بعد 6شهور
أنفاسي اتكتمت تماماً، والرعظةب شلّ أطرافي.. الصوت كان جاي من جه*نم، صوت أحمد اللي اتحول من زوج وحبيب لوحش كاسر معندوش حاجة يخسرها.. ريحة العرق والتراب اللي في هدومه كانت خانقة، وقبضة إيده على بوقي ورقبتي كانت زي الحديد.
بدأ يجرّني لجوة الشقة وهو بيهمس بفحيح مرعب: “أمي ما’’تت بجلطة في الس*جن الصبح.. ما*تت بسببك وبسبب ألاعيبك.. ضيعتي شقا عمري، وضيعتي مستقبلي، وم*وتّي أمي.. فاكرة إن جوز أختك هيلحقك؟ أنا مراقبك من ساعة ما خرجتي من الفيلا، والنهاردة هنهي حياتك بإيدي عشان أرتاح!”
الدنيا بدأت تسود في عيني ونقص الأكسجين خلاني بفقُد القدرة على المقاومة، لكن في جزء من عقلي رفض الاستسلام.. المو*ت مش هيكون نهايتي بعد كل اللي حاربت عشانه!
بكل ما بقا فيا من قوة، رفعت رجلي وضغطت بكعب جزمتي بكل عزمي على مشط رجله.. أحمد صر*خ من الوجع وقبضته خفت لثانية واحدة، كانت كفيلة إني أفلت من إيده وأجري ناحية المطبخ وأنا بص*رخ بأعلى صوتي: “الحقوووووني!”
أحمد جِري ورايا زي المجنون ووشه وعينيه مليانين غل أحمر، وقبل ما أقفل باب المطبخ، خبط الباب برجله وزقني وقعت على الأرض، وظهري خبط في الرخام.. لمحت طقم السك*اكين جنبي، مديت إيدي ورعشتي مخلتنيش أتحكم، سحبت سكنية تكسير اللحمة الكبيرة ووقفت وأنا بنهج وبص*رخ: “ابعد عني يا أحمد! ابعد عني !”
ضحك ضحكة هستيرية وهو بيقرب وبيرخي إيديه: “.. أنا كدة كدة ميت.. هربان من ترحيلة سج*ن يعني حكم إعدا*م أو مؤب*د مستنيني.. مش هطلع من هنا غير وإنتي معايا!”
وفجأة، هجم عليا بكل ثقله.. حاولت أدافع عن نفسي، لكنه مسك إيدي اللي فيها الس*كينة وبدأ يلويها ناحية صدري.. القوة مكنتش متكافئة تماماً، والس*كينة بدأت تقرب من رقبتي.. كنت شاعرة بإنفاسه الميتة بتلفح وشي، وعينيه بتقولي إنها النهاية..
وفي قمة لحظات اليأس.. سمعنا صوت خبط ورزع عنيف جداً على باب الشقة برة، وصوت جيراننا في العمارة بيزعقوا: “يا مدام! في إيه؟ افتحي! إحنا سامعين صريخ!”
أحمد اتشتت لثانية وبص ناحية الباب، استغليت اللحظة دي وبكل قوتي ضر*بته بدماغي في مناخيره.. رجع لورا وهو بينزف، والسكينة وقعت من إيدنا إحنا الاتنين.. جيراني برة بدأوا يكسروا الباب بخشب وحديد.
أحمد عرف إن وقته انتهى، بصل نظرة غل أخيرة وقالي: “مش هتلحقي تفرحي.. نهايتك على إيدي برضه!” وجري ناحية بلكونة المطبخ اللي بتطل على منور العمارة والمواسير، ونط منها بخفة ورعب عشان يهرب قبل ما الباب يتكسر.
في نفس اللحظة، باب الشقة اتفتح ودخلوا الجيران ومعاهم بواب العمارة، لقوني واقعة في المطبخ بنزف من مناخيري ورقبتي كلها علامات زرقا.. البواب جِري على البلكونة وبص وقال: “ده حد نط في المنور يا جماعة! اطلبوا البوليس بسرعة!”
بعد نص ساعة.. الشقة كانت مليانة بالشرطة، والمقدم طارق جوز أختي وصل وهو دمه محروق وعينيه مش مصدقة الإهمال اللي حصل في ترحيل أحمد.. عاينوا المكان، وطارق قعد جنبي وهو بيحاول يهديني بعد ما الإسعاف طهرت جروحي.
طارق قال بصوت مليان قلق: “أحمد اتجنن يا…، أمه ماتت فعلاً الصبح في المستشفى الأميري بعد ما جالها جلطة من الصدمة، وهو اتقلب عربية الترحيلات بيه مع مساجين تانيين وقدر يهرب.. الموضوع مبقاش تصفية حسابات فلوس، ده بقى ثأر شخصي.. مش هينفع تقعدي في الشقة هنا لوحدك تاني.. أنا هقفل الشقة دي وهتروحي تقعدي مع أختك في بيتي تحت حراسة لحد ما نجيبه.. الراجل ده بقى قنبلة موقوتة.”
وافقت وأنا بترعش.. لميت هدومي وخرجت مع طارق، وطول الطريق وأنا ببص ورايا في المرايات، حاسة إن أحمد بيراقبني من كل زاوية ومن ورا كل شجرة.
عدى ٣ أيام وأنا عايشة في بيت أختي زي الأموات، الخوف قهرني، مبقتش بنام، وأي صوت حركة برة الأوضة بيخليني أتنفض.. لحد ما جه اليوم الرابع.
طارق رجع البيت بالليل ووشه فيه علامات إرهاق غريبة، دخل الأوضة وقعد قدامي وقال: “إحنا تتبعنا خط سير أحمد.. تليفونه القديم اتقفل، بس قدرنا نوصل لشخص كان بيساعده يختفي.. الصدمة إن أحمد مش ناوي يهرب برا البلد.. أحمد اشتري مسدس غير مرخص من منطقة عشوائية، وعارف مكانك هنا!”
جسمي كله سقع، وطارق كمل: “بس إحنا عاملين له كمين.. ومستنيينه يظهر.. أنا هسيب عساكر حراسة مشددة قدام باب الفيلا هنا، وممنوع تخرجي لأي سبب.”
ساعتها قولت لطارق والدموع في عيني: “أنا مش هفضل مستنية يدخل يذبحني يا طارق.. أنا لازم أكون جزء من نهايته.. أحمد مش هيظهر طول ما هو حاسس إن في حراسة.”
طارق بصلي بدهشة: “عايزة تعملي إيه؟”
قولتله بخطة انت*حارية بس دي الوحيدة اللي هتخرجه من جحره: “أنا هرجع شقة والدي تانى لوحدي.. ومن غير حراسة ظاهرة.. هخليه يحس إن الصيد سهل، وإنتوا تكونوا مستنيينه جوة الشقة في الأوض المظلمة!”
بعد تفكير ورفض شديد من طارق وأختي، وافق طارق تحت إصراري إن دي الطريقة الوحيدة لإنهاء الكابو*س.
وبالفعل، تاني يوم بالليل.. رجعت شقة والدي.. الأجواء كانت مرعبة، الشقة هادية تماماً، الأنوار مطفية إلا أباجورة صغيرة في الصالة.. طارق والقاوت الأمنية الخاصة مستخبيين في المطبخ وأوضة النوم الضلمة بأسلحتهم.. وأنا قاعدة على الكنبة، نفس الكنبة اللي انهار عليها من شهور وكذب عليا.. ماسكة كتاب في إيدي وبحاول أظهر طبيعية، وقلبي بيدق زي طبول الحرب.
الساعة بقت ٢ بعد نص الليل.. الجو هس هس.. وفجأة.. سمعت صوت خربشة خفيفة جداً جاية من ناحية شباك البلكونة..
الشباك بدأ يتفتح ببطء شديد.. وظهر ضل أسود طويل.. الضل دخل الصالة، ولمحت في إيده لمعة السلاح..
أحمد وقف في وسط الصالة، وبصلي بابتسامة مرعبة وقال بصوت همس جهنمي: “قولتلك نهايتك على إيدي.. اتشاهدي على روحك يا…”
ورفع المسدس ووجهه لصدري مباشرة.. وقبل ما صباعه يضغط على الزناد…
وقبل ما صباعه يضغط على الزناد بكسر من الثانية، انطلقت رصاصة دوت في الشقة كلها وزلزلت السكون.. لكن الرصاصة مخرجتش من مسدس أحمد!
طارق كان أسرع منه، خرج زي البرق من الأوضة الضلمة وض*ربه برص*اصة استقرت في كتفه اللي ماسك السلاح.. المسدس وقع من إيد أحمد على الأرض وهو بيص*رخ وبيمسك كتفه والدم بيملا المكان.. وفي ثانية واحدة، هجمت قوة مكافحة الشغب عليه وثبتوه في الأرض تماماً.
أحمد كان بيرفص زي الذبيحة، وعينيه بتبصلي بغل ممتزج بدموع العجز والوجع.. طارق قرب منه، وطى على الأرض، وأخد المسدس بتاعه وحطه في جيبه وبصله بقرف وقال: “كنت عارف إن غبائك هيجيبك لحد هنا.. شرفتنا يا أحمد.. المرة دي مفيش ترحيلة هتهرب منها، المرة دي قضية شروع في مع سبق الإصرار والترصد، تضاف للسجل الأسود بتاعك.”
أنا كنت قاعدة على الكنبة، جسمي كله بيترعش من الصدمة، بس مكنتش خايفة.. بالعكس، كنت ببص للمنظر وأنا حاسة بنشوة انتصار ملوش مثيل.. التعالب اللي استقوت عليا ونهبت شقى عمري، ورمتني خدامة تحت رجليهم، وباعوني عشان الفلوس، كلهم بقوا في التراب.. حماتي ماتت بحسرتها وسوء عملها، وأحمد راجع القفص وهو مكسور وجريح وموصوم بعار النذالة والخيانة.
العساكر قاموا بأحمد عشان يخرجوا بيه، وقبل ما يعدي من باب الشقة، وقف للحظة والتفت ليا.. صوته كان بيترعش وهو بينزف وقالي: “دمرتيني يا… دمرتي عيلتي كلها.. مش هسامحك ليوم الدين.”
وقفت على رجلي بكل ثبات، وقربت منه لحد ما بقيت في وشه بالظبط، وقولتله بصوت مسموع للكل: “إنت اللي دمرت نفسك يا أحمد.. إنت اللي بعتني وبعت شرفك عشان الفلوس والمظاهر.. أنا مكنتش غير المظلومة اللي ربنا سخرلها الأرض عشان تاخد حقها.. وبالمناسبة، الفيلا وعربيتك والفلوس اللي في الحسابات خلاص بقوا بتوعي رسمي بحكم المحكمة النهاردة الصبح.. يعني إنت داخل الس*جن ومش حيلتك حتى تمن كفنك.. اخرج برة بيتي!”
العساكر سحبوه برة وهو بيص*رخ ويبكي زي الأطفال.. نفس البكاء اللي بدأ بيه اللعبة من ٦ شهور لما دخل عليا وشه أصفر، بس المرة دي بكاء حقيقي، بكاء النهاية.
طارق بصلّي وابتسم وطبطب على كتفي وقال: “امسحي دموعك يا حبيبتي.. الكابو*س انتهى بجد، تقدري تقفلي بابك وتنامي وإنتي مطمنة.. حقك رجع بالمليم.”
ودعت طارق والقوة الأمنية، وقبل ما أقفل باب الشقة وراهم، بصيت لبرة وحسيت إن الهوا بقى نقي.. دخلت الصالة، قفلت الترباس، ولمحت علبة الذهب بتاعتي والمجلدات اللي قدرت أستردها على الترابيزة.
قعدت على الكنبة وأنا بتنفس لأول مرة من شهور طويلة براحة حقيقية.. لكن وسط الهدوء اللي عم الشقة فجأة، تليفوني رن برقم دولي غريب جداً..
استغربت.. فتحت الخط وقولت: “ألو؟ مين معايا؟”
جالي صوت ست أجنبية بتتكلم عربي مكسر، وقالت جملة واحدة جمدت الدم في عروقي من جديد:
“مدام…؟ أنا بكلمك من جزر المالديف.. أنا سكرتيرة شريف السيوفي.. شريف وأحمد قبل ما يقعوا، هربوا حساب سري باسمك إنتي شخصياً برة مصر، وفيه ٥ مليون دولار كاش.. والحكومة هناك بدأت تفتش في الحساب وبيدوروا عليكي بتهمة تمويل منظمات مشبوهة!”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. للحظة حسيت إن شريف وأحمد لسه برة، وإنهم لسه بيخنقوا فيا.. الاتنين التعالب دول حفروا ليا حفرة مكنتش تخطر على بال شيطان، حطوا اسمي في مصيبة دولية عشان حتى لو اتس*جنوا، أكون أنا الهدية اللي هياخدوها معاهم للقاع.
أنفاسي تسارعت، بس المرة دي مابكتش.. شهور المرمطة والوجع نشفت دموعي وصنعت مني إنسانة تانية خالص.. إنسانة مبتخافش.
رديت على السكرتيرة الأجنبية بكل برود وثبات وقولت لها: “أعلى ما خيلكم انتم وشريف اركبوه.. الحساب ده أنا هبلغ عنه حالا.” وقفلت السكة في وشها.
بدون تفكير، كلمت المقدم طارق والمحامي بتاعي وطلبت منهم يجوا فوراً.. في ظرف نص ساعة كانوا عندي، حكيت لطارق كل اللي دار في المكالمة، والمحامي بدأ يراجع ورق القضية والتحويلات القديمة بسرعة.
طارق بصلّي بإعجاب وقال: “إنتي بطلة يا…، شريف وأحمد كانوا فاكرين إنهم بكدة هيضغطوا عليكي عشان تتنازلي، أو هيهربوا بجلدك معاهم.. لكن حركة شريف دي هي المسمار الأخير في نعش عصابتهم.”
المحامي كمل وهو بيقفل ملفه: “بالظبط يا فندم.. إحنا بكره الصبح هنقدم بلاغ رسمي طوعي للنيابة العامة ولمكافحة غسيل الأموال، ونثبت إن الحساب ده تم فتحه بدون علم المدام وباستخدام توقيعات مزورة وتذاكر الطيران اللي لقيناها في الخزنة القديمة.. القانون بيحمي اللي بيبلغ عن الجريمة قبل ما يتوجه له اتهام، وبكدة الـ ٥ مليون دولار دول هيتحفظ عليهم لصالح الدولة، وشريف وأحمد لبسوا قضية جنائية دولية مفيش خروج منها.”
وفي الصباح.. دخلت دار القضاء العالي، راسي مرفوعة، وخطواتي ثابتة.. قدمت البلاغ بنفسي، وأدليت بأقوالي بكل شجاعة.. شفت في عيون وكيل النيابة نظرة احترام لإمرأة رفضت الابتزاز وقررت تواجه الحيتان لوحدها.
بعد شهرين من التحقيقات والجلسات المتواصلة، صدر حكم المحكمة التاريخي:
السج*ن المشدد ١٥ سنة لأحمد عبد العزيز بتهم الشروع في ، والتزوير في أوراق رسمية، والنصب والاحتيال.
والس*جن المشدد ١٠ سنوات لشريكه شريف السيوفي مع مصادرة جميع أموالهم وأملاكهم في الداخل والخارج..
بينما حكمت المحكمة برد كافة حقوقي، وميراثي، وشقتي، والفيلا والسيارة الفارهة كتعويض مادي ونفسي عن كل ما عشته.
يوم النطق بالحكم، وقفت برة قاعة المحكمة.. لمحت أحمد وهو داخل بوكس الترحيلات بملابس الس*جن الزرقاء، وشه كان دبلان، وعينيه مكسورة ومستسلمة للمصير اللي صنعه بإيده.. بصلّي نظرة رجاء أخيرة، لكنني درت ضهري ليه ومشيت.. مفيش مكان للندم، ومفيش مكان للعاطفة مع اللي خانوا العهد وسرقوا الأمان.
النهاردة.. وأنا قاعدة في جنينة فيلتي الجديدة في التجمع الخامس، وبشرب قهوتي في هدوء.. شمس الصبح كانت دافية، والهوا كان نقي لأول مرة..
بعت كل الذهب القديم واشتريت بيه شغل جديد خاص بيا، وسددت القرض اللي كان كاسر ضهري، ورجعت لشغلي في البنك بس المرة دي كمديرة فرع بعد ما قصتي ألهمت الجميع في الإدارة عن الشرف والأمانة.
بصيت للسما وابتسمت ابتسامة رضا.. افتكرت كل لحظة ذل عشتها في شقة حماتي، وكل مسحة سجاد، وكل ليلة نمت فيها على الأرض في الضلمة.. كل ده كان الاختبار اللي خلاني أقوى وأجمل وأنجح.
قصتي مكنتش قصة ض’ية استسلمت، دي قصة “الكوبري” اللي اتقلب لـسد منيع هدّ أحلام الطامعين..
قفلت كتاب الماضي بكل أوج’اعه، وأخدت نفس طويل، وقولت لن’فسي بثقة: “الحمد لله.. الكاب*وس انتهى.. وحياتي الحقيقية لسه بتبدأ حالا.
