بنتي حكايات علي ابو الدهب 2

الجزء الثاني والاخير

 

مخلصتش في المستشفى، دي كانت مجرد بداية لأطول ليلة مرت عليا في حياتي. ليلة كشفتلي إن الوجع الحقيقي مش بس في الكدمات اللي على ضهر بنتي، لكن في الشروخ اللي حصلت في بيتي وفي نفسية طفلة بريئة.

بعد ما عملنا التقرير الطبي في المستشفى الحكومي، كانت الساعة دخلت على 2 بعد نص الليل. ديمة نامت من كتر التعب والخوف على الكنبة اللي في ممر المستشفى، وهي لافّة إيديها الصغيرين حوالين دراعي وجامدة فيّ، كأنها خايفة لو سابتني ثانية واحدة الكابوس هيرجع تاني.

مريم كانت قاعدة على الكرسي اللي قصادنا، وشها شاحب، وعينيها حمرا من كتر العياط. حاولت تقرب من ديمة وتمسح على شعرها، بس أنا من غير ما أحس مسكت إيد مريم وقفتها. بصيت في عينيها وقولت بصوت واطي ومكتوم:

* “متلمسيهاش يا مريم.. مش دلوقتي.”

مريم انفجرت في العياط المكتوم، وحطت وشها بين إيديها وهي بتمتم: “والله ما كنت أعرف يا هارون.. أنا كنت فاكرة إني بحميها.. نجوى دي كانت بتقولي إن البنت ممسوسة من حسد شديد، وإن الزرقان ده هو ‘المرض وهو بيخرج من جسمها’.. أنا كنت غبية.. أنا ضيعت بنتي!”

كنت سامع كلامها ومش قادر أتعاطف معاها. الجهل لما بيوصل لدرجة الأذى مبيبقاش مجرد غباء، بيبقى جريمة.

على الساعة 4 الصبح، تليفوني رن. كان إيهاب.

* “إيه الأخبار يا هارون؟ طمني على ديمة.”

* “عملنا التقرير يا إيهاب، والدكتور أثبت إنها إصابات ناتجة عن ضغط وعنف متعمد مش خبطات عادية. قولي عندك إيه؟”

صوت إيهاب اتغير وبقى فيه نبرة جدية ومرعبة:

* “الست دي طلعت مصيبة يا هارون. لما فتشنا الشقة، لقينا دفاير وكتب سحر، ولقينا كمان كاميرا صغيرة مستخبية في أوضة الكشف اللي جوة! الست دي مكنتش بس بتضرب العيال، دي كانت بتصورهم عشان تبتز أهاليهم لو فكروا يشتكوا أو يهربوا منها! إحنا حرزنا كل حاجة، ونجوى محبوسة دلوقتي 4 أيام على ذمة التحقيق.”

جسمي كله قشعر. يعني ديمة مكنتش بس بتتعذب، دي كانت ممكن تتدمر حياتها كلها لو الست دي استخدمت الفيديوهات دي. بصيت لديمة وهي نايمة، وبست راسها، وحمدت ربنا إننا لحقنا الموضوع في أوله.

رجعنا البيت والشمس بتطلع. ديمة صحت، وأول ما دخلنا الشقة، رفضت تماماً تدخل أوضتها. كانت بتترعش وبتبص للسرير برعب.

* “مش عايزة أنام هنا يا بابا.. طنط نجوى كانت بتقولي إن الشياطين بتستناني تحت السرير لما أنام.”

الكلام كان بيقطع في قلبي. شيلتها ودخلتها أوضتي أنا: “خلاص يا قلب بابا، سريري أنا ومامي هيبقى سريرك من النهاردة، ومحدش يقدر يقرب منك وأنا عايش.”

الأيام اللي بعد كده كانت اختبار صعب جداً. ديمة كانت بتصحى من النوم بتصرخ من الكوابيس، ومكنتش بتثق في مريم خالص. مريم كانت بتموت في اليوم مية مرة وهي شايفه بنتها بتخاف منها وبتبعد عنها، وبتقعد في الصالة لوحدها تعيط بالليالي.

أنا ومريم قعدنا قاعدة مواجهة صعبة. قولت لها: “يا مريم، الجواز اللي بيننا في كفة، وصحة ديمة النفسية في كفة تانية. أنتِ محتاجة تروحي لدكتور نفسي يعالجك من هوس الخوف والحسد اللي دمرنا ده، وديمة كمان هتروح لدكتورة تعدي بيها الأزمة دي.. لو مش هتقدري تعملي ده، أنا مش هقدر أكمل معاكي.”

مريم وافقت فوراً، وكانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان تكفر عن ذنبها.

بعد مرور ست شهور..

العلاج النفسي أخد وقت طويل ومجهود، بس بدأ يجيب نتيجة. ديمة بدأت ترجع تبتسم تاني، وبدأت خطوة بخطوة تسامح ممتها لما شافت دمووعها الصادقة وتغيرها الحقيقي. الست نجوى اتكمت عليها بحكم رادع وسجنوها، وبقت عبرة لمن يعتبر.

في يوم، كنت قاعد في الصالة وديمة جت قعدت على رجلي، وطلعت تليفونها الصغير وباعتتلي رسالة وأنا قاعد جنبها. فتحت الرسالة لقيتها كاتبة:

“بابا، أنا بحبك أوي. تعال نلعب في أوضتي.. أنا وأنت ومامي مع بعض.”

بصيت لها ولقيت ضحكتها الخصية رجعت تنور وشها تاني، وفهمت في اللحظة دي إن الأمان مش كلمة بنقولها، الأمان هو إن الطفل يعرف إن فيه ضهر بيحميه، وإن مهما كان السر مرعب.. بابا دايماً هيعرف يتصرف

وفي نفس اللحظة اللي كنت بقرأ فيها رسالتها، لقيت مريم داخلة علينا الصالة وهي شايلة صينية فيها عصير وكيكة، الابتسامة كانت هادية على وشها، بس عينيها لسه فيها لمعة الندم اللي علّمت فيها وغيرتها تماماً. مريم مبقتش الست اللي بتجري ورا الدجالين والخرافات؛ الصدمة فوقتها، ودلوقتي بقت بتستمد أمانها من وجودنا مع بعض، مش من بخور ولا أحجبة.

بصيت لمريم وقولتلها: “ديمة بتعزمنا على أوضتها.. نكسفها؟”

مريم عينيها دمعت من الفرحة، وهزت راسها بـ لأ.

دخلنا الأوضة سوا، الأوضة اللي كانت من ست شهور مكان للكوابيس، والنهاردة رجعت لمكانها الطبيعي.. مليانة ألعاب، إيموجيهات، وصوت ضحك طفولي ملوش آخر. ديمة فتحت لابتوب صغير وبدأت تورينا نوتة موسيقية جديدة بتتعلمها على البيانو، وكانت بتتحرك بحرية من غير ما تخاف إن في إيد تلمسها أو توجعها.

وأنا قاعد بتفرج عليهم، حطيت إيدي في جيبي ولمست التليفون. افتكرت أول رسالة، وافتكرت اللحظة اللي الدنيا لفت بيا فيها وأنا شايف ضهر بنتي الصغير متهان. عرفت يومها إن دوري كأب مش بس إني أوكل وأشرب وأدفع مصاريف مدارس وحفلات.. دوري الحقيقي إني أكون السد العالي اللي بيقف قدام أي خوف يهدد أمانهم، حتى لو الخوف ده جاي من أقرب الناس.

شيلت ديمة وفضلت ألف بيها في الأوضة وهي بتضحك من قلبها، ومريم واقفه بتسقف لنا. وفي وسط الزيطة دي، ديمة ميلت على ودني وهمست: “شكراً يا بابا إنك جيت لوحدك.. وإنك صدقتني.”

ضمتها لصدره ودعيت ربنا في سري إن الضحكة دي متفارقش وشها أبداً، وإن بيتنا يفضل دايماً مليان بنور الحقيقة.. مش بظلام الجهل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *