سر ابي القديم ج1
حكايات نور محمد

لمحة نيوز
قلتله بخضة وأنا بفرك إيدي:
ـ “يا دكتور أبويا لو شاف لحضرتك ممكن يتصدم، هو ميعرفش إني جيت هنا أصلاً، ده غير إنه رافض يخرج من البيت بسبب حالته النفسية السيئة بعد ما العتمة غطت عينيه وبقى حاسس إنه عبء عليا.”
قالي بنبرة أب حنون:
ـ “عشان خاطري يا بنتي.. اسبقيني إنتي في عربيتي، مهدي له الموضوع براحة، قوليله بس إن (ابن العمدة) اللي هو فداه بروحه زمان، مستنيه عشان يردله الأمانة اللي في رقبته من سنين.. روحي بسرعة وأنا مجهز أوضة العمليات وأكبر جناح في المستشفى تحت أمره، بس لازم ييجي النهاردة، أنا مش هنام غير لما عبد الرحمن شاكر يرجعله نور عينيه!”
نزلت من المستشفى وأنا حاسة إني في حلم. ركبت العربية المرسيدس السودا الفخمة اللي السواق فتحلي بابها باحترام شديد كأني أميرة. طول الطريق وأنا ببص من الشباك، بفتكر الست العجوزة اللي اديتها الألف وثمانمية جنيه، وبفتكر دعواتها اللي طالعة من قلب محروق: “ربنا يقيم لك سوق الحظ من وسع ويفتح لك الأبواب المقفولة”. الباب مش بس اتفتح، ده اتخلع من مكانه! ربنا سبحانه وتعالى كريم أوي، بيسبب الأسباب بطريقة تخلي العقل البشري يعجز عن التفكير، ويقين العبد في ربه بيغير مقادير الكون في لحظة.
وصلت الحارة بتاعتنا، العربية الفخمة وقفت قدام بيتنا البسيط المتهالك، والناس كلها بتبص بذهول وعلامات الاستفهام على وشوشهم. طلعت السلم جري كأن ليا جناحات، دخلت الشقة، لقيت أبويا قاعد في مكانه المعتاد على الكرسي الخشب القديم، ماسك عكازه، ووشه في الأرض، بيسبح بصمت وهدوء تام.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه. اتنفض بخفة وقالي بصوته الضعيف:
ـ “رجعتي يا نور؟ عملتي إيه يا بنتي؟ قلبي كان مقبوض عليكي من ساعة ما نزلتي الفجر، روحتوا للدكتور الجشع ده؟”
قعدت تحت رجليه، ومسكت إيده الخشنة اللي شقيت عليا طول العمر وبوستها، ودموعي نازلة غصب عني من الفرحة والرهبة:
ـ “يا بابا.. أنا مروحتش للدكتور ده أصلاً.. ربنا بعتلي دكتور تاني خالص، دكتور كبير أوي ومشهور، حكيت لمراته ظروفنا صدفة.. طلع اسمه الدكتور رؤوف السويفي.”
أول ما نطقت الاسم.. جسم أبويا اتخشب تماماً كأنه اتضرب بصاعقة كهربائية! عكازه وقع من إيده على الأرض بصوت رن في الأوضة الساكتة. عينيه المعتمة اتسعت كأنه شايفني، ووشه اتخطف لونه وبقى أبيض زي الشمع القديم. صوته طلع مخنوق، بيترعش بخوف ورعب عمري ما شفته فيه قبل كده طول حياتي:
ـ “رؤوف السويفي؟! ابن العمدة؟! إنتي عرفتي الطريق ده منين يا بنتي؟! قوليلي إنك مجبتيش سيرتي.. قوليلي إنك مقولتيلوش أنا مين ولا ساكن فين!!”
استغربت جداً من رد فعله المرعب وقولتله بحيرة:
ـ “يا بابا هو اللي عرفك من التقارير، وهو اللي بعتني أجيبك عشان يعملك العملية ويردلك الجميل اللي في رقبته من ٣٥ سنة! هو قالي أقولك إن ابن العمدة مستنيك.”
قام أبويا وقف فجأة وهو بيتخبط في الكراسي وبيزعق بصوت مرعوب، كأن ماضي أسود صحي من قبره عشان يبلعنا:
ـ “جميل إيه وأمانة إيه؟! الدكتور رؤوف ميعرفش الحقيقة! ميعرفش اللي حصل ليلتها في الدوار! لو عرف إني لسه عايش وإن إنتي بنتي.. مش هيعالجني يا نور.. هيقتلني ويقتلك معايا! إحنا لازم نمشي من هنا حالاً.. لمي هدومك بسرعة قبل ما يوصلنا ونهرب في أي داهية!”
وقبل ما أستوعب كلام أبويا، أو أسأله يعني إيه هيقتلنا وهو كان بيبكي على الورق اللي عليه اسمك، سمعت صوت فرامل عربيات كتير وقفت تحت البيت، وصوت خطوات تقيلة بتجري طالعة السلم بسرعة. الباب خبط بقوة، وسمعت صوت الدكتور رؤوف من بره بينادي بشوق ولهفة:
ـ “يا عبد الرحمن! افتح يا أخويا.. افتح أنا رؤوف!”
أبويا مسك إيدي جامد، وضغط عليها لدرجة وجعتني، وقاللي بهمس بيرجف:
ـ “متفتحيش.. أوعديني إنك مش هتتكلمي.. السر اللي شيلته ٣٥ سنة هيدمرنا كلنا لو اتفتح النهاردة.”
لكن الباب بتاعنا كان ضعيف ومتهالك، ومع الخبط المستمر اتفتح، ودخل الدكتور رؤوف، وراه مراته. رؤوف أول ما شاف أبويا، رمى شنطته الطبية وجرى عليه، وقع على ركبه قدامه، وحضن رجليه وهو بيبكي بصوت عالي، عياط راجل كبير شايل ذنب تقيل زي الجبل:
ـ “سامحني يا عبد الرحمن.. سامحني إني سيبتك تشيل الليلة دي لوحدك.. سامحني إني هربت وكملت علامي في أوروبا وسيبتك تتحبس وتتجلد وتخسر أهلك وبلدك ونور عينيك عشان تفديني من تهمة القتل اللي أنا عملتها!”
أبويا كان واقف بيترعش، ونزل لمستوى الدكتور رؤوف، وحط إيده على كتفه وقاله بصوت مكسور وضعيف:
ـ “قوم يا دكتور.. قوم مقامك محفوظ. أنا مفدتكش عشان حاجة، أنا فديتك عشان كنت متأكد إنك هتنفع الناس بعلمك، وإنك مكنتش تقصد تقتل (منصور) ليلتها، الرصاصة طلعت منك غصب عنك في الضلمة.”
هنا.. رؤوف سكت فجأة.. مسح دموعه، وبص لأبويا بنظرة فيها استغراب شديد وصدمة هزت كيانه، وقاله بصوت واطي ومتقطع:
ـ “منصور؟! منصور مين اللي أنا قتلته يا عبد الرحمن؟! أنا مقتلتش منصور.. أنا كنت فاكر إنك شلت عني تهمة حريق مخازن القطن بتاعة الحكومة اللي ولعت فيها بالغلط! إنت تقصد إيه؟ ومين اللي اتقتل ليلتها؟!”
الكلمة نزلت زي الصاعقة على دماغنا كلنا.. رؤوف كان فاكر الذنب اللي هرب منه هو حريق المخازن، وأبويا كان فاكر إن الذنب اللي شاله هو قتـ.ـل منصور! السرين دخلوا في بعض، والصمت المميت سيطر على المكان وكل واحد بيبص للتاني برعب كأن الأرض انشقت تحت رجلينا.
وفجأة.. موبايل الدكتور رؤوف رن بصوت عالي قطع الصمت ده، ولما فتح الخط وغصب عنه داس على زرار السبيكر من كتر التوتر والارتباك، سمعنا صوت غليظ، صوت راجل صعيدي قاسي بيقول:
ـ “أخيراً لقينا عبد الرحمن شاكر يا دكتور رؤوف.. الباشا الكبير بيقولك إياك تلمس عينين الراجل ده ولا ترجعله بصره، لأن لو عبد الرحمن شاف النور تاني وفتح بقه باللي شافه ليلتها.. أنا هنسفكم أنتوا الاتنين قبل ما شمس بكرة تطلع!”
#الكاتبه_نور_محمد
يا ترى إيه الحقيقة المرعبة اللي استخبت في الليلة دي من ٣٥ سنة؟ ومين الباشا الكبير اللي بيهدد أكبر دكتور في مصر؟ وهل نور هتقدر تنقذ أبوها بعد ما الصندوق الأسود اتفتح وبقى خطر على حياتهم كلهم؟
لو حابين تعرفوا باقي الكارثة اللي قلبت حياة نور وأبوها. .في الجزء الاخير من القصه


