ملياردير خليجي الجزء الاخير

انقبض قلب غادة، وشعرت بأن الجدران الدافئة التي تحميها هي وابنتها قد تحولت فجأة إلى قفص من زجاج آيل للسقوط. هذا الصوت الخشن المستبد لم يكن سوى صوت “ماجد”، زوجها السابق والرجل الذي دمر حياتها قبل أن تهرب منه ومن ديونه ومشاكله التي لا تنتهي.

ارتمت غادة على الأرض لتلتقط الهاتف بيدين ترتجفان، وحاولت البكاء صامتة لكي لا تستيقظ ليان النائمة في الغرفة المجاورة. كان ماجد قد خسر كل شيء في تجارات مشبوهة، وطوال العام الماضي كان يحاول الوصول إلى ليان لتهديد غادة والضغط على عائلتها، ولما عجز، تركها تواجه الشارع. لكن رؤيتها في الأخبار أو تسرب الشائعات عن وجودها في مجموعة السالم أيقظ في نفسه الجشع مجددًا؛ لقد أدرك أن خلفها الآن رجل أعمال يملك الملايين، ورأى في ابنته ورقة مساومة رابحة.

لم تنم غادة تلك الليلة. ومع خيوط الفجر الأولى، كانت تجلس في مكتبها بالمجموعة، شاحبة الوجه، وعيناها محاطتان بهالات سوداء من قلة النوم والخوف.

عندما وصل فهد إلى الطابق الإداري، لاحظ فورًا أن حركتها ونظراتها تائهة. دخل إلى مكتبها الصغير وأغلق الباب خلفه.

— غادة، ما الأمر؟ سأل بنبرة قلقة. — هل ضايقك أحد من الموظفين مجددًا بعد اجتماع الأمس؟

رفعت غادة عينيها المليئتين بالدموع، وقالت بنبرة يائسة:

— أستاذ فهد… أنا ممتنة لكل ما فعلته من أجلي، لكنني لا أستطيع البقاء هنا. يجب أن آخذ ليان وأغادر دبي بالكامل.

عقد فهد حاجبيه بدهشة واستنكار:

— تغادرين؟ بعد أن أثبتِّ كفاءتكِ وأصبحتِ جزءًا أساسيًا من الإدارة؟ ما الذي حدث فجأة؟

سردت غادة له قصة ماجد، والاتصال المرعب الذي تلقته بالأمس، وكيف أنه يهدد بانتزاع ليان منها واستغلال الموقف لابتزاز المجموعة أو تشويه سمعتها.

استمع فهد إليها بملامح حادة، لكنه لم يبدِ أي خوف أو تردد. وقف ومشى نحو النافذة المطلة على المدينة، ثم التفت إليها وقال بصوت هادئ يحمل قوة لا تتزعزع:

— الهروب ليس حلاً يا غادة. إذا هربتِ اليوم، فستقضين بقية حياتكِ تتلفتين وراءكِ في كل مدينة تذهبين إليها. ماجد يظن أنكِ ما زلتِ تلك المرأة الضعيفة المستسلمة التي تركها في محطة المترو، وهو لا يعلم أنكِ الآن تقفين على أرض صلبة.

— لكنه يهدد بأخذ ابنتي! قالت بنحيب مكتوم. — القانون قد يقف معه كأب إذا لم أستطع إثبات خطورته، وأنا لا أملك نفوذًا.

ابتسم فهد ابتسامة غامضة، وقال:

— أنتِ لا تملكين نفوذًا، لكنكِ تعملين في مجموعة السالم. والشؤون القانونية لدينا لا تحمي عقود الشركات فقط، بل تحمي موظفيها أيضًا. اتركِ هذا الأمر لي، وعودي لعملكِ.

في تلك الأثناء، وفي الطابق السفلي من البرج، كان هناك تحرك آخر يدور في الخفاء. كانت نورة السالم تجلس في سيارتها الفارهة وتتحدث عبر الهاتف مع شخص ما.

— نعم، تأكد من أنه سيأتي إلى المبنى اليوم، قالت نورة بنبرة خبيثة. — أريد أن أرى كيف سيتصرف شقيقي فهد عندما يقتحم زوج هذه المرأة المكان ويطالب بابنته أمام الموظفين والعملاء. هذه الفضيحة هي ما نحتاجه تمامًا لزعزعة ثقة مجلس الإدارة في قراراته “الإنسانية”.

كانت نورة هي من سربت مكان غادة لماجد، ووعدته بتسهيل دخوله إلى البرج مقابل إحداث جلبة تنهي مسيرة غادة في الشركة وتلوي ذراع فهد.

في تمام الساعة الواحدة ظهرًا، ساد هرج ومرج في بهو الاستقبال الرئيسي للبرج. اقتحم رجل ثلاثيني ذو ملامح قاسية وثياب متبهدلة المكان، صوته كان يملأ الأرجاء وهو يصرخ بوجه أفراد الأمن:

— أريد زوجتي غادة! أين تختبئ؟ أنتم تحجزون امرأة متزوجة وابنتي دون وجه حق! سأطلب الشرطة إن لم تنزل حالاً!

بدأ الموظفون يتطلعون من الشرفات الداخلية، وتجمع الزوار في البهو. صعد إشعار عاجل إلى مكتب فهد: “أستاذ فهد، هناك رجل يدعي أنه زوج الموظفة غادة، ويحدث فوضى عارمة في الاستقبال ويرفض المغادرة”.

نظرت غادة إلى فهد برعب حقيقي، وكأن الأرض تنسحب من تحتها مرة أخرى. لكن فهد وقف بكل هدوء، عدّل سترته الإيطالية الفاخرة، ونظر إليها قائلاً:

— حان الوقت لكي ينتهي كابوسكِ القديم يا غادة. انزلي معي، وضعي رأسكِ عاليًا.

فتح فهد الباب، وتحركت خلفه غادة بخطوات ترتجف، متجهة نحو المصعد لخوض المواجهة التي ستحدد ما إذا كان الأمان الذي وجدته حقيقة أم مجرد سراب عابر.

تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلكم القصص الكامله

هبط المصعد الزجاجي نحو بهو الاستقبال الرئيسي، وكان صدى صراخ ماجد يتردد بين الجدران الرخامية الشاهقة. كان يتنقل بغطرسة مستغلًا تجمع الموظفين، ظنًا منه أن منظره الفوضوي سيجبر إدارة الشركة على تقديم تنازلات مالية سريعة لتفادي الفضيحة، تمامًا كما خططت له نورة التي كانت تراقب المشهد من بعيد خلف زجاج سيارتها.

عندما انفتح باب المصعد، خرج فهد السالم بخطوات واثقة وهادئة، وخلفه كانت تقف غادة. ما إن رأتهما العيون حتى ساد الصمت أرجاء المكان.

تصلبت نظرات ماجد عندما وقعت عيناه على غادة؛ لم تكن المرأة الشاحبة المكسورة التي تركها تنام على أرصفة محطة المترو، بل كانت تبدو كامرأة عاملة محترمة، تحيط بها هيبة المكان ويحميها رجل بقامة فهد السالم.

— إذن أنتِ هنا! صاح ماجد وهو يتقدم نحوهما بخطوات سريعة، لكن أفراد الأمن شكلوا حاجزًا بشريًا منيعًا أمامه فورًا بطلب من فهد. — تختبئين في أبراج الأثرياء وتمنعين عني ابنتي ليان؟ أنا أطالب بحقي الشرعي والقانوني كأب، ولن أغادر هنا إلا وابنتي معي!

وقف فهد أمام غادة مباشرة، واضعًا يديه في جيبي سترته، ونظر إلى ماجد بنظرة باردة جعلت الأخير يتراجع خطوة إلى الوراء دون أن يشعر.

— انتهيت؟ سأل فهد بنبرة منخفضة لكنها حاسمة كحد السيف.

— أنا لا أتحدث معك يا سيد فهد، أنا أتحدث مع زوجتي! رد ماجد محاولاً استعادة صوته المرتفع.

— أولاً، هي لم تعد زوجتك، فالأوراق الرسمية تؤكد أن قضية الطلاق والخلع قد حُسمت غيابيًا منذ أشهر بسبب هربك وتخلفك عن النفقة، قال فهد بهدوء مذهل وهو يلتفت إلى مساعدته التي تقدمت حاملة ملفًا جلديًا أسود. — وثانيًا، بما أنك تحدثت عن القانون، فلنتحدث به حتى النهاية.

فتح فهد الملف وأخرج منه عدة مستندات أرسلها رئيس الشؤون القانونية للمجموعة قبل دقائق:

— هذا تقرير رسمي صادر عن محاكم دبي، يثبت أنك مطلوب للقضاء في ثلاث قضايا شيكات بدون رصيد ونصب واحتيال، وصادر بحقك أمر ضبط وإحضار منذ أسبوعين. كنت تختبئ وتظن أنك بعيد عن الأعين، لكنك اليوم أتيت برجليك إلى المكان الخطأ.

شحب وجه ماجد فجأة، واختفت نبرة الغطرسة من صوته ليحل محلها رعب حقيقي. التفت يمينًا ويسارًا باحثًا عن مخرج، لكن فهد أشار بيده نحو البوابة الرئيسية.

في تلك اللحظة، رُفعت الحواجز ودخل ثلاثة من رجال الشرطة يرتدون زيهم الرسمي، بعد أن استدعاهم مكتب الأمن التابع للمجموعة بناءً على توجيهات فهد المسبقة. تقدم الضابط نحو ماجد وتأكد من هويته، ثم وضع الأصفاد في يديه وسط ذهول الحاضرين.

نظر ماجد إلى غادة وهو يُقاد إلى الخارج وصاح بيأس: “غادة.. ساعديني!”، لكن غادة لم تنظر إليه هذه المرة بحزن أو انكسار، بل نظرت إليه بعينين قويتين، عيني أم أدركت أخيرًا أن كابوسها قد انتهى إلى الأبد، وأن طفلتها أصبحت في أمان.

التفت فهد نحو الموظفين الذين كانوا يتابعون الموقف، وقال بنبرة صارمة:

— ليعلم الجميع.. مجموعة السالم لا تحمي فقط استثماراتها، بل تحمي كرامة كل فرد يعمل تحت سقفها. عودوا إلى مكاتبكم.

تفرق الجميع وسط همسات الإعجاب والتقدير لشخصية مديرهم التي أصبحت أكثر إنسانية وقوة من أي وقت مضى. التفت فهد إلى غادة التي كانت دموع الفرح والراحة تنهمر على وجنتيها.

— شكرًا لك يا أستاذ فهد.. أعتذر لأنني شككت يوماً في أن الأرض قد تنسحب من تحتنا مجددًا، قالت بصوت متهدج.

ابتسم فهد وقال:

— الأرض لا تنقطع إلا تحت من يقفون على الباطل يا غادة. اذهبي واطمئني على ليان، فالقانون الآن في صفكما تمامًا.

تحرك فهد عائدًا إلى مكتبه، لكنه توقف للحظة والتفت نحو النافذة الزجاجية الكبرى المطلة على الشارع السفلي، حيث رأى سيارة شقيقته نورة وهي تنطلق بسرعة جنونية بعد أن شاهدت خطتها تنهار تمامًا أمام عينيها، مدركة أن شقيقها لم يعد ذلك الرجل الذي يمكن السيطرة عليه بإرث الماضي.

جلس فهد خلف مكتبه، ونظر إلى بطاقته البنكية السوداء التي كانت مستقرة على الطاولة. لقد غيرت هذه البطاقة حياة غادة، لكنها في الحقيقة غيرت روحه هو أولاً.

ومع ذلك، لم تكن الحكاية قد أغلقت فصولها بالكامل؛ فبينما كان فهد يستعد لإعادة ترتيب أوراق المجموعة الإنسانية، رن هاتفه الشخصي، وظهر اسم محامي العائلة الخاص بالوالد الراحل، ليخبره بأمر غريب سيقلب الموازين للمرة الأخيرة…

أمسك فهد الهاتف بيده، وجاءه صوت المحامي العجوز، الأستاذ يعقوب، متهدجًا ويحمل نبرة من الجدية والذهول:

— أستاذ فهد، أعتذر عن الاتصال في هذا الوقت، ولكنني كنت أتابع ما حدث في مقر المجموعة اليوم. هناك وصية ملحقة وضعها والدك عبد الرحمن السالم عندي قبل وفاته بأشهر، واشترط ألا تُفتح إلا إذا قام أحد أبنائه بتصرف اعتبره الوالد “خروجًا عن قوانين العائلة الصارمة”.

عقد فهد حاجبيه وشعر بتوجس غريب:

— وصية ملحقة؟ وماذا تعني يا أستاذ يعقوب؟

— تعني أن والدك كان يتوقع يومًا كهذا. أرجو منك الحضور إلى مكتبي غدًا صباحًا، أنت والسيدة نورة وأعمامك. الأمر مصيري ويتعلق بمستقبل المجموعة بالكامل.

في صباح اليوم التالي، اجتمعت العائلة في مكتب المحامي العجوز. كانت نورة تجلس بكبرياء جريح، وعيناها ترميان فهد بنظرات حاقدة، بينما كان الأعمام يتبادلون الهمسات. دخل فهد بوقاره المعتاد، وجلس بهدوء منتظرًا ما سيكشفه الماضي.

وقف المحامي يعقوب، ونظف حنجرته، ثم فتح مظروفًا شمعيًا أحمر اللون، وبدأ يقرأ رسالة عبد الرحمن السالم الأخيرة بصوته الأجش:

> “إلى ابني فهد… إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أنك كسرت قاعدتي الأولى، وأنك وثقت بفقير أو غريب، ومنحته أمانًا لم أكن لأمنحه لأحد. طوال حياتي، علمتك أن الحاجة تجعل من الإنسان لصًا، وأن القسوة هي درع الحماية الوحيد لثروتنا.

> ولكنني كنت رجلًا يخاف… يخاف من أن تضيع جهودي، ويموت اسمي. وفي سنتي الأخيرة، أدركت أن القسوة تبني جدرانًا ولكنها لا تبني إرثًا حقيقيًا. لذلك، وضعت هذا الاختبار: إذا ظللت قاسيًا مثلما علمتك، فستستمر المجموعة كما هي. أما إذا كسرت قوانيني، وأظهرت رحمة وثقة في إنسان لا تملك سلطة عليه… فهذا يعني أنك أصبحت رجلًا أعظم مني، وأنك جدير بحمل الأمانة كاملة دون وصاية من أحد.”

>

ساد صمت مطبق وصادم في الغرفة. اتسعت عينا نورة بذهول، وتراجع الأعمام في مقاعدهم وكأن صاعقة قد هبطت عليهم.

تابع المحامي القراءة:

> “بناءً على هذا، وبموجب هذا الملحق الشرعي، تُنقل جميع حصص الصلاحيات الفيتو، وإدارة الأصول العقارية التابعة للمجموعة في الخارج، من شقيقتك وأعمامك لتصبح تحت سلطة فهد السالم المطلقة، دون رجعة أو نقض.”

>

أغلق المحامي الملف، ونظر إلى فهد بابتسامة احترام:

— مبروك يا أستاذ فهد. والدك لم يكن يريدك نسخة منه، بل كان يتمنى أن تكون النسخة الأفضل من عائلة السالم.

التفت فهد نحو نورة وأعمامه، لم يظهر أي تشفٍ أو غضب، بل قال بهدوء:

— المجموعة ستبقى بيتًا للجميع، طالما أن الجميع يعمل بنزاهة. ولكن من اليوم، لن تُدار هذه الشركة بالخوف والقسوة، بل بالأمانة والإنسانية.

خرج فهد من مكتب المحامي، وشعر وكأن الشمس تشرق في قلبه لأول مرة منذ سنوات طويلة. لقد أنقذ غادة وابنتها ببطاقة بنكية سوداء، ولكن في الحقيقة، كانت غادة هي من أنقذته من سجن والده الفكري، وأعادت إليه روحه ونفسه.

بعد مرور ستة أشهر، سار فهد في الممر الإداري للمجموعة. توقف عند مكتب غادة، التي أصبحت الآن مديرة قسم المسؤولية المجتمعية في الشركة. كانت تبدو في كامل أناقتها وثقتها، وأمامها ملفات لمشروعات تدعم الأسر العفيفة والنساء المكافحات.

وعلى الكرسي الصغير بجانب مكتبها، كانت تجلس ليان، بوجهها المحمر الضاحك، وهي ترسم في دفتر تلوين صغير.

التفتت غادة ورأته، فابتسمت بامتنان عميق لا يمحوه الزمن. تقدم فهد نحو الطفلة الصغيرة، ونزل لمستواها وقال مبتسمًا:

— ماذا ترسمين يا ليان؟

رفعت الطفلة الدفتر الصغير، ورسمت فيه بيتًا دافئًا تحيط به الأشجار، وتحت البيت رسمت بطاقة سوداء صغيرة تحولت إلى جسر يمر فوقه الناس بسلام.

نظر فهد إلى الرسمة، ثم التفت إلى غادة وقال:

— أحيانًا، تكون أعظم استثمارات الحياة هي تلك التي لا ننتظر منها ربحًا ماليًا… بل ننتظر منها أن تعيدنا إلى إنسانيتنا.

وهكذا، بدأت قصة فهد وغادة من محطة مترو مظلمة وباردة، ولكنها انتهت ببناء جسر من الأمل غير حياة الآلاف، وأثبتت أن الثقة والرحمة هما العملة الوحيدة التي لا تخسر قيمتها أبدًا في سوق البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *