جوزي بعتلي 150 الف ج 4

## الجزء السابع: شفرة الانتقام الأخيرة

الموبايل كان بيتهز في إيد منة، والرقم الدولي الشاشة منورة بيه كأنه جمرة نار. بصت لكريم اللي هز راسه ليها كأنه بيقولها: “ردي.. لازم الحكاية تتقفل”.

منة فتحت الخط وحطت الموبايل على ودنها بأنفاس مكتومة. صمت لثواني، مفيش غير صوت أنفاس هادية من الطرف التاني، لحد ما جه الصوت الوقور، الدافئ، اللي مانسيتش نبرته ثانية واحدة من سبع سنين:

“حمد الله على سلامتك يا منة.. وسلامة أمل.”

منة دموعها غلبتها وصوتها طلع مخنوق: “يوسف.. إنت فين؟ وإيه كل اللي عملته ده؟ الشقة.. وقضية أحمد.. والـ 150 ألف جنيه!”

يوسف اتنهد تنهيدة طويلة من قلبه: “أنا واقف في نفس الشارع اللي كنا بنتمشى فيه زمان يا منة.. شفتك وأنتِ خارجة من المستشفى مع كريم. الشقة دي مش هدية مني، ده حقك وحق بنتك اللي أحمد كان عايز يسرقها منكم.. أنا مجرد وسيط للعدالة الإلهية.”

منة مسحت دموعها بسرعة وبصت لعقود الشقة: “بس أنا مقدرش أقبل شقة بالتمن ده يا يوسف.. إنت خاطرت بنفسك وبفلوسك عشان تنتقم من أحمد؟”

يوسف صوته اتحول لجدية حادة: “أنا منتقمتش من أحمد عشان سابني وسافر.. أنا انتقمت منه لأنه كسر البنت الوحيدة اللي حبتها، ولأنه غرق في القذارة وكان عايز يجرجرك معاه.. بس الحكاية لسة مخلصتش يا منة. أحمد مخبي مصيبة تانية.. مصيبة لو ظهرت، هتخلي عيلته كلها تتمنى السجن 15 سنة بدل اللي هيحصلهم!”

منة انتبهت ودقات قلبها زادت: “مصيبة إيه؟ أحمد خلاص في السجن وتحت التحقيق!”

يوسف: “أحمد من سنة، لما لقى نفسه غرقان مع شاكر المرصفي، خاف على فلوسه السرية اللي بيهربها.. عارفة عمل إيه؟ كتب المحلات الكبيرة اللي في التجمع والبيوت اللي باسم أمه ‘الحاجة فاطمة’ وباسم بنت خالته ‘نيرمين’.. كتبهم بعقود بيع وشراء وهمية وتواريخ قديمة عشان يهربهم من مصادرة الحكومة لو اتمسك!”

منة: “طب ما ده متوقع من واحد خاين زيه.. إيه المصيبة في كده؟”

يوسف ضحك ضحكة قصيرة مليانة ثقة: “المصيبة إن العقود دي متسجلة في دفاتر شركة محاماة وهمية في سويسرا.. وأنا اشتريت الشركة دي الشهر اللي فات! يعني قانونياً.. كل الأملاك اللي حيلت أمه ونيرمين، وبما فيهم البيت اللي قاعدين فيه دلوقتي.. بقت ملكي أنا! وأنا حولت ملكيتها بالكامل لصالح صندوق استثماري مقفول باسم بنتك ‘أمل’.. يعني عيلة أحمد حرفياً بقوا في الشارع من بكرة الصبح!”

تاني يوم.. في الصباح الباكر.

أمام مبنى نيابة الأموال العامة، كانت نيرمين خارجة مع محاميها بكفالة على ذمة القضية مؤقتاً لحين المحاكمة بسبب حملها، ووراها الحاجة فاطمة اللي كانت ماشية مكسورة وضهرها محني.

فجأة، وقفت قدامهم عربيتين سود.. نزل منهم محضر من المحكمة ومعاه قوة تنفيذية، وبص للحاجة فاطمة ونيرمين:

“الحاجة فاطمة عبد العزيز؟ والآنسة نيرمين عوض؟”

فاطمة بخوف: “أيوة يا فندم.. في إيه تاني؟ ابني في الحبس، عايزين مننا إيه؟”

المحضر طلع ورق رسمي مختوم بختم النسر: “معانا أمر تنفيذ قضائي بالحجز والتحفظ والإخلاء الفوري لجميع العقارات والمحلات المسجلة باسمائكم، بناءً على دعوى بطلان عقود ملكية ورفع يد لصالح المالك الجديد.. ‘صندوق أمل للاستثمار’.”

نيرمين صرخت بذهول: “إخلاء إيه؟! دي بيوتنا وأملاكنا! أحمد كاتبها باسمنا من زمان!”

المحضر ببرود: “أحمد بيه كتبلكم عقود مضروبة لشركات وهمية برة مصر، والشركات دي اتباعت، والمالك الجديد قدم مستندات رسمية تثبت إن الأملاك دي اِتشريت بفلوس حقيقية مش مغسولة.. قدامكم 24 ساعة تلموا هدومكم وتخلوا البيت.. البيوت دي مبقتش بتاعتكم.”

الحاجة فاطمة قعدت على الرصيف في الشارع وتفاجأت بإن كل خططها وطمعها اتقلب على دماغها، وبقت هي وبنت أختها في الشارع، والفلوس اللي خانوا منة عشانها طارت في الهواء.

في السجن..

أحمد كان قاعد في زنزانته، منهار تماماً، هدومه متبهدلة ووشه أصفر. دخل عليه العسكري: “أحمد عبد العزيز.. عندك زيارة.”

أحمد قام بلهفة، اِفتكر إنها أمه أو محامي جديد جاي يطلعه بكفالة. جري على غرفة الزيارة، وبص من ورا السلك.. بس الصدمة شلت حركته.

اللي كان قاعد مستنيه مكنش محامي.. كان “يوسف السيوفي”.

أحمد برّق عينه برعب، ورجع خطوة لورا: “يوسف؟! إنت.. إنت إيه اللي جابك هنا؟ إنت سافرت من سنين!”

يوسف سحب كرسي وقعد بكل هدوء، وبص لأحمد بنظرة عين باردة زي التلج: “سافرت يا أحمد.. بس رجعت. فاكر لما لبستني قضية السرقة من سبع سنين وخليت أبو منة يطردني؟ فاكر لما قعدت تضحك عليا وتقولي ‘الستات للرجالة اللي معاها فلوس مش اللي معاها مشاعر’؟”

أحمد ريقه جف وبدأ يترعش: “يوسف.. أنا.. أنا كنت طايش.. سامحني.. إنت اللي عملت فيا كل ده؟ إنت اللي حولت الـ 150 ألف جنيه؟”

يوسف ابتسم: “الـ 150 ألف جنيه دول كانوا تمن تذكرتك للوع الكلبش ده.. أنا اللي هكرت تليفونك، وأنا اللي كتبت الرسالة لنيرمين لأني عارف إنك غبي وهتبعتها لمنة بالغلط وأنت سكران.. وأنا اللي اشتريت ديونك وشغلك مع شاكر المرصفي.”

أحمد دموعه نزلت وبدأ يصرخ: “حرام عليك! دمرتني ودمرت مستقبلي! أمه ونيرمين ذنبهم إيه؟”

يوسف قام وقف، وعدل جاكيت بدلته وقال وهو بيبص له من فوق لتحت: “أمه ونيرمين طردوا منة وهي حامل في الشهر السابع وكانت بتموت عشان ياخدوا شقتها.. ذنبهم إنهم زيك.. طماعين وخاينين. أنا مسبتش حد مظلوم يا أحمد.. أنا سبت منة وبنتك في شقة ملكهم، وأمك ونيرمين دلوقتي بيدوروا على إيجار قانون جديد في أفقر حتة في مصر.. العدل حلو يا صاحبي.”

يوسف سابه ومشي، وأحمد قعد يصرخ ويهبد في السلك لحد ما العساكر سحبوه للزنزانة وهو فاقد العقل.

بعد شهر..

الهدوء رجع لحياة منة. كانت قاعدة في بلكونة الشقة الجديدة اللي يوسف جابهالها باسم بنتها. المكان كان هادي والخضرة حواليها في كل حتة. بنتها “أمل” كانت نايمة في سريرها الصغير جنبها، وكريم قاعد بيشرب شاي.

منة كانت ماسكة الموبايل، وبتبص على رسالة جديدة جت لها من نفس الرقم الدولي. الرسالة مكنش فيها عقود ولا فلوس.. كان فيها جملة واحدة:

(أنا مسافر إيطاليا تاني بالليل يا منة.. طمنت عليكي وأخدت حقي وحقك.. مش هطلب منك تشوفي السبع سنين اللي فاتوا، بس هسيب الباب موارب.. لو في يوم قلبك صفي، رقمي معاكي.. سلام يا قلب يوسف).

منة بصت للكارت وللرسالة، وخدت نَفَس طويل.. حست إنها لأول مرة من سنين بتتنفس حرية وأمان.

كريم بص لها وابتسم: “هتردي عليه المرة دي يا منة؟ ولا هتقفلي الباب؟”

منة ابتسمت ابتسامة غامضة، وبصت لبنتها.. وقامت وقفت وهي ماسكة الموبايل في إيدها..

**النهاية.. ولكن، هل هي نهاية القصة، أم بداية لحكاية جديدة بين منة ويوسف؟**

## الجزء الثامن: خطوة على أرض جديدة

منة فضلت واقفة في البلكونة والموبايل في إيدها، الشاشة قفلت بس الكلام لسة منور في عقلها: “(هسيب الباب موارب.. لو في يوم قلبك صفي، رقمي معاكي.. سلام يا قلب يوسف)”.

كريم قام وقف جنبها، حط إيده على كتفها وبص في عينها: “منة، يوسف عمل اللي مفيش راجل في الدنيا يعمله.. بس الوجع اللي عشتيه مع أحمد مش قليل. متظلميش نفسك، ومتاخديش قرار وإنتي لسة طالعة من معركة.”

منة هزت راسها بهدوء، وبصت لأخوها: “أنا مش هظلم نفسي يا كريم، ولا هظلم يوسف. يوسف قفل صفحة انتقام وعايز يفتح صفحة حب.. بس أنا دلوقتي صفحت البيضاء لسة مفيهاش غير ‘أمل’.”

شاورت على بنتها اللي نايمة جوة، وكملت: “أنا هرد عليه.. بس مش الكلمة اللي هو مستنيها.. هرد بالكلمة اللي تخليني أحترم نفسي قدامه.”

فتحت الموبايل، وكتبت رسالة قصيرة وبعتتها للرقم الدولي:

(يوسف.. شكراً لأنك كنت السند لما كل الناس اتخلت. بس أنا محتاجة وقت.. محتاجة أقف على رجلي لوحدي الأول، عشان لما أبص في عينك، أبص وأنا قوية ومش مكسورة، ومبقاش شايفة فيك مجرد ‘منقذ’. طريق السلامة يا ابن الأصول).

في مطار القاهرة، يوسف كان قاعد في صالة درجة رجال الأعمال، مستني نداء طيارته المتجهة لروما. الموبايل في إيده اِتهز. قرا الرسالة.. وابتسم ابتسامة عريضة هزت قلبه، اِتنهد براحة وقال لنفسه: “وهي دي منة اللي حببتني فيها.. الست اللي مابتنكسرش.”

قفل الموبايل، وشال شنطته ودخل الممر وهو حاسس إن سبع سنين من التقل اِنزاحوا عن كتافه.

بعد مرور ستة أشهر..

داخل قاعة محكمة جنايات القاهرة بالمجمع الجديد بالتجمع.

الأجواء كانت مشحونة، القاعة زحمة جداً والصحفيين ماليين المكان.. قضية “شبكة المرصفي لغسيل الأموال” كانت قضية الرأي العام الأولى.

في قفص الاتهام، كان المشهد يقطع القلب.. بس بالنسبة لمنة اللي كانت قاعدة في المقاعد الأمامية وجنبها كريم والمحامي، كان المشهد هو “العدل المطلق”.

أحمد كان واقف في زاوية القفص، دقنه طولت، وشه خَسّ النص، ولابس البدلة البيضا بتاعة الحبس الاحتياطي، عينه مكسورة في الأرض ومبقاش قادر يرفعها في عين حد. شاكر المرصفي واقف في الزاوية التانية ببرود مصطنع يحاول يحافظ بيه على برستيجه القديم.

أما في المقاعد الخلفية للمتهمين، فكانت الحاجة فاطمة قاعدة على دكة خشب وهي بتعيط وتندب حظها، ونيرمين جنبه بطنها قدامها في الشهر التاسع، ووشها أصفر وزي الليمونة، وبتبص لأحمد بغل وكأنها عايزة تنهش لحمه. عيلة نيرمين اِتبرت منها تماماً بعد الفضيحة، وأبوها رفض يحضر الجلسة.

حاجب المحكمة صرخ بأعلى صوته: “محكمة!”

كل اللي في القاعة وقفوا.. دخل المستشار وجلس على المنصة، وفتح ملف القضية بوقار. وبدأ يقرأ منطوق الحكم وسط صمت قاتل:

“بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة وشهادة الشهود والمستندات السيادية المرفقة.. حكمت المحكمة حضورياً:

أولاً: بمعاقبة المتهم شاكر المرصفي بالسجن المشدد لمدة 15 سنة وتغريمه 20 مليون جنيه.

ثانياً: بمعاقبة المتهم أحمد عبد العزيز بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات، ومصادرة جميع الأموال السائلة والمنقولة الناتجة عن الجريمة.

ثالثاً: بمعاقبة المتهمة فاطمة عبد العزيز، والمتهمة نيرمين عوض، بالسجن لمدة 3 سنوات مع الشغل بتهمة التستر والاشتراك في إخفاء أموال مشبوهة.”

صوت الصراخ والعويل انفجر في القاعة.. الحاجة فاطمة وقعت من طولها على الأرض وعساكر الشرطة بيحاولوا يفوقوها، ونيرمين بدأت تصرخ وتلطم وجالها مغص الولادة من الصدمة والرعب.. الولادة اللي كانت بتخطط ليها في الموفنبيك، هتحصل دلوقتي في مستشفى السجن!

أحمد بص لمنة من ورا السلك بنظرة رجاء أخيرة، نظرة تطلب السماح.. بس منة حركت راسها بالرفض، ولفت ضهرها وخرجت من القاعة بكل ثبات، من غير ما تنزل دمعة واحدة.

بعد مرور سنة كاملة..

الحياة دارت، والزمن مبيقفش عشان حد.

منة مبقتش منة القديمة المكسورة.. بفضل ذكائها وفلوس النفقة اللي المحكمة حكمت بيها لبنتها من أصول أحمد قبل مصادرتها، وبمساعدة أخوها كريم، فتحت “أتيليه” فخم لتصميم أزياء العرائس وسواريهات المحجبات في مصر الجديدة. الشغل كبر وبقى اسمها معروف، وبقت هي اللي بتدير بيزنس خاص بيها وبنتها “أمل” كبرت وبقت بتمشي وتملى عليها الدنيا.

في يوم من الأيام، الساعة كانت 7 بالليل..

منة كانت واقفة في الأتيليه بتظبط فستان زفاف أبيض على المانيكان، وهدير ماكينات الخياطة شغال جوة وصوت ضحك بنتها مع السكرتيرة برة مالي المكان.

باب الأتيليه اِفتح.. والجرس الصغير اللي على الباب رن.

منة من غير ما تلتفت، وهي بتظبط دبابيس الفستان: “أهلاً وسهلاً بحضرتك.. ثواني وهكون معاكي يا فندم.”

صوت رجالي عميق ودافي رد عليها من وراها: “أنا مش جاي أشتري فستان.. أنا جاي أشوف المصممة اللي قلبت سوق الأزياء في مصر.”

منة اِتسمرت في مكانها.. الدبوس وقع من إيدها على الأرض. دقات قلبها اللي هديت من سنة، رجعت تدق بعنف كأنها طبول حرب.

لفت وشها ببطء..

كان واقف قدامها.. يوسف السيوفي.

ملامحه كانت أهدى، لابس بدلة كاجوال من غير كرافات، وعينه فيها نفس اللمعة القديمة اللي كانت بتشوفها وهي بنت عندها 20 سنة.

يوسف قرب خطوتين، وبص للفستان الأبيض اللي في إيدها، وبعدين بص في عينها وقال بنبرة مليانة حنان وشوق:

“السنة خلصت يا منة.. وأنا رجعت من إيطاليا النهاردة الصبح. الباب لسة موارب.. ولا قفلتيه؟”

منة بصت له، ولأول مرة من سبع سنين، الابتسامة تطلع من قلبها بجد.. اِبتسمت وعينها لمعت بالدموع، وبصت للباب وبصت له وقالت:

“الباب عمره ما اِقفل يا يوسف.. بس كان مستني الراجل الصح اللي يدخل منه.”

في اللحظة دي، بنتها “أمل” جِريت ودخلت الأوضة ومسكت في فستان منة.. يوسف وطى على الأرض، وشال البنت الصغيرة بين إيديه وضحك، وبص لمنة وكأنه بيوعدها بإن اللي جاي هو الأمان اللي عمره ما هينتهي.

**هل دي نهاية المطاف، ولا الحياة لسة مخبية تحديات جديدة لمنة ويوسف في طريقهم الجديد؟**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *