سر ابي القديم ج1
حكايات نور محمد

سمعت أمي وهي بتعيط في البلاكونة الساعة ٣ الفجر وبتترجى الدكتور في التليفون يعمل عملية عين بابا المعتّمة ويستنى عليها في الفلوس، ولما الدكتور رد عليها بقسوة وقالها: “مفيش جراحة هتتعمل غير لما تدفعوا المقدم الأول”، خرجت الصبح من البيت ورجليا مش شايلاني والدنيا سودة في وشي، بس اللي حصل معايا في شوارع الحسين خلاني أتيقن إن ربنا لما بيريد، بيقلب الموازين في لحظة واحدة.
الحكاية بدأت لما نزلت الصبح بدري وأنا شايلة في جيب شنطتي آخر حاجة حيلتي في الدنيا.. “خاتم دهب صغير” كانت سيباهولي جدتي الله يرحمها ذكرة. كنت مخبياه لليوم الأسود، وقلت خلاص، مفيش أسود من إن أبويا يفقد بصره وما يشوفش النور تاني. مشيت لحد منطقة “الصاغة” في الحسين ورجليا بتترعش، بعت الخاتم بالعافية وجابلي ألفين جنيه، مبلغ بسيط جداً بالنسبة لتكلفة العملية، بس قلت أهو يسد جزء من المقدم وأستسمح الدكتور.
وأنا طالعة من حارة الصاغة ورايحة أركب الميكروباص، لقيت ست كبيرة طاعنة في السن قاعدة على عتبة محل مقفول وبتعيط بكسرة حادة وتنحب. المنظر وجع قلبي، قربت منها وسألتها: “مالك يا حجة؟ خير في إيه؟”، ردت عليا وهي بتشهق: “ابني محجوز في المستشفى ومحتاج علاج بـ ألف وثمانمية جنيه، والصرة اللي فيها الفلوس وقعت مني في الزحمة ومش عارفة أرجعله بأنهي وش.. خايفة يروح مني!”
وقتها وقفت مذهولة.. الشنطة في إيدي فيها ألفين جنيه بس، دول أمل أبويا الوحيد! وفضلت الأفكار تضرب في دماغي: “أديها الفلوس وأسيب بابا؟ ولا أمشي وأطنش دموعها؟”. بس افتكرت كلمة بابا دايماً لما كان يقولي: “من سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله
في مخاطر الطرائق”. بصيت للست وبدون تردد طلعت الألف وثمانمية جنيه وحطيتهم في إيدها وقلت لها: “اتفضلي يا أمي، ربنا يشفيهولك ويرجعهولك بالسلامة”.
الست بصت للفلوس وللجنية الفاضل معايا، وقامت بكاء هستيري، ودعت لي دعوة هزت كياني: “ربنا يقيم لك سوق الحظ من وسع، ويفتح لك الأبواب المقفولة، ويجعل لك في كل خطوة فرج وسرور، ويرد لك الجميل أضعاف مضاعفة يا بنت الأصول!”
ركبت الميكروباص وأنا جيبتي فاضية تماماً، بس حاسة بنور وطمأنينة غريبة جوة قلبي، وقعدت أردد الاستغفار وأقول: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث”. فجأة، الست اللي راكبة جنبي – وكانت باين عليها العز والوقار – لاحظت إني بمسح دموعي وأنا بسبح. طأطأت عليا وقالتلي برقة: “يا بنتي الوش السمح ده ما يستاهلش البكاء، أنا متبعاكي من أول ما طلعتي من الصاغة وجمالك في تصرفك مع الست العجوزة لفت نظري.. احكيلي إيه الحكاية؟”
حكيت لها بحسن نية ودموعي نازلة عن حالة بابا وعن الخاتم وعن العملية اللي خلاص مش هنقدر نعملها. الست وشها اتغير تماماً وبصت لي بذهول وقالتلي: “طب انتي تعرفي إن جوزي هو الدكتور (رؤوف السويفي) أكبر جراح عيون في مصر؟ وإننا كنا رايحين المستشفى حالا بس عربيتنا عطلت وأنا ركبت الميكروباص عشان أسبقه؟”
أنا مكنتش مصدقة أذني! معقولة الست اللي جنب في الميكروباص تبقى حرم أكبر دكتور عيون؟! مسكت إيدي وقالتلي بنبرة كلها حزم ورحمة: “انزلي معايا فوراً.. عملية أباكي هتتعمل النهاردة وعلى نفقتي الخاصة، وده مش جميل، ده حق البنت اللي اشترت خاطر ست غريبة بآخر ما تملك!”
وصلنا المستشفى الاستثماري الكبير، والدكتور رؤوف كان واقف مستني مراته ومستعد يدخل غرفة العمليات لحالة ثانية. مراته قربت منه وحكت له القصة سريعا وادت له التقارير الطبية بتاعة بابا اللي كانت معايا في الشنطة..
الدكتور أول ما مسك التقارير وبص في اسم بابا الخماسي مكتوب فوق.. إيده أترعشت! والورق وقع منه على الأرض، وشه اصفرّ جداً وبص لي بعيون مذهولة وقال بنبرة صوت مرعوبة ومصدومة:
“أبوكي اسمه (عبد الرحمن شاكر)…؟! هو انتي بنت الراجل ده؟! مش ممكن!! انتي عارفة أبوكي عمل معايا إيه من ٣٥ سنة لما كنا في الصعيد؟! افتحي الباب ده بسرعة واجري هاتيه هنا حالاً لأن السر اللي خباه أبوكي طول السنين دي لازم يتفتح النهاردة!!”
#الكاتبه_نور_محمد
الورق كان بينزل على الأرض كأنه حركة بطيئة في مشهد سينمائي قُبض فيه الزمن. الصمت نزل فجأة على طرقة المستشفى الفخمة اللي كانت بتضج بالحركة من ثواني. عيون الدكتور “رؤوف السويفي” – الجراح العظيم اللي اسمه بيرعب أكبر دكاترة البلد وليه هيبة تسبقه – كانت متسعة بشكل مخيف، ووشه اللي كان مليان صرامة وجدية اتحول في لحظة لوش طفل تايه مرعوب، والدم هرب من عروقه بالكامل.
مراته، الست الوقورة الطيبة اللي جابتني معاها من الميكروباص، مسكت دراعه بخضة وقالتله بصوت مهزوز:
ـ “رؤوف! مالك يا حبيبي؟ اسم الراجل المريض ده فكرك بحاجة؟”
لكنه ماردش عليها، كان بيبصلي أنا، وكأن ملامحي فجأة بقت خريطة بتأكدله حاجة كان بيدور عليها من سنين طويلة. قالي بصوت بيترعش ومخنوق من كتر المشاعر اللي بتعصره:
ـ “انتي بنته بجد؟ بنت عبد الرحمن شاكر بتاع نجع (…..) في قنا؟ الراجل اللي كان شغال في دوار عيلة السويفي؟!”
هزيت راسي وأنا مش قادرة أنطق، الكلمات وقفت في زوري زي الشوك، والدموع اللي كانت نشفت رجعت تلمع في عيني من الخوف والتوتر. قلتله بصوت متقطع:
ـ “أيوه.. أبويا من قنا، وكان بيشتغل هناك زمان أوي قبل ما نهاجر على القاهرة ونسيب الصعيد كله.. بس هو دلوقتي راجل كبير ومريض وضعيف، وعينيه الاتنين رايحين ومبيشوفش.. أرجوك يا دكتور لو في حاجة بينكم زمان أو تارت قديمة بلاش تطلّعها فيه، أبويا مش مستحمل نفخة هوا!”
رد عليا بذهول: “أطلّعها فيه؟!”
وضحك ضحكة غريبة جداً، ضحكة كلها قهرة ووجع كأنه بيعاقب نفسه، ودمعة يتيمة حارة نزلت من عينه اللي شافت آلاف العمليات الجراحية المعقدة ومارفتش. نزل الدكتور الكبير على ركبتيه على الأرضية الرخام الباردة، لم التقارير الطبية بنفسه بإيدين بتترعش، وباس الورقة اللي عليها اسم أبويا وحطها على راسه!
المنظر كان صادم ليا ولمراته ولطاقم التمريض اللي واقف يتفرج من بعيد ومحدش مصدق إن الدكتور رؤوف السويفي بجلالة قدره بيعمل كده. قام وقف، وبص لمراته وقالها والدموع مغرقة وشه:
ـ “يا نادية.. الست اللي انتي جبتيها من الميكروباص دي، مش مجرد حالة خيرية هنعملها عملية ونكسب فيها ثواب. الست دي بنت الراجل اللي بفضله رؤوف السويفي بقى دكتور وعايش بكرامته! الراجل اللي شال عني حبل المشنقة والفضيحة من ٣٥ سنة، ودفع التمن من شبابه وعمره ونور عينيه عشان أنا أعيش وأتعلم وأبقى الجراح اللي انتي فخورة بيه!”
بصلي ومسك إيدي كأني طوق نجاة، وقال بنبرة فيها أمر ورجاء في نفس الوقت:
ـ “مفيش دقيقة تضيع.. عربيتي الخاصة تحت أمرك، ومعاها طاقم مسعفين مجهزين، يروحوا يجيبوه من بيته فوراً.. لا، أنا اللي هروح بنفسي أجيبه على كتافي!”

