خطه جوزي واختي ٢ والاخير

الضلمة كانت كحلة، وصوت ضحكة سلمى المستفزة بيتردد في الأسانسير كأنه صدى من الجحيم. للحظة حسيت إن رجليا مش شيلاني، وإن دي النهاية.. بس صورة “تيا” وهي على سرير العمليات مستنية الموت، خلت الدم يغلي في عروقي ويطرد أي ذرة خوف.

طلعت موبايلي بسرعة وشغلت الكشاف. بصيت حواليا في الكابينة الضيقة لحد ما لمحت **”فتحة الطوارئ”** في السقف. مكنش في وقت للتفكير.. رفعت نفسي بصعوبة، واتعلقت في حواف الفتحة الحديدية، ورفعت الغطا وطلعت فوق سطح الأسانسير في البير المظلم.

بصيت لتحت، لقيت نور خفيف طالع من شق باب البدروم اللي الأسانسير وقف قبله بمتر تقريباً.

مسكت كابلات الأسانسير اللي كانت مليانة شحم، وزحلقت نفسي لتحت وإيديا بتتجرح وتنزف من الاحتكاك، لحد ما وصلت للباب. حطيت إيدي في الشق، وبكل غل الدنيا وقوة معرفش جاتلي منين، شديت البابين عن بعض لحد ما فتحتهم مسافة تكفي إني أعدي منها.

وقعت على أرض البدروم.. المكان كان عبارة عن ممر طويل ريحته معقمات ودم، وإضاءته خافتة جداً.

مشيت على طراطيف صوابعي، قلبي بيدق لدرجة إني كنت خايفة يسمعوه.. لحد ما وصلت لآخر الممر، ولقيت باب أزاز نص شفاف، بصيت منه، وشوفت أسوأ كابوس ممكن أم تمر بيه!

تيا بنتي متخدرة ونايمة على سرير، ومتبتة في دبدوبها الصغير.. وفي السرير اللي جنبها “عاصم” متوصل بأسلاك ومحاليل، وشكله كان شبه غايب عن الوعي أو تحت تأثير مهدئ قوي.

وفي النص، واقفة “سلمى” مع راجل لابس لبس عمليات أزرق وماسك مشرط، وسمعتها بتقوله بصوت واطي بس واضح:

– **”إنجز يا دكتور، التاجر برة ومستني التسليمة.. البت دي تتاخد منها الكلى وفص الكبد والقرنية، وبعدين صفيها خالص.. أما الغبي اللي نايم هناك ده..”** (شاورت على عاصم) **”اديله الحقنة دي في المحلول، دي هتوقف قلبه في ثواني، وهيبان إنه مات من مضاعفات التخدير وهو بيفدي بنته.. والكل هيطلع كسبان!”**

الدكتور أخد منها الحقنة وابتسم بطمع، وراح ناحية عاصم عشان يحقنها في المحلول.

في اللحظة دي، محستش بنفسي.. عيني وقعت على **طفاية حريق** حمرا تقيلة متعلقة على الحيطة جنبي. شلتها، وبكل اندفاع كسرت باب الأوضة الأزاز ودخلت زي الإعصار!

الدكتور لف مخضوض، فنزلت بالطفاية على راسه بكل قوتي.. وقع على الأرض غرقان في دمه والمشرط طار من إيده.

سلمى صرخت برعب ورجعت لورا، بس عينيها زاغت وراحت بسرعة جابت المشرط من على الأرض ووجهته ناحيتي وهي بتصرخ بهيستيريا:

– **”مش هسيبك تبوظي خطتي! مش هترجعي تاخدي كل حاجة تاني! أنا هقتلك وهقتل بنتك!”**

هجمت عليا بالمشرط، حاولت أتفاداها بس جرحت دراعي جرح عميق.. مسكت إيدها وبدأنا نتصارع على الأرض، بس هي كانت شرسة جداً كأن شيطان راكبها. زقتني بكل قوتها ووقعتني على ضهري، ورفعت المشرط عشان تضربه في صدري..

وفجأة…

سمعت صوت تمزيق قماش عنيف، وجهاز المراقبة زمر بصوت عالي.

عاصم.. اللي المفروض إنه متخدر وبيموت.. كان قطع أحزمة السرير، ونزع إبرة المحلول من إيده، وباندفاع أخير من راجل بيودع الدنيا، رمى نفسه بيني وبين سلمى!

المشرط اللي كان نازل لصدري، استقر في ضهر عاصم!

سلمى برقت عينيها بصدمة، وسابت المشرط وهي بترتعش ومصدومة من اللي عملته.

عاصم مسكها من رقبتها بكل ما تبقى فيه من عزم، وضرب راسها في الحيطة اللي جنبهم، فوقعت على الأرض فاقدة الوعي تماماً.

عاصم وقع على ركبه، الدم كان بيغرق لبسه.

قمت بسرعة، ودموعي بتنزل زي المطر، سندته وحاولت أكتم الجرح اللي في ضهره وأنا بصرخ:

– **”عاصم! استحمل.. الإسعاف هتيجي.. دكتور هشام أكيد بلغ البوليس!”**

عاصم رفع وشه الشاحب اللي كان مليان عرق ودموع، وابتسم ابتسامة مكسورة عمري ما شفتها منه، وحط إيده المرتعشة على إيدي المليانة دم، وقال بصوت متقطع:

– **”الدكتور كان.. كان عنده حق.. أنا فعلاً بموت.. بس مكنتش أعرف إن نهايتي هتكون أبشع من مرضي.”**

بص لتيا اللي كانت لسه نايمة بسلام ومحستش باللي بيحصل، ورجع بصلي وعينيه بتفارق الحياة:

– **”أنا كنت أب فاشل.. وزوج قاسي.. ربنا عاقبني بسلمى عشان تخلص عليا، بس… بس إنتي يا مريم أطهر من إنك تتأذي بسببي. سامحيني.. وخلي تيا تفتكر إن أبوها.. عمل حاجة واحدة صح.. ومات عشانها.”**

أخد نفسه الأخير بصعوبة، وراسه مالت على كتفي.. عاصم مات وهو بيكفر عن كل قسوته، دفع روحه تمن غالي عشان ينقذ بنته من فخ أختي.

**بعد مرور ٤ ساعات…**

المستشفى كانت مقلوبة.. عربيات البوليس والإسعاف مالية المكان.

الشرطة قبضت على سلمى اللي فاقت لتلاقي نفسها متكلبشة ومواجهة بتهمة الشروع في القتل وتجارة الأعضاء مع عصابة الدكتور.

دكتور هشام تم إنقاذه ونقله للعناية المركزة، وشهادته كانت الدليل الأقوى اللي قفل القضية وكتب نهاية المافيا دي للأبد.

كنت قاعدة على الرصيف برة المستشفى، ضامة “تيا” لحضني ولافة عليها الجاكت بتاعي. كانت بدأت تفوق من التخدير الخفيف، فركت عينيها البريئة وبصتلي:

– **”ماما.. إحنا هنروح؟ أنا بقيت كويسة؟”**

بصيت للسما، أخدت نفس عميق حسيت فيه بريحة الحرية اللي اتولدت من قلب الموت، وبست راسها وأنا بدمع وببتسم:

– **”آه يا حبيبتي.. إحنا هنروح.. إنتي بقيتي كويسة أوي، وأخيراً.. كابوسنا خلص للأبد.”**

بعد مرور سنة كاملة على الليلة المرعبة اللي غيرت حياتنا للأبد…

المحكمة أسدلت الستار على القضية اللي هزت الرأي العام. تم الحكم على أفراد عصابة تجارة الأعضاء، وعلى رأسهم دكتور الجراحة المرتشي، بالإعدام شنقاً. أما “سلمى”، أختي اللي خانت رابطة الدم، فصدر ضدها حكم بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة.

بس القدر كان مجهز لسلمى حكم أسرع وأقسى من قضبان السجن.

في يوم، جالي اتصال من إدارة مستشفى سجن القناطر بيطلبوا حضوري فوراً لأن سلمى بتطلب تشوفني في ساعاتها الأخيرة. ترددت كتير، بس في النهاية قررت أروح.. مش عشان أسامحها، بس عشان أقفل الصفحة دي من حياتي للأبد.

دخلت عنبر المذنبين المليان بريحة الموت واليأس. ورا قفص حديدي، على سرير متهالك، كانت نايمة واحدة مستحيل أصدق إنها سلمى اللي كانت بتهتم بجمالها ومظهرها. شعرها وقع تماماً، وشها كان شاحب زي المومياء، ووزنها نزل للنص.

الدكتور بتاع السجن قالي بصوت واطي:

– **”اكتشفنا إن عندها سرطان نادر في الدم وفي مرحلة متأخرة جداً.. سخرية القدر إنها نفس الأعراض اللي كانت بتحط عشانها السم لبنتك تيا. جسمها بيرفض أي علاج، ومفيش أي متبرع نخاع متطابق معاها.”**

قربت من السرير ببطء. سلمى فتحت عينيها بصعوبة، ولما شافتني، دموعها نزلت غسلت وشها المليان تجاعيد مبكرة، ومدت إيدها اللي بترتعش من ورا الحديد وقالت بصوت مبحوح بيطلع بالعافية:

– **”مريم… سامحيني.. أنا بموت كل ثانية.. الوجع بياكل في عضمي.. ده عقاب ربنا عشان استرخصت روح تيا.. أرجوكي، قوليلي إنك مسامحاني عشان أقدر أموت بسلام.”**

بصيتلها بجمود، قلبي مكنش فيه ذرة شماتة، بس كمان مكنش فيه ذرة رحمة ناحيتها. سحبت إيدي لورا وقولتلها بصوت هادي بس حاسم:

– **”ربنا هو اللي بيسامح يا سلمى، مش أنا. اللي بيحاول يسرق حياة طفلة بريئة ملوش حق يطلب السلام. أتمنى تلاقي رحمتك في الآخرة، لأنك في الدنيا اختارتي طريق الشياطين.”**

لفت ضهري ومشيت، ورايا صوت بكاها ونحيبها بيتردد في الممرات، لحد ما خرجت من بوابة السجن وشميت هوا الشارع.. حسيت إن جبل وانزاح من على صدري.

بعدها بيومين، جالي استدعاء من مكتب محامي كبير في وسط البلد.

روحت وأنا مستغربة، وهناك المحامي قعدني قدامه وطلع ظرف مقفول بالشمع الأحمر، وقال لي:

– **”الظرف ده سابه عاصم بيه الجبالي عندي قبل ما يروح المستشفى في الليلة إياها بـ ٤٨ ساعة.. وكان مشدد عليا إني مفتحهوش إلا بعد مرور سنة على وفاته، وأسلمهولك إنتي شخصياً.”**

قلبي دق بسرعة. مسكت الظرف وفتحته بإيدين بتترعش. كان جواه ورقتين.. الأولى كانت عقد تنازل رسمي ووصية بنقل كل ثروة عاصم، شركاته، أملاكه، وحساباته في البنوك باسم “تيا عاصم الجبالي”، مع وضعها تحت وصايتي الكاملة لحد ما تبلغ السن القانوني.

الورقة التانية كانت رسالة بخط إيده.. مكتوب فيها:

> *”مريم.. لو بتقري الرسالة دي، فده معناه إني خلاص بقيت بين إيدين ربنا. أنا مكنتش غبي.. أنا اكتشفت لعبة سلمى من فترة، وعرفت إنها مش حامل، وإنها على علاقة بمافيا المستشفى. كنت عارف إني رايح برجليا للموت، وإن مرضي ملوش علاج.. بس أنا عشت عمري كله أناني وقاسي، وأذيتك كتير. ولما عرفت إن بنتي هي التمن اللي سلمى عايزة تدفعه، قررت ألعب معاهم اللعبة للآخر عشان أوقعهم.”*

> *”روحت المستشفى وأنا عارف إني مش هخرج منها.. مكنش قدامي غير إني أعمل نفسي الطعم اللي هيسحبهم كلهم للسجن، عشان أضمن إن تيا تعيش في أمان من بعدي ومحدش يجرؤ يمسها. الثروة دي كلها متسواش ضحكة من بنتي اللي اتحرمت منها بسبب غبائي. خدي بالك منها يا مريم، وقوليلها لما تكبر إن أبوها مكانش ملاك.. بس في آخر لحظة في حياته، اختار إنه يكون أب.”*

> *”سامحيني.. عاصم.”*

>

دموعي نزلت على الورقة بللتها. الراجل اللي هربت منه سنين عشان قسوته، كان هو نفسه اللي ضحى بحياته وبكل ما يملك عشان يحمينا ويفدي بنته، وخطط لموتته عشان تكون هي طوق النجاة لينا.

رجعت البيت، فتحت باب الأوضة على “تيا” اللي كانت قاعدة بتلعب بدبدوبها وبتضحك بصوت مالي الدنيا بهجة وحياة.

حضنتها بقوة، وشميت ريحة شعرها.

الماضي بكل سواده انتهى، والنهار شق طريقه من قلب العتمة. تيا دلوقتي في أمان، كابوس سلمى وعاصم انتهى.. والمستقبل أخيرًا، بقى بتاعنا إحنا بس.

(النهاية التامة)

تمت لو عجبتك القصه ادعمها بلایك وکومنت للاسمرار مع تحیاتی الکاتبه نور محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *