زميلي في الشغل 2

بص لـ أمه وبص لـ سلوى، وأخد خطوتين لورا وهو بيهز في رأسه وبيقول بنبرة كلها عياقة ومكابرة: “نزوة إيه يا أمي اللي بتتكلمي عنها؟ أنا مش عيل صغير عشان تضحك عليه بنزوة! أنا راجل وعارف أنا بعمل إيه كويس.. وبعدين طلاق إيه يا سلوى اللي بتتكلمي فيه وورقتك إيه؟ أنا مقلتش إني هطلقك أصلاً، ولا جيت هنا عشان أخرب بيتي!”

قرب من سلوى خطوة وهو بيحاول يبان قوي وصاحب حق، وقالها وعينه قوية: “الشرع محلل لي أربعة، وأنا راجل مقتدر وأقدر أفتح بيتين وأعدل بينكم.. أنا مش هطلقك ومستحيل أفرط في بنتي، بس في نفس الوقت مش هسيب ساندي.. أنا هجوز اتنين! ومن حقي أعيش مبسوط وأدور على الروح اللي نقصاني من غير ما أخسر بيتي الأولاني.. إنتِ ليكِ مكانتك واحترامك ومصاريفك كاملة هتوصلك، بس ساندي هتبقى مراتي على سنة الله ورسوله، ودي حياتي وأنا حر فيها!”

أول ما نطق الجملة دي، الصالة رجعت تغلي تاني، وسلوى بصت له بنظرة استحقار وذهول من جراءته، وأمه ملامح وشها اتغيرت من الصدمة وبقت مستعدة تديله الرد اللي ينهي بيه الجدال ده تماماً.

سلوى ضحكت.. بس ضحكة وجع، ضحكة سخرية كسرت كل التوتر اللي في الصالة، وبصت له من فوق لتحت وقالتله بمنتهى البرود اللي في الدنيا:

“تتجوز اتنين؟! وكمان مقتدر وتقدر تفتح بيتين وتعدل؟ إنت نسيت نفسك يا ابن الناس ولا إيه؟ نسيت مين اللي كانت بتديك مصروفك وتدفع معاك إيجار البيت ده لما كنت قاعد من غير شغل؟ نسيت دهب أمي اللي بعته عشان نجهز شقة الزوجية اللي إنت واقف فيها دلوقتي وتتمرع وتنطح؟ إنت لو مقتدر بجد، يبقى بفلوسي أنا وخير أهلي عليا.. جاي دلوقتي تعمل بيهم سبع البرمبة وتفتح بيتين على قفايا؟!”

لفت وشها وراحت ناحية الباب، فتحته على آخره وبصت له وقالت بصوت زي حد السيف: “الشرع اللي بتتكلم عنه وتتحامى فيه، قال برضه ‘فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان’.. وإنت لمعروفك مكان، ولا لإحسانك وجود. أنا مبقاش يشرفني أكون على ذمة راجل زيك، والبيت ده أنا مش هقعد فيه دقيقة واحدة تانية.. أنا هاخد بنتي وأروح لبيت أبويا، واليوم اللي هتدخل فيه على ساندي بتاعتك، هيكون هو نفس اليوم اللي ورقتي هتوصلني فيه بالمحكمة.. ومبقتش عايزة أشوف وشك تاني!”

خرجت من الصالة ودخلت الأوضة ورزعت الباب وراها عشان تلم هدومها وهدوم بنتها، وهي سايباه واقف مكانه مذهول، الكلمة وقفت في زوره، وجبهته اتقصفت تماماً قدام أمه بعد ما سلوى فكرته بأصله وبخيرها عليه.

أول ما سلوى رزعت باب الأوضة، لفيت له وأنا بنهج من كتر الغيظ، وقربت منه ولطشت كف بكف وقولتله بصوت حاد ومسموع: “سمعت؟ سمعت مراتك الأصيلة اللي كنت بتقول عليها مملة؟ اهي طلعت بمية راجل وفكرتك بوقفتها جمبك يوم ما كنتش لاقي اللقمة! ساندي الهانم بتاعتك دي، لو عرفت إنك متجوز ومديون لمراتها بقرشين، كانت سابتك من بكره الصبح.. جاي تتنطط بفلوس البنت وخير أهلها وتعملي فيها سي السيد؟!”

هو حط إيده على راسه وبدأ يروح وييجي في الصالة زي المجنون، باين عليه إنه اتهز بجد، بس العند لسه راكبه: “يا أمي افهميني.. أنا مقلتش هقصر معاها، أنا بس عايز أعيش حياتي!”

لزقته في صدره بإيدي وقولتله: “حياتك دي بره بيتي وبره دنيتي.. ادخل اطلب منها السماح وبوس على راسها وانسى الجنان ده، يا إما تاخد بعضك وتطلع بره البيت ده دلوقتي، ومستحيل هسمحلك تكسر بخاطرها وهي في بيتي.. لم نفسك واقعد فكر في بنتك وفي شكلك قدام الناس لما يعرفوا إنك رميت اللي صانتك عشان واحدة ضحكتلك في الشغل!”

في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح، وخرجت سلوى وهي شادة شنطة الهدوم في إيدها، والبت الصغيرة ماسكة في طرف عبايتها وبتبص لنا وهي خايفة ومش فاهمة حاجة.. سلوى كانت بتبص لقدامها ومفيش في عينيها غير نظرة واحدة: نهاية كل حاجة!

وأنا جيرت وراها ومسكت في الشنطة وبقيت أحايل فيها ودموعي على خدي: “عشان خاطري يا بنتي.. عشان خاطري أنا متخربيش بيتك، الواد مغمي على عينه وأنا هربيه لك من أول وجديد، اقعدي ومتمشيش مكسورة الخاطر من بيتي.”

لكن سلوى كانت زي الحجر، وبصت لي بعيون دبلانة وقالت: “حقك على راسي يا أمي، إنتِ فوق راسي من فوق وعمري ما شوفت منك غير كل خير، بس أنا كرامتي اندبحت، والراجل اللي يشوفني مِلل ويفكر يتجوز عليا عشان يسعد واحدة تانية، مبقاش ينفعني.. سيبيني أمشي الله يخليكي.”

ومشيت.. راحت لبيت أهلها.

الشهرين اللي وراهم كانوا عبارة عن حرب.. أنا مسبتش باب إلا ودقيتُه، روحت لأبوها وأعمامها، وقعدت مع أيد حكيمة في عيلتهم، وبقيت أتحايل وأقول “عيال وغلطوا وبنتهم ملهاش ذنب”، لكن أهل سلوى وقفوا وقفة رجالة، وقالوا لي كلمتين حطوا راسي في الأرض: “بنتنا دخلت بيتكم معززة مكرمة، وصانت ابنك في قلة حيلته، ويوم ما ربنا يفتحها عليه يروح يبص لغيرها ويكسر قلبها؟ إحنا بنتنا متقعدش مع راجل عينه زايغة، والطلاق هو الحل.”

لما لقيت الأبواب كلها اتقفلت، وسلوى صممت بأدب وقوة على الطلاق، رجعت البيت لابني.. كان قاعد حاطط راسه بين إيديه بعد ما ساندي هانم بدأت تتقل عليه وتتفلسف لما عرفت بمشاكله ومشاكل بيته.

وقفت فوق راسه وقولتله بصوت قاطع ملوش رجوع: “اسمعني بقى يا فالح.. طالما بعت واشتريت في النزوة بتاعتك وأهل الست صمموا على الطلاق، يبقى مفيش محاكم ولا فضايح.. هتدخل زي الشاطر وتدّي سلوى كل حقوقها لحد آخر مليم!”

هو بدأ يبرق ويقول: “يا أمي دي طالبة مبالغ ومؤخر والدهب وشقتي..”

قاطعته برزع كفي على الترابيزة: “وشقتك وفوقيها بوست راس! الست دي هتاخد مؤخرها كامل، ومتعتها، ونفقة بنتها، والدهب بتاعها وبتاع أمها اللي بعته يرجع لها تمنه تالت ومتلت.. أنا مش هسمح لـ ابن بطني ياكل حق ست وقفِت معاه في كحرتُه، ومش هقبل يدخل بيتي قرش حرام أو دعوة ست مظلومة.. هتكتب لها كل حقوقها بالمعروف ورجلك فوق رقبتك، وإلا قسمًا بالله العظيم، لا هتدخل لي بيت، ولا هتشوف وشي، وهتبرى منك ليوم الدين.. سامع ولا لأ؟!”

نزل راسه في الأرض وهو مش قادر ينطق، وعرف إن جحوده وعيلته كلفوه كل حاجة.. كلفوه بيته، ومراته الأصيلة، وبنته، وحتى رضا أمه اللي باعه عشان غيمة صيف كدابة.

وفعلاً، ابني نزل راسه ونفذ كلامي حرف بحرف، وطلق سلوى وإداها كل حقوقها لغاية آخر مليم، ورجعلها تمن دهبها ونفقة بنتها كاملة ورجله فوق رقبته.

ورغم إن البيوت اتهدت، إلا إن الأصل الطيب مابيموتش.. سلوى فضلت أصيلة وبنت ناس؛ علاقتها بيا مقطعتش ولا يوم، بالعكس، كانت دايماً تتصل بيا وتسأل عليا، وتقولي: “إنتِ أمي يا حبيبتي ومفيش بيني وبينك غير كل خير، وابنك غلط في حقي بس إنتِ وفقتي مع الحق”. ومحرمتنيش من بنتها أبدًا، كانت بتجيبها لي لحد عندي كل أسبوع تقعد في حضني وأشبع منها.

أما بقى السبع البرمبة ابني.. فـ يا دوب المية غليت عليه بسرعة!

أول ما ساندي هانم عرفت إنه طلق سلوى وإداها كل حقوقها المادية، وتمن الدهب، وإنه هيدفع نفقة محترمة لبنته تتقص من مرتبه كل شهر.. لوت بوزها. بدأت حساباتها تختلف، ولقت إن الجوازة منه بقت “بخسارة” ومش هتعيشها في المستوى اللي كانت بتخطط له، وإن مرتبه اللي كان هيتفسحوا بيه بقى نصه رايح لبيته القديم وبنته.

في يوم وليلة، ساندي بدأت تتقل، وتتحجج بالشغل، لحد ما جت له في يوم وقالتله ببرود: “بص يا عزت.. أنا شايفة إن ظروفك ومشاكلك اللى مابتخلصش دي هتعطلني، وإحنا مش هننفع مع بعض، وكل شيء قسمة ونصيب!” وسابته وراحت تشوف مصلحتها مع غيره.

هو دلوقتي قاعد قدامي في الصالة، حاطط راسه بين إيديه، الندم بياكل في قلبه والكسرة باينة في عينه.. لقى نفسه خسر مراته الأصيلة اللي صانته في فقره، وخسر بنته ولمة بيته، وفوق كل ده الست اللي باع الدنيا عشانها سابته في أول محطة لما لقت جيوبه خفت.. وقاعد دلوقتي زي المَثل ما بيقول: “لا طال بلح الشام.. ولا عنب اليمن!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *