حكاية عز وغزل ج2
بقلم انجي الخطيب

رن صوت تكسير الكبايات في السرايا كلها، فلف العمدة رجب راسه ناحية الباب وهو مكشر.
“مين اللي بره؟”
اتجمدت غزل مكانها، وعينيها مليانة دموع، ومقدرتش تنطق.
فتح سالم الباب، وبص لها وقال: “البت غزل يا خالي… الصينية وقعت من يدها.”
زجرها العمدة بنظرة حادة.
“هو الشغل بقى بالهوجة دي؟”
نزلت غزل راسها وقالت بصوت مخنوق: “حقك عليّ يا ساعدة البيه… غصب عني.”
قبل ما العمدة يرد، عز اتحرك خطوة لقدام.
“أنا اللي خضيتها يا بوي… كنت فاتح الباب مرة واحدة.”
بصله العمدة باستغراب.
“من إمتى وإنت بتدافع عن الخدم يا حضرة الظابط؟”
اتشد فك عز، لكنه حاول يسيطر على نفسه.
“الغلط يتشال على اللي عمله.”
العمدة سابه من غير رد، وبص لغزل.
“لمي الازاز، وبعدها روحي شوفي شغلك.”
“حاضر يا بيه.”
ركعت غزل على الأرض تجمع إزاز الكبايات، لكن إيديها كانت بترتعش.
وفجأة…
“آه!”
شهقت وهي سحبت إيديها، والدم بدأ ينزل من صباعها.
عز نزل بسرعة على ركبته قدامها، ومسك إيديها.
“وريني.”
حاولت تسحب إيديها.
“سيبني يا سي عز… الناس باصة.”
لكنه مكنش سامع غير صوت أنفاسها.
طلع منديله وكتم بيه الجرح.
“الدم بينزل كتير.”
العمدة كان واقف بيتفرج، وعينه ضاقت.
أما سالم… فبدأ يحس إن اللي بينهم أكبر من مجرد شفقة.
في اللحظة دي، دخلت بنت لابسة عباية سماوي، ملامحها هادية، لكن فيها كبرياء واضح.
أول ما شافت عز ماسك إيد غزل، وقفت مكانها.
“السلام عليكم.”
رفع عز راسه بسرعة.
“وعليكم السلام.”
ابتسم العمدة لأول مرة.
“تعالي يا ندى… كنت لسة هسال عليكي واقول بنتي حبيبتي مشوفتهاش النهاردة لية كنها مش عايزة تشوف ابوها حبيبها اياك
………
وقف الغفير وهو بينهج، لكن العمدة رفع إيده وقال بحزم:
“خلاص… روح أنت، وأنا نازل حالًا.”
خرج الغفير، وبص العمدة ناحية البنت اللي كانت واقفة ساكتة، ملامحها متغيرة، وعينيها لسه معلقة على إيد عز اللي كان من ثواني ماسك إيد غزل.
ابتسم العمدة ابتسامة أبوية وقال:
“تعالي يا ندى… إنتِ مش غريبة عن الدار. دي دارك زي ما هي دار سالم.”
بصتله ندى وابتسمت بالعافية.
“تسلم يا عمي.”
ربت العمدة على كتفها.
“أنا كنت ناوي أقولك الخبر قبل أي حد… باعتبار عز أخوكي، وإنتِ وسالم متربين معاه من يوم ما كنتوا عيال.”
عز حس إن في حاجة جاية، فبص لأبوه باستغراب.
أما ندى… قلبها بدأ يدق بعنف.
قال العمدة بفخر:
“الليلة، قدام كبار البلد كلهم، هعلن خطوبة عز.”
لحظة…
الكلمة نزلت على ندى كأنها طلقة.
لكنها تماسكت وسألت بصوت مهزوز:
“على… مين يا عمي؟”
رد العمدة وهو بيعدل عبابتة :
“على الآنسة ياسمين… بنت المأمور فاروق بيه.”
سالم ابتسم وقال:
“بنت المأمور اللي كانت بتدرس بره مصر؟”
“أيوه.”
كمل العمدة وهو واضح عليه الرضا:
“البت متعلمة، ورجعت من لندن من كام شهر. وأبوها كاتب كل أملاكه باسمها، وما عندوش غيرها. جوازة ترفع راس أي حد.”
فضلت ندى واقفة، لكن الدنيا بدأت تلف بيها.
الكلام بقى بعيد…
وصوت العمدة بقى ييجي ويروح.
“إيه يا بنتي؟ مال وشك اصفر إكده؟”
ابتسمت غصب عنها.
“مفيش… يمكن تعبانة شوية.”
لكن جواها…
كان في ألف صوت بيصرخ جواها .
يعني خلاص… عز هيبقى لغيري؟
من سنين وهي بتحبه.
من يوم ما كان بيركب الحصان ويجري في الغيطان، وهي واقفة من الشباك تتفرج عليه.
كانت كل ما ينجح، تفرح.
وكل ما يغيب، تستناه. عمرها ما قالت لحد.
ولا حتى لأخوها سالم.
كانت فاكرة إن اليوم اللي هيطلبها فيه هييجي…
لكن جه لواحدة تانية.
ورغم الوجع…
اللي كسرها أكتر، إنها شافته من شوية ماسك إيد غزل، وعينيه كلها خوف عليها.
رفعت عينيها ناحية عز.
كان واقف، لكن ولا مرة بص لها.
كل نظره كانت بتدور على غزل…
اللي كانت واقفة آخر الطرقة، بتحاول تخبي الجرح اللي في إيديها.
ندى عضت على شفايفها.
وقالت فجأة وهي بتحاول تبان هادية:
“واضح إن حضرة الظابط بقى حنين على الخدم أوي.”
رفع عز عينه وبصلها.
“تقصدي إيه؟”
ابتسمت بسخرية.
“ولا حاجة… أصل أول مرة أشوف ابن عمدة ينزل على ركبته عشان يربط صباع خدامة.”
غزل نزلت راسها في الأرض، واتمنت لو الأرض تنشق وتبلعها.
أما عز… فاتغيرت ملامحه. وقال بصوت ثابت:
“أنا ربطت جرح إنسانة… مش جرح خدامة.”
ندى ضحكت ضحكة قصيرة، كلها قهر.
“واضح إن الإنسانية دي ليها مكانة كبيرة عندك.”
رد عز من غير ما يرمش: “أكبر مما تتخيلي.”
أول ما خرجت الكلمة…
عرف إنه قال أكتر مما كان ينوي.
غزل رفعت عينيها عليه بصدمة.
وسالم بقى ينقل نظره بينهم، وكأن أول خيط في السر بدأ ينكشف.
أما ندى…
فحست إن قلبها اتكسر قدامها.
لكنها بلعت وجعها وقالت وهي بتبص لغزل:
“خلي بالك من جرحك يا غزل… ساعات الجروح الصغيرة هي اللي بتسيب أكبر أثر.”
ردت غزل بصوت واطي:
“الحمد لله… كلها كام يوم وتخف.”
بصتلها ندى نظرة غامضة وقالت:
“مش كل الجروح بتخف يا غزل… في جروح بتفضل العمر كله.”
ولأول مرة…
اتفقت نظرات البنتين.
واحدة بتحارب حب مستحيل.
والتانية بتحاول تهرب من حب عارفة إنه لو اتكشف… هيحرقها هي وأصحابه كلهم.
………
رفعت ندي عينيها ناحية عز تاني ، وقالت بابتسامة باهتة، لكن كلامها كان كله شوك:
“طيب امتي بقي يا عز هتسيب السرطة وتتعين في مستشفي البلد دكتور .”
بصلها عز باستغراب.
“يعني؟”
قالت وهي بتبص لغزل اللي كانت واقفة آخر الطرقة:
“اصل أول مرة أشوفك تعالج جرح حد من امتي بقيت تعرف تمرض مجروح ومش اي مجروح دي الخدامة هما الخدامين بقي ليهم قيمة عاد”
اتوترت غزل، ونزلت راسها.
أما عز، فرد بهدوء:
“الخوف على الناس مش عيب والخدامين بني ادمين زيما زيهم ومش معني انهم بيعملوا لينا خدمه نقلل منهم ومن قيمتهم .”
ضحكت ندى ضحكة خفيفة.
“الناس؟… ولا غزل بالذات؟”
سالم حس إن الجو بدأ يسخن.
راح نده علي اختة بصوت في شدة وقال “ندى…”
لكنها كملت وهي باصة لعز:
“أنا مستغربة بس… جرح صغير في صباعها خلاك تنسى اللي حواليك.”
رد عز وهو ثابت في مكانه:
“لأنها كانت بتنـزف.”
قالت ندى بمرارة:
“واضح إن دمها غالي عندك.”
لأول مرة…
ملامح عز اتغيرت.
وقال بصوت حاسم:
“كل إنسان دمه غالي.”
ردت بسرعة:
“بس مش كل إنسان تنزل تمسك إيده قدام الناس.”
غزل حست إنها سبب الخلاف، فلفت تمشي.
لكن عز ناداها:
“استني يا غزل.”
وقفت مكانها.
طلع المنديل من جيبه، ومده ليها.
“لفي الجرح كويس… عشان ميجيبش صديد.”
مدت إيدها وهي مرتبكة.
“شكرًا يا سي عز.”
ندى كانت بتراقب المشهد، وكل كلمة بينهم كانت بتوجعها أكتر.
همست لنفسها:
“عمره ما بصلي البصة دي…”
وفي اللحظة دي…
دخلت الحاجة فهيمة من آخر الطرقة وهي بتزعق:
“غفران… يا غفران… إلحقني يا راجل.”
جرى عز عليها.
“مالك يا ستي؟”
مسكت إيده وهي مرعوبة.
“الدار مليانة ناس لابسة أسود… جالولي راجل الدار مات.”
اتجمدت الملامح.
بص العمدة لأمه بحزن.
أما غزل…
فكانت أول واحدة جريت حضنت الحاجة فهيمة وهي بتهديها.
المشهد كله كان قدام عز…
وفي ثانية واحدة، نسي خطوبته… ونسي ندى… ونسي كل اللي حوالينه.
لكن ندى ما نسيتش…
وشافت بعينيها إن أول واحدة جريت على قلب عز قبل جدته…
كانت غزل.
………
الحاجة فهيمة كانت بتصرخ وهي متعلقة في عز.
“متسيبنيش يا ولدي… أبوك غفران مات، والناس كلها جاية تعزيني.”
شدها عز لحضنه وهو بيحاول يخبي دموعه.
“حاضر يا ستي… محدش هيسيبك.”
لكن العمدة رجب كان واقف ساكت، والوجع باين في عينيه.
قرب من أمه، باس راسها وقال:
“أمي … الحج غفران في رحمة ربنا من سنين.”
زقته بإيدها وهي بتعيط.
“متكدبش عليّ… أنا سمعتهم بيجولوا إنه مات.”
وقبل ما حد يرد…
كانت غزل قربت منها بهدوء، ومسكت إيديها بحنية.
“تعالي يا حجة… تعالى نجعد في أوضتك، وأنا هفضل وياكي.”
بصت لها الحاجة فهيمة كأنها شايفاها لأول مرة.
“إنتِ مين يا بتي؟”
ابتسمت غزل رغم دموعها.
“غزل يا حجة.”
فضلت الحاجة تبصلها كام ثانية، وفجأة لمست خدها.
“لا… إنتِ مش غزل.”
اتسمرت غزل مكانها.
العمدة رفع راسه بسرعة.
حتى عز بص لجدته باستغراب.
الحاجة فهيمة قربت وشها من غزل أكتر، وهمست:
“إنتِ… شبها.”
سألها عز بسرعة:
“شبه مين يا ستي؟”
فضلت ساكتة، وعينيها مليانة خوف.
وبعدين هزت راسها بعنف.
“لا… لا… محدش يعرف.”
وفجأة دفعت إيد غزل بعيد عنها، وصرخت:
“خرجوها… خرجوها من الدار.”
اتخضت غزل ورجعت لورا.
“أنا عملت إيه يا حجة؟”
الحاجة كانت بتصرخ هستيري.
“خرجوها… دي هترجع المصايب للدار.”
العمدة قرب من أمه يحاول يهديها.
“أمي … اهدي.”
لكنها كانت بتشاور على غزل وهي بتترعش.
“البنت دي… وشها أنا شوفته جبل إكده… جبل سنين.”
الكل سكت مستغربين .
عز بص لأبوه، ولاحظ إن وش العمدة اتغير فجأة.
ثانية واحدة…
واختفت ملامح القوة من وشه.
قال بسرعة وهو بيحاول ينهي الكلام:
“الحاجة تعبانة… كلامها من المرض.”
لكن سالم كان مركز في رد فعل خاله أكتر من كلام الحاجة.
وقال وهو بيضيق عينه:
“خالي… هو إنت تعرف حاجة؟”
رفع العمدة عينه فيه.
“أعرف إيه؟”
“وشك اتغير أول … ستي … قالت إنها شافتها قبل كده.”
رد العمدة بعصبية:
“بتفتش ورا كلام ست كبيرة مريضة عقلها خف من المرض ؟”
“بس…”
“مفيش بس.”
الكلمة خرجت حادة.
لدرجة إن الكل سكت.
غزل كانت واقفة مكانها، قلبها بيدق بعنف، ومش فاهمة ليه كل ده حصل.
أما ندى…
فكانت أول مرة تبعد عينيها عن غزل، وتبص للعمدة.
وقالت في سرها:
“في سر… والسر ده ليه علاقة بالبنت دي.”
في نفس اللحظة…
دخل راجل عجوز، لابس جلابية سودا وعصاية في إيده.
أول ما شاف غزل…
وقع العصاية من إيده.
“معجول…!”
لفوا كلهم ناحيته.
قال وهو بيشاور عليها بإيد بتترعش:
“دي… دي نسخة من أمها.”
اتجمد العمدة مكانه.
وبص للعجوز بنظرة كلها تحذير.
لكن الراجل كان سبق لسانه…
وقال الجملة اللي قلبت السرايا كلها:
“دي بنت… نجاة.”
