بيت العيلة حكايات رومانى مكرم 2

فتحت الباب ولقيت حماتي وشها أحمر من الغضب، وسلايفي التلاتة واقفين وراها على السلم، باين على وشوشهم أثار “المرمطة” في المطبخ؛ طرحهم مش مظبوطة وهدومهم اتبهدلت من الطبيخ اللي حاولوا يلحقوه في آخر لحظة.

حماتي زعقت:

“بقى بتسيبيني في نص الهدوم قدام أخويا؟ بتردي لي القلم قلمين يا مروة؟”

جوزي أحمد طلع من ورايا، وصوته كان هادي بس فيه نبرة غضب مكتوم:

“قلم إيه يا أمي؟ البنت بقالها خمس أيام مابتنامش، وطول النهار واقفة في المطبخ لوحدها.. وأنا داخل لقيت إخواتي قاعدين في الصالة وسلايفها بيتفرجوا على التلفزيون، ليه؟ مش إحنا بيت واحد وأكلنا واحد؟”

أميرة حاولت تتدخل بخبث وقالت:

“يا أحمد إحنا ماشيين على النظام اللي مامتك حطاه.. ده أسبوع مروة، وإحنا بنحترم الدور، ولا هي مروة على رأسها ريشة؟”

رديت عليها وأنا باصة في عينيها بثبات:

“النظام يا أميرة بيقول إننا بنطبخ لبعض، مش إن واحدة تبقى خادمة للكل والضيوفهم كمان والباكي يتفرج.. النظام ده مافيهوش (اتفاق أربعة على واحدة) زي ما سمعتكم بودني بتقولوا.”

الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. سلايفي بصوا لبعض بارتباك، وحماتي سكتت لحظة، كأنها ماكنتوش متخيلة إني سمعت اتفاقهم.

حماتي حاولت تلف الموضوع وقالت:

“اتفاق إيه وكلام فارغ إيه؟ إنتِ شكلك التعب خيّل لك حاجات.. المهم دلوقتي، الضيوف مشيوا وهما مش راضيين عن الأكل، وسمعتنا بقت على كل لسان في العيلة.”

قلت لها بهدوء:

“سمعة البيت من نظام البيت يا ماما.. ومن بكرة، النظام ده لازم يتغير، وإلا أنا مش هطبخ لقمة واحدة زيادة في المطبخ اللي تحت، وكل واحد ياكل في شقته.”

نهى، اللي كانت دايمًا بتبتسم بمكر، قالت بصوت عالي:

“تاكلي في شقتك؟ والمصاريف؟ والرجالة اللي دافعين؟ إنتِ عايزة تخربي البيت وتفرقي الإخوة؟”

هنا أحمد جوزي اتدخل وقطع الكلام:

“محدش هيخرب حاجة.. بس مروة عندها حق. من بكرة مفيش حاجة اسمها أسبوع العزومات يلبس في واحدة لوحدها. العزومات تتقسم علينا كلنا، والأيام العادية اللي عايزة تطبخ تطبخ، واللي مش عايزة تشيل شيلتها.”

حماتي بصت لأحمد بنظرة لوم وقالت:

“بقى بتنصر مروة على أمك وإخواتك يا أحمد؟ ماشي.. بكرة نشوف النظام الجديد ده هيوصلنا لفين.”

نزلت حماتي ومعاها السلايف، والجو كان مشحون بالكهرباء.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خناقة كبيرة تحت في الصالة. نزلت أشوف فيه إيه، لقيت الرجالة كلهم (إخوات جوزي) واقفين، ووشوشهم ماتبشرش بخير.

أخو جوزي الكبير، جوز أميرة، كان ماسك ورقة الحسابات وقال بصوت عالي:

“يعني إيه يا أمي المصاريف زادت الضعف في أسبوع واحد؟ وفين الأكل اللي اتجاب؟ ده مروة بتقول إن الثلاجة فضيت والضيوف كلوا كل حاجة!”

حماتي بصت لي بغل وقالت:

“اسألوا مروة.. هي اللي كانت ماسكة المطبخ، وهي اللي طلبت حلويات من بره بفلوس قد كدة!”

وقفت في وسطهم وقلت:

“الحلويات جوزي اللي دفع تمنها من جيبه.. أما اللحمة والفراخ والخضار، فأسألوا سلايفي اللي كانوا بياخدوا “منابات” لأهلهم وهما ماشيين من وراكم.. أنا كنت شايفة كل حاجة وساكتة.”

الصالة اتلجمت. أميرة ودعاء ونهى وشهم بقى أبيض.

الموضوع ما بقاش مجرد تعب في المطبخ، الموضوع بقى فيه “سرقة” وعزومات سرية لأهالي السلايف على حس المصاريف المشتركة.

جوز أميرة بص لمراته وقال:

“كلام مروة ده صح؟ إنتِ كنتِ بتطلعي أكل لأمك من ورانا؟”

دي كانت اللحظة اللي البيت فيها اتهز بجد، والحرب اللي كانت باردة بيني وبين السلايف، اتحولت لنار هتحرق الكل.. بس المفاجأة الأكبر كانت في “الشنطة” اللي حماتي كانت مخبياها فوق الدولاب في أوضتها، واللي نهى قررت تفضحها لما حست إن الدور جاي عليها.

نهى قالت بصراخ:

“أنا مش لوحدي اللي كنت باخد! اسألوا حماتكم هي شايلة إيه في شنطتها من تموين البيت!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الكل سكت تماماً.. الكلمة وقعت زي القنبلة وسط الصالة.

حماتي، اللي كانت واقفة بتمثل دور الضحية، اتهزت ورجعت لورا خطوة، وعينيها كانت بتلمع بخوف وغدر في نفس الوقت.

أخو جوزي الكبير بَصّ لنهى وقال بزعيق:

“شنطة إيه يا نهى؟ إنتِ بتقولي إيه؟”

نهى، وهي بتعيط ومنهارة لأنها حست إنها بتغرق لوحدها، قالت بصوت مخنوق:

“أيوه.. شنطة كبيرة فوق الدولاب، حماتي كانت بتخلينا نحط فيها السكر، والزيت، والسمنة، واللحمة اللي الرجالة بيجيبوها بالزيادة.. كانت بتقول لنا ده (خزين الزمن)، بس الحقيقة إنها كانت بتديه لبناتها لما بييجوا يزورونا من وراكم!”

بصيت لحماتي، لقيت وشها بقى ألوان، والرجالة (إخوات جوزي) بدأوا يبصوا لبعض بذهول.

جوزي أحمد سأل بصوت واطي ومكسور:

“يعني يا أمي، وإحنا بنطحن في الشغل عشان نكفي البيت، كنتِ بتاخدي من قوت عيالنا وتديه لبناتك؟ ومروة هي اللي تشيل الليلة وتطلع هي اللي مسرفة أو مقصرة؟”

حماتي حاولت تستعيد قوتها وقالت بحدة:

“أنا حرة في بيتي! وبناتي ليهم حق في الخير ده زيكم بالظبط! وبعدين مروة هي اللي خربت النفوس، إحنا كنا عايشين في هدوء لحد ما هي بدأت تدقق في كل كبيرة وصغيرة.”

رديت عليها بقوة لأول مرة:

“الهدوء اللي بتتكلمي عنه يا ماما كان على حسابي وعلى حساب تعبي وصحتي.. كنتِ عايزاني أطبخ وأتعب والخير يروح لغير أصحابه، وتطلعوني أنا اللي وحشة قدام جوزي.”

في اللحظة دي، أميرة ودعاء بدأوا ينسحبوا من الصالة بالتدريج عشان يهربوا من المواجهة، لكن جوز أميرة نادى عليهم بصوت هز البيت:

“تعالوا هنا! يعني إنتوا كنتوا عارفين وساكتين؟ لا وكمان بتسرقوا من ورايا وتودوا لأهلكوا؟”

الخناقة كبرت جداً، والبيت اللي كان “عيلة كبيرة” اتقسم لـ ٤ جبهات.

الرجالة دخلوا مع زوجاتهم في مشادات عنيفة، وحماتي دخلت أوضتها ورزعت الباب وهي بتدعي عليا إني كنت السبب في “فضيحتها” وخراب البيت.

طلعت شقتي مع أحمد، كان قاعد وحاطط راسه بين إيديه.

قلت له:

“أنا مش عايزة مشاكل يا أحمد، أنا بس كنت عايزة حقي.. وعايزة نظام عادل.”

أحمد بص لي وقال:

“الحق ظهر يا مروة، بس البيت ده خلاص مابقاش ينفع فيه عيشة مشتركة.. الثقة اتهزت بيني وبين إخواتي، وبيننا وبين أمي.”

تاني يوم الصبح، البيت كان هادي هدوء مريب.

نزلت المطبخ عشان أعمل فطار ليا ولجوزي، لقيت المطبخ “فاضي” حرفياً!

الثلاجة كانت مفتوحة وفاضية، وأرفف الخزين ممسوحة.. حماتي وبناتها اللي جم في نص الليل، ومعاهم السلايف، فضوا المطبخ تماماً كنوع من “العقاب” ليا ولأحمد.

حماتي خرجت من أوضتها وقالت ببرود:

“بما إنك عايزة استقلال ونظام عادل.. فمن النهاردة كل واحد يشيل شيلته.. المطبخ ده ملكي أنا، واللي عايزة تطبخ تروح تطبخ في شقتها، والتموين اللي كان هنا اتوزع بالعدل على اللي سمعوا الكلام.”

بصيت لها وقلت: “يعني ده قرارك الأخير يا ماما؟”

قالت بابتسامة نصر: “أيوه.. ووريني هتعيشي إزاي وإنتِ لسه في أول الشهر وجوزك لسه دافع كل اللي معاه في تموين البيت اللي أنا وزعته!”

وقفت مكاني وأنا بفكر.. هي فاكرة إنها كدة بتلوي دراعي، بس اللي هي ما تعرفوش إن “العزومة الكبيرة” اللي باظت، كان وراها سر تاني خالص أنا كنت مخبياه.. سر يخص الضيف المهم اللي كان موجود (أخو حماتي)، واللي اتصل بيا قبل ساعة من دلوقتي وقال لي كلام هيقلب موازين البيت كله.

أخو حماتي، اللي هو كبير العيلة، طلب يقابل الرجالة كلهم النهاردة بليل.. والموضوع مش بس عن الأكل اللي كان نص سوا.

**يتبع…**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *