ليك في الوقت المناسب.”
حازم رفع راسه، وعينه حمرا من الدموع:
”أنا مش قادر أسامح نفسي يا أمي. كنت واقف بدافع عنها وأنا شايفك عاجزة وبين الحيا والموت. أنا اللي سقتك لـ دة بغبائي وعمايا.”
”يا بني، هي كانت حِرباية وممثلة شاطرة، والكل كان مخدوع فيها مش أنت بس. المهم دلوقتي إن الغُمة انزاحت.”
الأيام الصعبة في المستشفى
قضينا أسبوع كامل في المستشفى. حازم مسبنيش لحظة واحدة؛ كان بيأكلني بإيده، ويساعد الممرضات في حركتي، وينام على الكرسي الخشب وهو مشتت. النيابة جت وسألتني، وقُلت كل اللي حصل بالتفصيل، من أول نَفَسها الخبيث في ودني لحد لحظة ما زقتني. حازم قدم تسجيل الصوت اللي على تليفونه، وبكده القضية بقت مقفولة ومكتملة الأركان: شروع في القتل مع سبق الإصرار والترصد.
الموضوع مكنش سهل على حازم؛ جرس تليفونه مكنش بيبطل رن. أهل بسمة كانوا بيكلموه، في الأول بـ عياط واستعطاف عشان يتنازل، ولما لقوا وشه خشب وردوده حاسمة، بدأوا يهددوه ويقولوا: “بنتنا تضيع عشان حتة عجوزة اتزحلقت؟!”.. الكلام ده كان بيزيده إصرار وعناد إنه ياخد حقي تالت ومتلت.
العودة إلى البيت.. ولكن!
يوم الخروج من المستشفى كان يوم مشهود. حازم أصر يجيب عربية إسعاف مجهزة تنقلني لحد البيت عشان الحوض والضلوع. أول ما وصلنا الشارع، لقيت الجيران كلهم واقفين مستنييني. الستات اللي كانوا بيدعوا لـ بسمة ويقولوا “يا بختك بيها”، كانوا واقفين وشهم في الأرض من الكسوف، والكل جاي يطمن ويتحمد لي على السلامة.
حازم شالني بـ كل حنان وطلع بيا السلم خطوة بخطوة. أول ما رجلي عتبت الشقة، حسيت برعشة خفيفة في جسمي. بصيت ناحية الصالة وناحية المطبخ، وافتكرت طيف بسمة وهي بتتحرك في البيت زي العقربة.
حازم حس بيا، نزلني على السرير براحة وقال:
”متخافيش يا أمي.. البيت ده مش هيدخله حد غريب تاني، وأي حاجة تفكرك بيها أنا هشيلها بإيدي دلوقتي.”
وفعلاً، حازم دخل الأوضة اللي كنا بنجهزها لـ فرحهم، جاب أكياس سوداء كبيرة، ولم كل لبسها، حاجتها، والهدايا اللي كانت جيباها، وحتى الصور اللي كانت معلقاها، ورماها في الزبالة قدام باب الشارع.
نهاية الشيطانة وبداية جديدة
بعد شهرين من الجلسات والتحقيقات، والمحامي بتاعنا اللي مسبش ثغرة، المحكمة أصدرت حكمها الرادع على بسمة بـ السجن المشدد 7 سنوات. يوم النطق بالحكم، حازم رجع البيت ووشه مرتاح لأول مرة من شهور. دخل عليا الأوضة وأنا قاعدة على السرير، وبدأت أتحرك براحة بفضل العلاج الطبيعي.
قعد جمبي وباس إيدي وقال:
”الحق رجع يا أمي.. والشيطانة خلاص أخدت جزاءها، والناس كلها عرفت حقيقتها.”
”الحمد لله يا بني.. كده نام ونفسي راضية.”
حازم اتنهد وبص لي بـ حب:
”أنا اتعلمت الدرس يا أمي.. اتعلمت إن عين الأم بتشوف اللي مفيش حد تاني بيشوفه، وإن قلبك كان دايماً دليلي بس أنا اللي كنت أعمى. من هنا ورايح، مفيش خطوة هخطيها في حياتي إلا برضاكي وشورتك.”
ابتسمت وضميته لـ صدري. الوجع اللي عشته في ضلمة السلم كان قاسي، والكسر اللي في جسمي أخد وقت عشان يِلم.. بس النتيجة كانت تسوى الدنيا. ربنا نجى ابني من مصيبة كانت هتدمر عمره كله، ورجّع لي ابني لحضني، وعرفت إن الحق مهما اتأخر وفضلت الحقيقة مستخبية ورا الابتسامات الصفرا.. مسيرها تظهر في النهاية وتكشف الوشوش الحقيقية.مرّت الأيام والشهور، وجسمي بدأ يتعافى بفضل الله ثم بفضل حازم اللي كان عكازي اللي بتسند عليه. الجرح اللي في ضهري لِم، والكسر اللي في الحوض اتقفل، بس الأهم من كل ده إن الشرخ اللي كان بيني وبين ابني بسبب بسمة.. اتمحى تماماً.
البيت اللي كان زمان مليان توتر وضغط، رجعت له بركته وهدوءه. حازم اتغير 180 درجة؛ مابقاش الشاب المندفع اللي بتضحك عليه الكلمة الحلوة، بقى راجل ناضج، بيقيس الناس بأفعالها مش بمظاهرها.
وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة وبشرب الشاي في ساعة العصاري، دخل عليا حازم وفي إيديه باقة ورد حمراء جميلة، وباس راسي وقعد تحت رجلي وقال بنبرة مليانة راحة:
”أمي.. أنا النهارده قفلت الصفحة القديمة دي من حياتي نهائياً، وحاسس إن ربنا غسل قلبي. أنا مش زعلان على السنين اللي ضاعت، أنا فرحان إن ربنا نجاني ونور بصري بيكي.”
بصيت له بحنان وقلت:
”يا بني، المؤمن دايماً مُبتلى، والوقعة اللي مش بتموت بـ تقوي. إحنا عشنا درس صعب، بس خرجنا منه كسبانين.”
حازم ابتسم وقال بخجل:
”عشان كده يا أمي.. أنا قررت مش هفكر في الجواز تاني إلا لما تلاقي لي أنتي بنت الحلال اللي بجد. البنت اللي قلبك يرتاح لها من أول نظرة، لأن خلاص.. أنا آمنت إن قلب الأم ودعوتها هما الحصن والأمان في الدنيا دي.”
ضحكت من قلبي وضميت راسه لصدري، ودعيت له من كل جوارحي بـ سترة الحال وبنت الحلال اللي تصونه وتصون بيته.
الخاتمة
العبرة في حكايتي مكنتش بس في الوجع اللي عشته وأنا بقع من على السلم، العبرة كانت في رحمة ربنا اللي كشفت المستور في آخر ثانية. الوشوش المزيفة والابتسامات الصفرا ممكن تخدع الناس كلها وتعيش وسطنا شهور وسنين، وممكن تفتكر إنها انتصرت بـ خبثها.. بس في النهاية، “يمهل ولا يهمل”.
الحق دايماً بيبان، والشر بيرد في صدر صاحبه، ويبقى دعاء الأم هو السد المنيع اللي بيحمي أولادنا من شياطين الإنس قبل شياطين الجن. وخرجت من التجربة دي وأنا رافعة راسي، وبقول لكل ظالم ومخادع: “مهما طال ليلك.. مسير الشمس تطلع وتكشف حقيقتك”.


