تلات سنين 1
روماني مكرم
بعد ما اتطلقت بثلاث سنين، طليقي كلمني فجأة يعزمني على “سبوع” بنته من مراته الجديدة… رديت عليه وقلتله: “أنا في المستشفى، ابني بيعمل عملية قلب مفتوح… مش رايحة في حتة.”
عمري ما توقعت أسمع صوته تاني.
الصبح ده، وأنا قاعدة قدام غرفة العمليات في مستشفى كبير في المنصورة، بدعي ربنا يرجّعلي ابني بالسلامة، الموبايل رن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاني أحس إن الدم اتسحب من جسمي: “آدم الشاذلي”…
طليقي.
كنت هقفل الخط، لكن رديت عشان يبطّل يتصل.
– “عايز إيه يا آدم؟”
صوته كان فيه غرور واستفزاز واضح.
– “النهارده سبوع بنتي “جنى”… قولت أعزمك يمكن تشوفي العوض اللي ربنا رزقني بيه بعد ما كنت فاكر إن المشكلة منك.”
ضحكت بوجع ودموعي نزلت رغمًا عني.
– “آدم، أنا في المستشفى… وابني “مالك” بين إيدين ربنا دلوقتي.”
سكت ثواني، وبعدها قال بسخرية:
– “ابنك؟! إنتِ اتجوزتي وخلفتي كمان؟ كويس… ربنا يعوض.”
وقفل الخط.
سندت راسي على الحيطة، وافتكرت اليوم اللي طردني فيه من البيت بشنطة هدومي.
إحنا ما اتطلقناش عشان الحب انتهى… إحنا اتطلقنا لأن أمه أقنعته إني مستحيل أخلف، وإنه لازم يلحق نفسه قبل ما عمره يضيع مع “ست ناقصة”.
وهو صدقها.
حتى التحاليل ما استناش يشوفها بنفسه.
بعد الطلاق بشهر… اكتشفت إني حامل في “مالك”.
بس وقتها كان آدم اتجوز بنت خالته بالفعل، وكأن حياتي كلها كانت صفحة واتقفلت.
بعد ساعة تقريبًا، والممرضة بتنادي اسمي عشان أستلم هدوم ابني قبل العملية…
لقيت آدم واقف قدامي.
بدلته غالية جدًا، وساعته تلمع، لكن وشه كان متوتر بطريقة خوفتني.
– “فين الولد؟” قالها وهو بيبص حواليه بعصبية.
اتصدمت: – “إنت جاي هنا ليه؟!”
ما ردش.
جري ناحية شباك العناية، وبص على “مالك” وهو نايم على السرير الصغير، متوصل بأجهزة أكتر من سنه.
وفجأة… إيده لمست الزجاج، ووشه شحب.
– “الولد ده… شبه أبويا بشكل مخيف…” قالها بصوت مكسور.
الناس في الطرقة بدأت تبص علينا.
– “امشي يا آدم!” صرخت فيه وأنا ببكي.
لف ناحيتي، وعينيه مليانة صدمة.
– “ليه مخبيتيش؟! ليه ما قولتيليش إنك حامل؟!”
حكايات رومانى مكرم
ضحكت بقهرة: – “أقولك إيه؟ بعد ما أمك ومراتك زوروا التحاليل وقالوا إني عقيم؟ بعد ما رميتني في الشارع؟!”
آدم رجع خطوة لورا، كأنه اتخبط في حيطة.
– “إنتِ بتقولي إيه؟!”
– “الحقيقة اللي رفضت تسمعها… مالك ابنك يا آدم.”
حط إيده على راسه، وعينيه دمعت لأول مرة.
– “ابني… وابني بيموت وأنا معرفش؟”
– “إنت اللي اخترت تبقى غريب عنه.”
وفجأة…
صوت كعب عالي ضرب في أرضية المستشفى بسرعة.
مراته “ريم” ظهرت في آخر الطرقة، لابسة فستان أبيض وعليه عباية سوداء، ومكياجها سايح من العياط.
أول ما شافت “مالك” بيتنقل على الترولي ناحية العمليات، صرخت بشكل هستيري:
– “لاااا! لازم توقفوا العملية!”
الدكاترة اتجمدوا مكانهم.
آدم جري عليها: – “إنتِ اتجننتي؟!”
بصت ناحية “مالك” بخوف مرعب وهمست:
– “الولد ده لازم يموت… لو عاش، بنتي هي اللي هتموت!”
أنا حسيت الأرض بتميد بيا.
آدم مسكها من دراعها بعنف: – “بتقولي إيه يا ريم؟!”
انهارت وهي بتعيط: – “جنى عندها مرض نادر… والدكتور قال إن أقرب تطابق ينقذها لازم يكون من أخ أو أخت من الأب!”
سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي شلت روحنا كلنا:
– “وأنا كنت عارفة من أول يوم إن مالك ابنه… عشان كده خليت أمك تزور التحاليل وتبعدك عنها!”
آدم ساب إيدها كأنه لمس نار.
#الكاتب_رومانى_مكرم
أما أنا… فبصيت لابني وهو داخل العمليات، وحسيت إن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش.
لأن السؤال اللي كان بيق*تلني وقتها: إزاي ريم كانت متأكدة إن “مالك” هو الأمل الوحيد لبنتها؟ وإيه السر اللي مخليها مرعوبة بالشكل ده من إن الحقيقة تتكشف؟
**الجزء الثاني**
بعد ما ريم نطقِت الجملة دي، الممر الصغير اللي قدام غرفة العمليات اتقلب لساحة من الذهول والصمت القاتل. الدكاترة ما وقفوش، وزقوا الترولي بسرعة ودخلوا بـ “مالك” العمليات، والباب اتقفل وراهم… الباب اللي اتقفل معاه قلبي ونفسي.
آدم كان واقف مكانه، عينه بتتحرك بيني وبين مراته ريم بذهول مرعب، ملامحه المغرورة والبدلة الغالية والساعة اللامعة كل ده اطفى في ثواني، وبقى شكله زي واحد مستني حكم الإعدام.
قرب من ريم، مسكها من كتفها وهزها بكل قوته وهو بيصرخ بصوت زلزل المستشفى:
– “انطقي! يعني إيه عارفة من أول يوم؟ ويعني إيه زورتوا التحاليل؟ ريم… اتكلمي قبل ما أنساكِ هنا!”
ريم وقعت على الأرض، ودموعها كانت نازلة بغزارة، بس مش دموع ندم… دي كانت دموع خوف ورعب من المصير اللي بيواجهها. صرخت وهي بتبص لآدم:
– “أنا كنت بحبك! كنت هموت وتبقى ليا! لما أمتك قالت إنها مش مرتاحة لطليقتك ونفسها تجوزنا، اتقابلنا… ويومها هي قالتلي إنها شاكة إن طليقتك حامل لأنها شافتها دايخة والتعب باين عليها قبل ما تطردها بيومين. أمتك كانت عايزة تخلص منها بأي ثمن عشان تضمن إنك مش هترجعلها… فأنا ساعدتها!”
شهقت بقهرة وأنا ساندة ضهري على الحيطة، حاسة إن الممر كله بيلف بيا. آدم بص لريم بعيون حمرا زي الدم وقالها:
– “وساعدتيها إزاي يا ريم؟!”
– “روحنا للمعمل اللي كنت بتعمل فيه تحاليل العقم لمراتك… دافعنا فلوس، وطلعنا تقرير مزور يثبت إن العيب منها هي وإنها مستحيل تخلف… عشان تقطع أمل إنك تدور وراها أو تسأل عنها لو عرفت إنها حامل! كنا فاكرين إن الموضوع انتهى لحد هنا… لحد ما بنتنا جنى اتولدت!”
ريم سكتت وبدأت تترعش بشكل هستيري، لدرجة إن الممرضات جابوا كرسي وقعدوها عليه وهي بتشهق:
– “جنى اتولدت بتعب شديد في الدم… ولما لفينا على الدكاترة، واحد من كبار الأطباء في القاهرة قالنا إنها محتاجة نقل نخاع أو خلايا جذعية من قرييب من الدرجة الأولى، والأفضل يكون أخ أو أخت… الدكتور نفسه قالنا بالنص: ‘لو ليه إخوات من الأب، دي هتكون النجاة الوحيدة لبنتك، لأن نسبة التطابق هتبقى عالية جداً’… وقتها الدنيا اسودت في عيني، واكتشفت إن ذنب طليقتك بيترد في بنتي!”
آدم رجع خطوتين لورا، وبص لريم بقرف صدمها:
– “يعني إنتِ كنتِ عارفة إن ليا ابن… وسايباه عايش في الدنيا من غير ما أعرف، ولما بنتك تعبت، جاية تفتكري؟!”
– “لأ يا آدم… الموضوع أكبر من كده!” ريم صرخت وهي بتبص لجهة العمليات بخوف غريب: “أنا مكنتش هقولك برضه… كنت ناوية أدور على طريق أوصل بيه لطليقتك من وراك، وأقولها إن بنتي محتاجة تبرع من أي طفل، وأدفع ليها ملايين عشان تنقذ بنتي من غير ما تعرف إنك الأب! لكن الصدمة… الصدمة الكبيرة لما عرفت إن مالك تعبان!”
أنا هنا مديت إيدي ومسكت ريم من هدوها بكل غل وقهر عشته في السنين اللي فاتت:
– “وعرفتي منين إن مالك تعبان؟! إنتِ بتراقبينا؟!”
ريم بصتلي وعينيها كانت مليانة رعب حقيقي وقالت:
– “الدكتور الكبير اللي بيعالج جنى… هو نفسه الدكتور اللي بيعمل لمالك عملية القلب المفتوح دلوقتي! هو شغال بين المنصورة والقاهرة… لما كنت عنده من أسبوع بترجّاه يشوف حل لبنتي، قالي بالنص: ‘أنا لسه شايف حالة طفل في المنصورة، سبحان الله، نفس الفصيلة النادرة ونفس الطفرة الجينية اللي عند بنتك، بس الولد ده حالته أصعب… عنده ثقب كبير في القلب ومحتاج عملية فورية، ولو عاش… هيبقى هو الأمل الوحيد لشفاء بنتك’… لما سألته عن اسم الولد… قالي ‘مالك’… وعرفت ساعتها إنه ابنك!”
آدم ضرب كف بكف وهو مش مصدق حجم المؤامرة والصدف اللي رتبها ربنا عشان كل حاجة تنكشف في نفس اليوم، وفي نفس المكان.
ريم كملت كلامها وهي بتنهار وبتزحف لحد رجلي:
– “أنا جيت وراك لما لقيتك نازل رايح المنصورة فجأة بعد ما كلمتِك… كنت خايفة تيجي هنا وتعرف الحقيقة… أنا مش خايفة على مالك يا آدم، أنا مرعوبة… مرعوبة لأن الدكتور قالي إن مالك لو دخل العمليات دي ونسبة نجاحها ضعيفة، وجراله حاجة… بنتنا جنى هتموت وراه! مفيش متبرع تاني في الدنيا هينقذ بنتي غير أخوها!”
في اللحظة دي، النور الأحمر اللي فوق غرفة العمليات قاد… والحركة جوه بدأت تبقى سريعة وغير طبيعية. الممرضات بدأوا يجروا ويدخلوا أجهزة زيادة، والدكتور المساعد خرج بسرعة وهو بينادي على طاقم التمريض:
– “بسرعة! محتاجين دم فصيلة (O-) فوراً! نبض الطفل بينزل!”
أنا صرخت صرخة هزت أركان المستشفى، ووقعت على الأرض ومش شايفه قدامي غير ضلمة… بينما آدم وقف يتلفت حواليه زي المجنون، وريم بتصرخ وهي شايفة إن بموت مالك… بنتها كمان بتموت.

