خطوبتي ج 1

بقلم روماني مكرم

انا خطوبتي اتفركشت وبكرا هياخد الشبكه

اخته بتكلمني النهارده قالتلي علي الاسدال كانت جيبهولى هديه وانا بصلى بيه وقالت احسبى الفلوس الى ختيها على العيد والهدايه الى اخويا جبهالك ياريت تحسبو كل حاجة وترجعوها لصحابها واحسبو تمن الفااكها الى كان اخويا بيجبهالكم وتكلوها معرفتش ارد اقول ايه لقيت ماما خدت منى التلفون وقالت والطفاح الى كنتو بتطفخوه لم بتيجو وله احنا خدمين عندكم والهدايه ال بنتى جبتها لاخوكى وله بتدور على حقكم بس هو فى حد بيطلب يهديه وله بيطلب باكل غير الناس الجعانه يابنت الجعانه

 

كان المساءُ ثقيلاً، والبيتُ يغرقُ في صمتٍ خانقٍ يشبهُ هدوءَ ما قبلَ العاصفة. في الزاويةِ المظلمةِ من الغرفة، كانت “سارة” تجلسُ على طرفِ الفراش، تنظرُ إلى علبةِ “الشبكة” المخمليةِ الخضراء المفتوحةِ أمامها. الخواتمُ الذهبيةُ تتلألأُ تحتَ ضوءِ المصباحِ الضئيل، لكنها لم تعد ترمزُ إلى حبٍّ أو مستقبل، بل أصبحت شواهدَ على بدايةِ حكايةٍ مسمومةٍ أوشكت على الانفجار.

غداً… غداً سيمحون كل شيء. سيتسلل “عمر” وأهله لينهوا خطوبةً لم تدم سوى أشهرٍ قليلة.

فجأةً، شقّ شاشةَ هاتفِ سارة ضوءٌ متوهج، واهتزَّ الجهازُ بين يديها بإنذارٍ مرعب. كانت المتصلة “داليا”، أخت العريس. استجمعت سارة أنفاسها وردّت بصوتٍ خافت، لتقابِلَها نبرةٌ ممتلئةٌ بالتشفي والغرور الجاف:

— “أهلاً يا سارة… بكرة طبعاً عمر وجايين ناخد الشبكة، بس قبل ما نيجي في شوية حسابات محتاجين نخلصها.”

صمتت سارة، بينما واصلت داليا كلامها ببرودٍ يقطرُ قسوة:

— “الإسدال اللي كنت جايباهولك هدية وتصلي بيه؟ طبعاً دا حقي ومحتاجاه بكرة. وغير كده، تحسبي الفلوس اللي خدتيها في العيديات، وكل الهديا اللي أخويا جابها لك… ياريت تحسبوا كل حاجة وتعملوا حسابكم ترجعوها لأصحابها. وآه، صحيح… ما تنسوش تحسبوا تمن الفاكهة اللي كان أخويا بيجيبها لكم وتأكلوها! رجعوا تمنها!”

تجمّد الدمُ في عروق سارة. شلّتها الصدمةُ وجعلت لسانها ينعقد، فلم تجد كلمةً واحدةً ترد بها على هذا الهوان. لكن قبل أن تُسقِطَ الهاتفَ من يدها، امتدت يدٌ قويةٌ وسحبت الجهازَ بعنف.

كانت الأم تقفُ كاللئبِ الجريح، متأججةً بالغضب، وقد سمعت الصوتَ المرتفع عبر السماعة. وضعت الأم الهاتفَ على أذنها، وانتفض صوتها كالصاعقة ليشقّ صمت الغرفة:

— “والطُفاح اللي كنتوا بتطفحوه لما بتيجوا؟! ولا إحنا خدامين عندكم؟! والهديا اللي بنتي جابتها لأخوكي ولا بتدوروا على حقكم وبس؟! هو في حد بيطلب هدية ولا بيطلب بأكل غير الناس الجعانة يا بنت الجعانة؟!”

ساد الصمتُ على الطرف الآخر لثوانٍ معدودة قبل أن تصرخ داليا بغلٍّ أعمى، وتغلق الخط بوجهها.

في صباح اليوم التالي، كان الهواءُ محمّلاً برائحةِ الغبار والتوتر. وصل عمر برفقة أخته داليا ووالدته إلى منزل سارة. جلسوا في صالة الضيافة، والوجوهُ جهمةٌ كأنها مضمارُ معركة. وُضعت علبةُ الشبكة على الطاولة الوسطى، وجلس الجميع في حالةِ استنفارٍ خفي.

#الكاتب_رومانى_مكرم_

كانت داليا تجلسُ متكئةً على الذراع الخشبي للمقعد، وعيناها تطوفان أرجاء الشقة ببحثٍ محموم، حتى وقعت عيناها على “الإسدال” الملتف بعناية والموضوع فوق حقيبة الهدائع على طرف الطاولة.

ابتسمت داليا ابتسامةً خبيثةً باهتة، ومدّت يدها لتلتقط الإسدال بلهفةٍ غريبة، ثم ضغطت عليه بقوة بين أصابعها، ونظرت إلى سارة بعينين تتوهجان بشرٍّ دفين. اقتربت من أخيها عمر، وهمست في أذنه بنبرةٍ مسموعةٍ ومحمولةٍ بالوعيد:

— “أنا أخدت الإسدال خلاص… وهعمل عليه عمل علشان أذِلها بيه وأخليها تتمنى التراب اللي تمشي عليه!”

 

أشعلت همسةُ “داليا” في أذن أخيها شرارةً مكتومةً في أرجاء الصالة. لم تكن الملاحظةُ خافيةً على عينِ أمّ سارة، التي كانت ترقبُ كل حركةٍ بريبةٍ وحذر، كلقبوةٍ تصونُ عرينها. رأتها وهي تطوي الإسدال بلهفةٍ غريبة، وتغرسُ أظافرها في قماشه كأنها تطبقُ على صيدٍ ثمين.

استقرت علبةُ “الشبكة” الخضراء في منتصف الطاولة الخشبية، تتلألأُ جواهرهُا تحت الضوء اللامع، لكن أحداً لم يمدّ يدهُ إليها بعد. ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ يخنقُ الأنفاس، قطعتهُ والدةُ عمر وهي تنحنحُ بنبرةٍ باردةٍ كالجليجل:

— “أظن يا أم سارة إن الأحسن ننهي الموضوع بالمعروف.. الشبكة قدامنا، والأصول بتقول إن كل شيء يرجع لأصحابه من غير شوشرة.”

وقفت أمُّ سارة في منتصف الغرفة، ثابتةً كالجبل، ولم تكد تُنهي أمّ عمر كلمتها حتى انطلقت من عينيها شرارات الغضب. نظرت إلى “داليا” التي كانت تسحبُ الإسدال نحو حقيبتها بخفةٍ مريبة، ثم وجّهت حديثها للأم والعريس بحدة:

— “الأصول؟! الأصول تعرفوها لما تنضفوا من جوة! الشبكة موجودة وما يلزمناش منها قشة.. بس البت دي (وأشارت بسبابتها نحو داليا) حاطة إيدها على الإسدال ليه؟! والهمسة اللي همستها في أذن أخوها دي معناها إيه؟!”

ارتبك “عمر” وتطلع بين أخته وأمه، بينما تجهم وجهُ داليا وتغيرت ملامحها للشرس، وقالت بصوتٍ مرتفع وهي تطوقُ الإسدال بذراعيها:

— “دا حقي! أنا اللي شرياه بفلوسي، وآخده في الوقت اللي يعجبني وبطريقتي! ولا فاكرين إنكم هتاخدوا حاجة مش من حقكم؟!”

في تلك اللحظة، تقدمت “سارة” بخطواتٍ متثاقلة من داخل الغرفة. كانت ملامحها هادئة بشكلٍ مرعب، وقد انشفت من عينيها كل دموع الانكسار لتبدّلها بصلابةٍ لم يعهدها أحدٌ فيها من قبل. نظرت في عيني داليا مباشرةً وقالت بصوتٍ رزين وثابت يقطعُ الشك:

— “خديه يا داليا.. خدي الإسدال، وخدي العيديات، وحسبي تمن الفاكهة والأكل اللي دخل بيتنا.. بس افتكري إن في رب شايف وعارف.. والنية السودة اللي جواكي مش هتعود غير عليكِ أنتِ وأخوكي.”

اشتدت حدةُ الموقف، وقامت أم سارة بسحب حقيبةٍ كبيرة كانت قد أعدتها مسبقاً، وألقتها تحت أقدام عمر. تفرقعت الحقيبةُ على الأرض ليتناثر منها كل ما قدمه عمر خلال فترة الخطوبة من هدايا وأغراض بسيطة.

— “دي حاجتكم كاملة مكملة، مش ناقصة قرش ولا هدية! وأما الفاكهة والأكل اللي طفحتوه عندنا.. فحسابنا فيه عند ربنا، هو اللي بياخد حق الضيف لما يقل أصله!”

كانت داليا تحتضنُ الإسدال بقوة، وعلى وجهها ابتسامة نصر زئبقية، كأنها لم تأتِ لسترداد حقٍّ مالي، بل لتظفر بالقطعة التي ستنفذُ منها سمومها. تنبهت أم سارة لتلك الابتسامة، وشعرت بأن خلف هذا الإصرار سرّاً خبيثاً. لم تتردد الأم، بل خطت خطوةً سريعة نحو داليا وسحبت طرف الإسدال بعنف!

— “هاتيه هنا! طالما القلوب مريضة بالشكل دا، ما فيش قماشة تخرج من بيتي دخلها اسم ابنتي إلا لما أقطعها حتت قدام عينيكي!”

صرخت داليا وشدت الإسدال باتجاهها:

— “إيدك! دا ملكي وأنا حرّة فيه!”

تدخل عمر ممسكاً بذراع أخته في محاولةٍ لفض الاشتباك، بينما علت الأصوات وتوترت أجواء الشقة بالكامل. وفي وسط هذا الهرج، استطاعت أم سارة أن تجذب الإسدال بقوةٍ أدت إلى تمزيق جزءٍ من طرفه السفي، ليتساقط من بين طياته شيءٌ صغير لم يكن ملحوظاً من قبل.. ورقة سودة مطوية ومربوطة بخيطٍ رفيع، كانت غارزةً في بطانة الثوب الداخليه!

عمّ الصمتُ فجأةً في الصالة. تجمدت العيونُ كلها على تلك الورقة الغريبة التي سقطت على السجادة بين الجميع. تغير لونُ وجه داليا ليصبح أصفر كالموت، وارتجفت يدها وهي تحاول الاندفاع للتقاطها، لكن يد أم سارة كانت أسرع.

رفعت الأم الورقة المطوية، ونظرت إلى داليا بعينين تتأرجحان بين الصدمة والذهول، ثم التفتت إلى عمر وقالت بصوتٍ يرجفُ من الهول:

— “شوف يا عمر.. شوف أختك كانت جايبة لإختك إيه في الإسدال اللي بتصلي بيه! شوف النية اللي كانت متبيتة لبنتي من قبل ما تفكروا تفكوا الخطوبة حتى!”

جلس عمر مبهوتاً لا يستطيع النطق، بينما تراجعت داليا إلى الخلف بخطواتٍ مرتكبة، وعيناها تدوران في المكان بحثاً عن مخرج، بعد أن انكشفت الحقيقة الجائعة التي كانت تخفيها تحت عباءة المطالبة بالحسَاب والهدَايا.

#الكاتب_رومانى_مكرم_

ارتفعت الأنفاسُ في الغرفة، وأصبح الهواءُ ثقيلاً ينذرُ بوقوعِ كارثة. كانت الورقةُ المطويةُ بالخيط الأسود تتوسطُ يدَ أم سارة، كأنها جمرةٌ حارقة تشتعلُ بالشر. اقترب “عمر” بخطواتٍ مثرورة، والذهولُ يعصرُ ملامحه، ومدّ يدهُ المرتجفة ليتناول الورقة من أم سارة.

حاولت “داليا” الاندفاعَ نحوه بصرخةٍ هيستيرية لتخطفها من يده:

— “لا يا عمر! ما تفتحتش حاجة! دي.. دي حاجة تخصني أنا! هات الورقة دي!”

لكن عمر دفعها بعيداً بقوةٍ لم تعهدها منه من قبل، ونظر إليها بعينين تشتعلان بالشك والغضب. فكّ الخيطَ الرفيع بأصابع ترتعش، وبسط الورقة السوداء. كانت مكتوبةً بحبرٍ أحمر غريب، ومليئةً بأشكالٍ ونقاطٍ غير مفهومة، وتحتها كُتب اسمُ “سارة بنت فلانة” بصريح العبارة!

انعقد لسانُ عمر، وتراجع خطوةً إلى الخلف وهو ينظر إلى أخته كأنه يرها لأول مرة في حياته. هبط الصمتُ على المكان كالصاعقة، حتى والدتهما جمدت في مكانها وسقطت حقيبتها من يدها، تنظرُ إلى الورقة ثم إلى ابنتها بصدمةٍ شلت أركانها.

صاحت أمُّ سارة بصوتٍ زلزل أرجاء الصالة:

— “شفت يا سي عمر؟! شفت الأصول والتربية اللي جاي تطالبنا بيها؟! أختك جايبة السحر والعمل في الثوب اللي بنتي بتقف بيه بين إيدين ربنا! كانت بتدبر لها الخراب والذل وهي لسه على ذمتك وف بيتك!”

التفتت “سارة” نحو داليا، ولم تكن في عينيها قطرةُ خوفٍ واحدة، بل كانت نظراتُها ممتلئةً بالقرف والشفقة. اقتربت منها ببطء، وقالت بصوتٍ هادئ ينبضُ بصلابةٍ عجيبة:

— “كنتِ فاكرة إنك بتكيدي للناس وتأذيهم في الخفاء؟ نسيتي إن ربنا أكبر من السحر وأكبر من الشر اللي مالك قلبك؟ الإسدال اللي كنت بصلي بيه دا.. كانت كل سجدة فيه بتدعيلكم بالخير والستر، وأنتِ كنتِ بتخططي تسودِي حياتي.”

انفجرت داليا بالبكاء الهيستيري، وحاولت الدفاع عن نفسها بصوتٍ مبشوح:

— “والله ما عملت حاجة! دي.. دي واحدة هي اللي ادتهالي وقالتلي أحطها في الإسدال علشان.. علشان ما تتجوزش غيرك يا عمر! كنت خايفة عليك!”

صرخ عمر في وجهها بصوتٍ رجّ جدران البيت:

— “اخرسي! اخرسي خالص! أنتِ إيه؟! إيه الغل والشر اللي جوّاكي دا؟! عايزة تؤذي الناس بالسحر والأعمال وتدخلي البيوت بالخراب?!”

لتلتفت والدة عمر، وقد غشيت وجهها حمرة الخجل والعار، وتطلعت إلى أم سارة وسارة بنظراتٍ مكسورة، ثم قالت بنبرةٍ متلعثمة:

— “يا أم سارة.. إحنا.. إحنا ما نرضاش بالمهزلة دي والله.. أنا ما أعرفش حاجة عن اللي عملته داليا..”

قاطعتها أم سارة بصرامةٍ حاسمة، ومسكت علبة “الشبكة” الخضراء من على الطاولة، وألقتها في يد عمر بقوة:

— “خدوا شبكتكم، وخدوا هداياكم، وخدوا القرف اللي جيبتوه معاكم واخرجوا برة بيتي! الفلوس والفاكهة والأكل اللي بتحسبوه.. حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا هو اللي هيخلص حقنا منكم يوم القيامة! برة!”

أخذ عمر العلبة وهو يطأطئ رأسه خجلاً، وأمسك بيد أخته داليا بسخطٍ شديد وجرّها خلفه كالج*ثة، بينما خرجت الأم بخطواتٍ مسرعة تحاول التخفي من أنظار الجيران في الممر.

أُغلق البابُ خلفهم بدويةٍ قوية، ليعود الصمتُ مجدداً إلى البيت. نظرت أم سارة إلى ابنتها، وسحبتها إلى أحضانها في عناقٍ طويل، بينما وقفت سارة تتنفسُ الحرية لأول مرة منذ أشهر، تتطلعُ إلى الورقة الممزقة على الأرض، مدركةً أن السحر لم يكن سوى القشرة التي كشفت المعادن الحقيقية.

لكن، وقبل أن تهدأ الأجواء، اهتز هاتف سارة مرةً أخرى برنينٍ جديد.. كان المتصل هذه المرة رقماً غريباً لم تره من قبل!

#الكاتب_رومانى_مكرم_

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *