وجع لا ينتهي 2

عدت الليلة دي وأنا صاحية، عيني منشفتش من الدموع، بس على أد ما كان فيه حزن، على أد ما كان فيه بركان بيغلي جوايا. مع أول ضوء للنهار، حسيت إن فيه حاجة اتقطعت من جدرها.. الخوف اللي كان مكلبشني السنين اللي فاتت كلها عشان خاطر “البيت” و”الابن” مات. مات مع رزعة الباب وكسرة القاعة.

يوم الأحد الصبح، الباب فتح ودخل جوزي.. كان باين عليه الانبساط، وريحة التفاؤل والراحة طالعة منه وهو راجع من عندها بعد ما قضوا أيامهم يعيدوا ذكرياتهم. بصلي ولقاني قاعدة بنفس فستان الفرح، منمتش، وشنطة هدومي الصغيرة محطوطة جنب رجلي على الأرض.

عقد حواجبه وبصلي بضيق وقال: “جرى إيه يا نجوى؟ أنتِ لسه بقرفك ونكدك ده؟ منمتيش ليه؟ وايه الشنطة دي.. عايرانا بإيه على الصبح؟”

وقفت على رجلي.. ولأول مرة في حياتي أبص في عينه ومتهزش. قولتله بصوت هادي، هادي لدرجة رعبته هو شخصياً: “طلقني يا ابن الناس”.

بصلي بذهول، وبعدين ضحك باستهزاء وقال: “تصدقي إنك فاضية؟ طلاق إيه يا أم شريف اللي بتتكلمي عنه في السن ده؟ اعقلي وبطلي جنان، كبرنا على الكلام ده”.

قولتله وأنا برفع راسي لفوق: “متقوليش يا أم شريف.. شريف ابن سلوى، مش أنت والناس قولتوا كده في الفرح؟ شريف ابن الفلوس والمظاهر والشبكة الدهب والشقة العالبحر.. أنا من النهاردة نجوى وبس. نجوى اللي ملهاش هنا لا زوج يتقي الله فيها، ولا ابن يسندها لما تكبر. أنا طلبت الطلاق بالمعروف، ورقتي توصلي، والبيت ده بأي حاجة فيه حلال عليك وعلى ست حسنك.. أنا خارجة برة حياتكم خالص”.

وشه اتغير وبدأ يتعصب وقال: “أنتِ اتجننتي رسمي؟ هتخرجي تروحي فين؟ ومين هيخدمك ولا يشيلك وأنتِ لوحدك؟ شريف لو عرف بالمهزلة دي مش هيسامحك!”

ضحكت.. ضحكة طالعة من وسط الوجع بس مليانة قوة: “شريف؟ شريف مش فاضيلي، شريف وراه خروج وفسح مع ماما سلوى وعروسته الأكابر.. ومين يشيلني؟ اللي شالني وأنا بموت قهر في قاع القاعة ومحدش حاسس بيا هو اللي هيشيلني. أنا عشت ليكم، وشقيت عشانكم، وكنت الدادة والحاضنة والخدامة اللي بتداري عياك وتغسل قرفك وفي الآخر تترمى.. النهاردة بقا، أنا هعيش لنفسي. للي باقي من عمري وصحتي اللي هريتها على ناس متستاهلش”.

وطيت خدت شنطتي في إيدي، وبصيت للشقة للمرة الأخيرة.. الشقة اللي كانت سجن لروحي السنين دي كلها.

بصيت لجوزي اللي كان واقف مذهول ومبرق، ومش متخيل إن الست الطيبة المكسورة ممكن تقف الـوقفة دي، وقولتله: “حقي عند ربنا مش مسامحة فيه، لا منك ولا من ابنك.. ورقتي توصلي لبيت أبويا”.

فتحت الباب وخرجت.. وأول ما رجلي خطت عتبة الشقة بره، حسيت بنسمة هوا باردة دخلت صدري.. حسيت إني بتنفس لأول مرة من عشرين سنة. قفلت الباب ورايا وأنا مقررة إني عمري ما هبص ورايا تاني.. اللي فات مات واندفن، واللي جاي بتاعي أنا وبس.

نزلت السلم وأنا حاسة إن خطوتى بقت أخف، وكأن جبل كان شايل على ضهرى واتزاح. ركبت أول عربية رايحة على بيت أهلي.. البيت القديم اللي سيبته من سنين طويلة عشان أروح لبيت الجحيم. البيت كان مقفول من وقت ما أبويا وأمي الله يرحمهم فارقوا الدنيا، بس مفتاحه كان دايماً في جيبى، كأنه كان مستنيني لليوم ده.

فتحت الباب.. ريحة التراب والذكريات القديمة ملّت صدري. الشقة كانت ضلمة ومتهورة، بس بالنسبة لي كانت أوسع وأحن من كل قصور الدنيا بفلوسها ومظاهرها. شمّرت دراعاتي، وفتحت الشبابيك عشان أدخل نور ربنا والهوا النضيف اللي انحرمت منه.

وأنا بنضف وواقفة على السلم بمسح الباب، لقيت جيراني زمان، الناس الطيبين الأاصليين اللي لسه فاكريني، اتلموا عليا. أم أحمد وجارتنا القديمة أم محمد، أول ما شافوني جريوا عليا وخدوني بالحضن: “يا مرحب يا نجوى! يا بنتي فين أيامك؟ عاش من شافك يا غالية!”

الترحيب والدفا اللي شوفتهم في عيونهم خلوا دموعي تنزل، بس المرة دي كانت دموع راحة. الكل بقى يوجب معايا.. دي تطلعلي بصينية غدا، ودي تجيب معاها مقشة وتساعدني في التفضيب، ودي تقولي: “لو عوزتي أي حاجة إحنا عينيا ليكي، أنتِ بنت الحتة وأصلها”. حسيت لأول مرة من سنين إن ليا قيمة، وإن فيه ناس بتشوفني وبتقدرني من غير ما أكون خدامة عندهم.

بعد أسبوعين وأنا قاعدة في شقتي اللي بقت زي القشطة، الباب خبط. فتحت لقيت محضر باعتلي ورقتي.. ورقة طلاقي. ومعاها ظرف فيه قرشين، حق مؤخري ونفقتي اللي رماهم لي عشان يخلص من ذنبه، كأنه بيشتري ضميره بالفلوس زي ما عادته. بصيت للورقة والفلوس، وافتكرت إنه زمان كان الحاجات دي ممكن تكسرني، بس النهاردة أنا خدت الفلوس وحطيتها في المطبخ بكل برود، وقولت: “الحمد لله اللي فك أسرى بالمعروف”.

مرت الشهور وأنا عايشة لنفسي.. بنزل السوق، بتكلم مع الجيران، بضحك من قلبي، وصحتي ووشي ردت فيهم الروح. الجيران بقوا أهلي، وفي يوم، وأنا قاعدة عند أم أحمد بنشرب الشاي، بصت لي وقالتلي بنبرة كلها حنية: “بصي يا نجوى يا بنتي.. إحنا شيفينك ست عاقلة وأصيلة، والدنيا لسه قدامك. فيه أستاذ عبد العزيز، جارنا في البيت اللي قصادنا.. راجل طيب وأرمل من كام سنة، شغال موظف محترم وملوش في القيل والقال. وعنده ولد اسمه يوسف في الإعدادية، محتاج برضه قلب حنين يراعي بيته.. إيه رأيك يا بنتي لو نجمع الحلال؟”

أنا أول ما سمعت الكلام، جسمي اتنفض وقلبي انقبض. قولت لها: “يا أم أحمد، أنا لسه طالعة من تجربة هدت حيلى، وعمري ما هكررها.. أنا ما صدقت لقيت نفسي، ومش عاوزة أربي عيال حد تاني بعد ما شوفت المر من ابني من لحمي ودمي”.

لكن أم أحمد والجيران مأيسوش، وكانوا دايماً يطمنوني ويقولولي: “عبد العزيز مش زي اللي شوفتيه، والواد يوسف غلبان ومتربي”.

قعدت مع نفسي ليالي طويلة، فكرت وفكرت لحد ما عقلي تعب. استخرت ربنا، وقولت لنفسي: “أنا جربت الحرمان والظلم، يمكن ربنا بيبعتلي الراجل ده والولد ده عشان يعوضوني عن اللقب اللي انحرمت منه؟ يمكن الواد ده يقولي يا ماما من قلبه مش عشان مصلحة؟”

بعد تفكير طويل واستخارة، وافقت..

وجاء اليوم اللي قعدت فيه مع أستاذ عبد العزيز ويوسف ابنه في صالون بيتي. عبد العزيز كان راجل هادي، عينيه مليانة احترام وتقدير، وبصلي وقالي: “أنا مش عاوز زوجة تخدم، أنا عاوز شريكة حياة نحترم بعض ونكبر سوا، ويوسف ابني محتاج أم، وأنا عارف إن قلبك كبير”.

أما يوسف.. فبصلي بكسوف وبراءة وقالي بصوت واطي: “أنا فرحان إني هقعد معاكي يا طنط نجوى.. وبابا قالي إنك طيبة أوي”.

المرة دي، كلمة “طنط” طلعت من طفل محتاج أمه، مكنتش مسمار في راسي، كانت بذرة حب جديدة. وافقت وأنا قلبي مطمن، وعرفت إن ربنا لما بياخد حاجة بالباطل، بيعوض بالحق.. والمرة دي، أنا هعيش لنفسي وللبيت اللي هيعرف قيمتي بجد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *