الفيزا بتاعتي ج 2
روماني مكرم
وقعت كلمات رئيس مجلس الإدارة على مسامعي كالصاعقة، بينما كان صوت والدة حازم يتردد في أرجاء الصالة عبر هاتف أمي وهي تكمل شماتتها:
“خلي الشهادة اللي فرحانة بيها والمكتب اللي بتعدي فيه الفلوس ينفعوكي دلوقتي.. ابني خط أحمر، واللي تكسر كلمته نكسر رقبتها.”
أغلقت الخط في وجه أمي التي وقفت مذهولة، لا تفهم ما يحدث. نظرتْ إليّ بعينين حائرتين وتساءلت بصوت مرتعش:
“في إيه يا سارة؟ عجز إيه وقض*ية إيه؟ وحازم ماله باللي بيحصل في شغلك؟”
لم أتحمل نظراتها ونظرات أبي المريض الذي كان يحاول استيعاب الموقف بنفاد صبر. انهرت على مقعد الصالون، وبدأت أروي لهما كل شيء بالتفصيل؛ منذ اللحظة الأولى التي طلب فيها الرقم السري للفيزا، مروراً بمحاولة الاختراق التي كشفها إشعار هاتفه، وصولاً إلى تهديده لي قبل دقائق.
ساد الصمت في الصالة، صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنين أبي الذي وضع يده على قلبه وقال بصوت واهن لكنه حاسم:
“تغور الفلوس ويغور الشغل يا بنتي.. المهم إننا كشفناه قبل ما تبقي في بيته ويقفل عليكي باب واحد. بس الجرد ده إنتي مالكيش ذنب فيه، صح؟”
أومأت برأسي والدموع تملأ عيني: “والله العظيم يا بابا ما مديت إيدي على حاجة، أنا طول عمري بمشي جمب الحيط وبشيل الشغل كله على كتافي.”
دخلت غرفتي والهموم تزن فوق رأسي كالمروحة القديمة التي لم تتوقف عن الدوران. لم أنم تلك الليلة؛ كنت أفكّر كيف استطاع حازم أن يزور توقيعي؟ وتذكرت فجأة… قبل أسبوعين، جاءني حازم إلى الشركة ليصطحبني بعد العمل، وطلب مني ورقاً أبيض فارغاً ليجرب عليه قلماً جديداً اشتراه، وطلب مني أن أوقع له على طرف الورقة ليرى خطي! كنت غبية ومغفلة لدرجة أنني لم أشك في نواياه وقتها. لقد خطط لكل شيء مسبقاً ليلوي ذراعي إذا ما تمردت عليه.
في الصباح الباكر، لم أستسلم. ارتديت ملابسي ونزلت متوجهة إلى مقر الشركة رغم قرار الوقف عن العمل. كنت أعلم أن الذهاب قد يكون مواجهة انتحارية، لكن الخوف لم يعد له مكان.
دخلت مبنى الشركة، وكانت نظرات زملائي في العمل تطاردني؛ نظرات شفقة ممزوجة بالاتهام. توجهت مباشرة إلى مكتب الشؤون القانونية، وقبل أن أدخل، استوقفني صوت حازم وهو يتحدث مع أحد الموظفين في الممر الجانبي.
تراجعت خطوة للخلف واستمعت إليه وهو يقول بنبرة انتصار:
“هي فاكرة نفسها إيه؟ الست مالهاش غير بيت جوزها، وأنا كنت هربيها.. بس هي اللي اختارت الفضيحة. خليها بقى تدفع الـ 50 ألف جنيه قيمة العجز، أو تشرف في الحجز كام يوم عشان تعرف قيمتي.”
شعرت بدمي يغلي في عروقي. في تلك اللحظة بالذات، انتبهت لشيء مهم.. مخزن الأدوات الطبية مغطى بالكاميرات، والمكتب الذي وقعت فيه على الورقة الفارغة لحازم كان في فرع الشركة القديم الذي يحتوي أيضاً على كاميرات مراقبة!
دخلت مكتب التحقيق بخطوات ثابتة عكس الرعب الذي بداخلي. كان يجلس هناك المحقق القانوني وأمامه الأوراق المزورة.
نظرت إليه وقلت بثبات: “أنا مستعدة للتحقيق يا فندم، بس قبل ما تسألني عن التوقيع، أنا بطالب رسمي بتفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالمخزن ليوم الجرد، وتفريغ كاميرات مكتبي من أسبوعين تحديداً يوم 2 في الشهر.”
تغيرت ملامح المحقق قليلاً وقال: “تفريغ الكاميرات دي إجراءات بتاخد وقت، والتوقيع اللي قدامنا مطابق لتوقيعك.”
قلت بصوت عالٍ نسبياً ليسمعه من في الممر: “مطابق لأنه توقيعي فعلاً، لكنه على ورقة تم قصها ولصقها وتزوير محتواها، وفيه كاميرات تثبت إن الأستاذ حازم هو اللي خد التوقيع ده مني بحجة الهزار.. ولو الشركة رفضت تفريغ الكاميرات، أنا هطلب تفريغها عن طريق النيابة وبمحضر رسمي.”
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة ودخل حازم وعلامات الارتباك بدأت تظهر على وجهه لأول مرة، وبجواره رئيس مجلس الإدارة الذي قال بحدة:
“إنتي بتهددي الشركة يا سارة؟”
التفتُّ إليهما وقلت وعيني في عين حازم: “أنا بدافع عن شرفي وشغلي يا فندم. واللي زور التوقيع ده نسي إن السيستم الإلكتروني للمخازن بيسجل ساعة دخول وخروج الشحنات بالدقيقة، وأنا في اليوم ده كنت في مأمورية خارجية تابعة للشركة ومعايا إيصالات تحصيل تثبت إني مكنتش موجودة أصلاً في المبنى.”
ساد صمت مفاجئ في الغرفة، ونظرت لرئيس مجلس الإدارة الذي التفت ببطء نحو حازم، وبدأت الشكوك تظهر في عينيه. أما حازم، فقد اختفت ابتسامته تماماً، وبدأت قطرات العرق تظهر على جبهته.
أخرجت هاتفي وفصلت خط الهاتف القديم، ثم نظرت إلى حازم وقلت:
“الموضوع مبقاش باسورد فيزا يا حازم.. الموضوع بقى قض*ية تزوير وجناية، وهنشوف مين فينا اللي هيبوس إيد التاني في الآخر.”
خرجت من مكتب التحقيق بخطوات واسعة، وراسي مرفوع لأول مرة منذ يومين. شعرت بأن الهواء الذي أتنفسه أصبح أخف، رغم أن المعركة لم تنتهِ بعد. حازم ظل واقفاً في مكانه داخل الغرفة، يتنقل بنظراته المرتبكة بين المحقق القانوني ورئيس مجلس الإدارة الذي بدا أن شكه في قريبه قد وصل إلى ذروته.
بمجرد وصولي إلى المنزل، وجدت أمي تجلس على أعصابها، تمسك بسبحتها وتدعو، بينما كان أبي يتابع الأخبار بنظرات شاردة. ارتميت في حضن أمي وأنا أتنفس الصعداء:
“الحمد لله يا ماما.. أنا مأذيتش حد، وربنا وقف معايا. كشفت كدبهم قدام الكل.”
حكيت لهما ما حدث في مكتب التحقيق، وكيف تحولت ملامح حازم من الجبروت إلى الرعب بمجرد ذكري للتفاصيل القانونية والكاميرات وسجلات السيستم. ريم أختي صفقت بيديها بحماس وقالت:
“جدعة يا سارة! هو كان فاكرك صيد سهل وهيخوفك بلقمة عيشك.”
لكن فرحتنا لم تدم طويلاً. في تمام الساعة السادسة مساءً، بدأت الهواتف ترن مجدداً، ولكن هذه المرة لم تكن المكالمات تهديداً، بل كانت محاولات مستميتة للصلح والتراجع.
رن هاتف أبي، وكان المتصل هو أحد كبار عائلتنا، عمي الأكبر.
تحدث عمي بنبرة لوم وعتاب لأبي: “يا أبو سارة، ما يصحش اللي بيحصل ده.. حازم وأمه كلموني وزعلانين جداً. الست بتقول إن سارة تسرعت وتبلت على ابنها في الشركة، وحازم مستعد يلم الموضوع ويقفل الق*ضية بس البنت تتنازل عن كلامها وتعتذر له قدام رئيس مجلس الإدارة عشان برستيجه في الشغل مميزعلش.”
أبي، رغم مرضه وضيق حالنا، أخذ الهاتف من على أذنه، وضغط على زر مكبر الصوت وقال لعمي بنبرة هزت أرجاء الصالة:
“يا حاج.. بنتي ما تبلتش على حد. ابنهم دخل بيتي وباع مأمني، وكان عايز يسرق شقاها، ولما رفضت راح يزور ورق عشان يرميها في السجن. أنا بنتي مش هتعذر لحد، واللي عنده حق ياخده بالقانون.” وأغلق الخط دون أن ينتظر رداً.
وفي الليل، تلقيت رسالة على واتساب من رقم غريب، لكن الكلمات كانت واضحة كصاحبها. كانت من حازم:
“سارة.. بلاش توصلي الموضوع للنيابة والمحاكم. أنا اعترفت لقريبي (رئيس مجلس الإدارة) إن الموضوع كان مجرد سوء تفاهم وضغط شغل عشان نلم الدور، وهو وافق يقفل ملف العجز ومفيش قض*ية عليكي.. بس في المقابل، إنتي هتقدمي استقالتك من الشركة من سكات، والشبكة اللي جبتهالك هترجعلي لحد عندي ومعاها مصاريف الخطوبة كاملة.. واحمدي ربنا إني بلم الموضوع بالذوق.”
قرأت الرسالة وأنا أبتسم بسخرية. “بالموضوع بالذوق؟” إنه لا يحاول إنقاذ ما تبقى من ود، بل يحاول إنقاذ رقبته من قض*ية تزوير مؤكدة قد تنهي مستقبله المهني تماماً وتلقي به خلف القضبان.
لم أرد على الرسالة. قمت بحظر الرقم فوراً.
وفي الصباح التالي، تلقيت اتصالاً من زميلتي المقربة في الشركة، وكان صوتها يحمل مفاجأة غير متوقعة:
“سارة! إنتي قالبة الشركة كلها ومحدش بيتكلم غير عنك.. رئيس مجلس الإدارة طلب تفريغ الكاميرات فعلاً بشكل سري من غير ما حازم يعرف، والنهارده الصبح الأمن جاب الفيديوهات.. والمفاجأة إنهم مش بس شافوا حازم وهو بياخد توقيعك على الورقة الفاضية، دول كمان لقطوا فيديو ليه وهو داخل المخزن بالليل مع موظف الأمن اللي كان شغال في وردية يوم العجز!”
طرت من الفرحة، وشعرت أن حق تعبي وشقائي يعود إليّ قطرة وراء قطرة. لكن زميلتي أكملت بنبرة قلقة:
“بس استني يا سارة.. حازم لما عرف إن أمره اتكشف، مجاش الشغل النهارده، وعرفنا إنه راح مع أمه لبيتكم دلوقتي ومعاهم ناس من طرفهم عشان يضغطوا على باباكي قبل ما الإدارة تبلغ الشرطة رسمي!”
لم أكد أغلق الهاتف معها، حتى سمعت صوت جرس باب بيتنا يرن بعنف متواصل، يتبعه صوت صياح والدة حازم في الممر الخارجي وهي تضرب الباب بيديها وتصرخ:
“افتحي يا أم سارة.. افتحي وشوفي بنتك المجرورة ورا المحاكم عملت إيه في ابني!”
