الشهر العقاري ١
ابني خدني على مجمع المحاكم والشهر العقاري وهو بيقولي دا مجرد إمضاء عشان نخلص ورق المعاش يا أمي بس أول ما البنت اللي قاعدة على المكتب شافت بطاقتي، راحت قافلة الباب بالراحة، ووطت صوتها خالص ووشوشتني: “يا ست زينات، لو مضيتي على الورق ده دلوقتي، بيتك هيضيع منك النهاردة
فضلت واقفة والقلم في إيدي، وابني أحمد قاعد جنبي وعلى وشه ابتسامة متوترة.
— يلا يا أمي خلصينا — قالها وهو بيعدل قعدته — دا إجراء روتيني، وإنتي مابتفهميش في لغوصة الورق.
“مابتفهميش”.. الكلمة دي حرقتني أكتر من وجع الروماتيزم في صوابعي.
أنا عندي تسعة وخمسين سنة، ببيع كشري وحلبسة قدام مدرسة قاسم أمين في شارع المدارس هنا في طنطا. صحيح مكملتش تعليمي، بس عمري ما كنت هبلة.. كل الحكاية إن قلب الأم بيعمي، وأنا وثقت فيه زيادة عن اللزوم.
المكتب كان ريحته تكييف قوي ومعطر غالي، وقدامي دوسيه أصفر مكتوب عليه اسمي بالبند العريض: **زينات عبد الرحمن المنصوري**. وتحته سطور مليانة كلام مجعلص: تنازل، حقوق ملكية، وإخلاء قطعي لا رجعة فيه!
— هو ليه مكتوب هنا “لا رجعة فيه”؟ — سألته وأنا عيني في عينه.
أحمد ضحك ضحكة صفرا:
— يا أمي متحبكيهاش بقا! دي صيغة قانونية، ومراتي كاريمان مستنيانا في العربية والعيال هيطلعوا من المدرسة.
في اللحظة دي، البنت الموظفة دخلت تاني وشايلة صينية مياه. وهي بتهز الكوباية قدامي، لمست إيدي بالراحة.. لمسة ساقعة وسريعة كأنها بتصحيني، وقالت بصوت واطي:
— ست زينات، ممكن تيجي معايا ثانية؟ محتاجة أطابق صورتك في البطاقة.
أحمد وقف فجأة: “تطابقي إيه؟ ما كل حاجة تمام!”. بس الموظفة متهزتش وخدتني لغرفة التصوير جوة وقفت الباب.
— يا ست زينات، إنتي عارفة بتمدي على إيه؟ ابنك عامل عُقد بيع نهائي لبيتك، وفيه بند إنك بتتنازلي عن حق السكن، يعني يطردك في أي وقت!
سندت على الترابيزة بكل حملي.. بيتي الأخضر، وشجرة الليمون اللي في الحوش، والبيت اللي جوزي الله يرحمه بناه طوبة طوبة.. كل ده انهار فوق دماغي.
الباب اتخبط خبطتين جامدين وصوت أحمد طلع ناشف من برة: “أمي؟ خلصتوا؟”.
الموظفة حطت صابعها على بوقها، وراحت مطلعا حاجة مطوية من جيبها وادتهالي: “شيلي دي معاكي بسرعة”.
رجعنا الصالة برة، والموثق دخل وقال: “أهلاً يا حاجّة زينات.. جاهزة للإمضاء؟”.
أحمد ضغط على كتفي: “جاهزة يا فندم ومستعجلة”.
بس أنا سحبت الدوسيه وقلت بصوت طالع من جدر قلبي: “مش ممضية!”.
أحمد وشه احمر وبقى زي الدم، ومراته كاريمان برقت. لميت شنطتي وقمت مشيت لبرة، ومحدش قدر يوقفني من الصدمة. أول ما طلعت الشارع، أحمد جري ورايا وهو بيزعق: “إنتي مش فاهمة حاجة! أنا عملت كده عشان مصلحتنا.. أنا عليا ديون وهروح في داهية!”.
بصيت لبعيد.. كان في راجل لابس نظارة شمس وساند على عربية جيب سودا في الجراج، وماسك دوسيه شبه اللي جوة، ولما لمحنا ابتسم ابتسامة “المالك” اللي مستني يستلم حاجته!
أحمد همس برعب: “أمي أبوس إيدك امضي.. الراجل بعتله البيت وقبضت العربون خلاص، لو ممدتيش هيقتلني!”.
مديت إيدي في الشنطة وأنا برتعش عشان أطلع الموبايل، بس لمست الورقة المطوية اللي الموظفة ادهتلي جوة.. فتحتها بالراحة، ومكنتش ورقة.. دي كانت صورة قديمة لإبراهيم جوزي الله يرحمه واقف قدام نفس مجمع المحاكم ده، ووراه مستخبي ورا عمود كان أحمد وهو مراهق، وعلى وشه نفس نظرة الرعب!
قلبت الصورة، ولقيت مكتوب في ظهرها بخط جوزي اللي حافظاه صم:
👉 **”يا زينات.. لو جه اليوم اللي أحمد يحاول يخليكي تمضي فيه على أي ورقة.. روحي فوراً وفحري تحت شجرة الليمون.. هتلاقي الدوسيه الأحمر اللي شايل فيه السر اللي هيحميكي من ابنك”** 👈
الراجل صاحب العربية السودا بدأ يقرب مننا بخطوات بطيئة، وأحمد ماسك إيدي وبيعيط.. وأنا واقفة في نص الشارع مش عارفة أصدق خط جوزي الميت، ولا أنقذ ابني اللي باعني!
عليه أفضل الصلاة والسلام.
اللحظة دي كانت أصعب من كل سنين الشقى اللي شفتها واقفة قدام قدر الكشري في عز الشمس. دمي كان بيفور، وعقلي مش قادر يستوعب.. إزاي إبراهيم جوزي الله يرحمه كان عارف؟ وإزاي البنت الموظفة دي وقعت في إيدها الصورة دي بالذات؟
الراجل صاحب النظارة السودا قرب مننا، وريحته كانت مليانة غطرسة وفلوس، وبص لأحمد بنظرة كلها احتقار وقال بصوت رخيم:
— ها يا بشمهندس أحمد؟ الحاجة مضت؟ ولا المحضر اللي معايا هيتحرك والشرطة هتيجي تشرفك من قفاك بسبب الشيكات اللي ملوش رصيد؟
أحمد رمى نفسه على رجلي في وسط الشارع وهو بينتحب:
— أبوس رجلك يا أمي.. هيبهدلوني، كاريمان والعيال هيتشردوا.. امضي والنبي وأنا هأجرلك شقة أحسن من البيت القديم ده بمراحل!
بصيت لأحمد.. الابن اللي كبرته بفلوس الحلبسة والكشري، اللي كنت بحرم نفسي من اللقمة عشان يدخل كلية هندسة ويقولوا “ابن الست زينات بقا بشمهندس”. وبصيت للراجل الغريب، وبعدها افتكرت خط إبراهيم.. “السر اللي هيحميكي من ابنك”.
الحيرة مخدتش من وقتي أكتر من ثانية. قلب الأم وجعني، بس كرامتي وعمري اللي ضاع وجعوني أكتر. سحبت رجلي من إيد أحمد بقسوة عمري ما تخيلت إنها فيا، وقلت للراجل بصوت قوي زلزل شارع المدارس كله:
— البيت ده بيتي.. ومفيش مليم واحد هيدخل جيبك، وابني لو غلط يتحاسب!
أحمد صرخ: “يا أمي لاء!”، ومراته كاريمان نزلت من العربية وهي بتصوت وتندب حظها وتدعي عليا. أما أنا، فلفيت ضهري وركبت أول توكتوك قابلني وقلت له: “على بيتي.. بأقصى سرعة يا ابني”.
وصلت البيت.. البيت الأخضر اللي عشت فيه أجمل أيام عمري. جريت على الحوش، وفي إيدي فأس قديمة من بتاعة إبراهيم. ركبتي كانت بتطقطق والوجع بياكل في صوابعي، بس القوة اللي نزلت عليا في اللحظة دي كانت من عند ربنا.
بدأت أفحر تحت شجرة الليمون.. ريحة الطين المخلوط بمية الورد اللي كان إبراهيم بيسقي بيها الشجرة طلعت في مناخيري. وبعد فحر نص متر، الفأس خبطت في حاجة حديد.
صندوق صاج صغير ومصدي. فتحته بإيد بتترعش.. وجواه كان الدوسيه الأحمر!
فتحت الدوسيه، ولقيت أوراق رسمية، وعقود، وتقرير طبي قديم، وجنبهم ورقة صغيرة تانية بخط إبراهيم:
”يا زينات، أحمد مش ابننا.. أحمد ابن الراجل اللي اسمه (إسماعيل الغرباوي) اللي جاي يشتري البيت منك النهاردة. إسماعيل ده ساب ابن الرذيلة قدام جامعنا زمان وأنا بنيت عليه اسمي عشان أستر البنت وأحميكِ من قهر الخلفة. وإسماعيل دلوقتي راجع ياخد ابنه والبيت اللي طردته منه زمان.. الدوسيه ده فيه عقد البيع الأصلي للأرض اللي إسماعيل سرقها من أبويا زمان، والتقرير الطبي بيثبت إن إسماعيل عقيم من صغره، يعني أحمد مش ابنه اصلاً، وإسماعيل مبيخلفش وأحمد مجرد لعبة في إيده عشان يذلك ويقهرك.. الورق ده يودي إسماعيل السجن بتهمة التزوير وسرقة أموال قُصّر من تلاتين سنة.. احمي نفسك يا زينات.”
الدنيا لفت بيا.. أحمد مش ابني؟ البشمهندس اللي شقيت عشانه طلع ابن الراجل اللي جاي يطردني من بيتي؟ والراجل ده أصلاً بيخدع أحمد ومفهمه إنه أبوه الحقيقي عشان ينتقم من إبراهيم الله يرحمه فيا؟!
فجأة، الباب الخارجي للبيت اتكسر.
دخل أحمد وهو بيجري ووشه مخطوف، ووراه إسماعيل الغرباوي وبطنه منفوخة بالشر، ومراته كاريمان بتعيط بره.
أحمد شاف الصندوق والدوسيه في إيدي، برّق وقالي بذهول:
— إيه ده يا أمي؟ إنتي بتعملي إيه؟
إسماعيل الغرباوي ضحك بانتصار:
— أه.. الدوسيه الأحمر! إبراهيم المحامي كان دايماً بيحب يلعب في المضمون.. بس خلاص يا زينات، اللعبة خلصت، ابنك معايا، والبيت بقا بتاعي، والورق ده ملوش قيمة!
وقفت بكل ثبات، ولميت الورق في حضني، وبصيت لأحمد وقلت له ونبرة صوتي كلها حسم:
— أحمد.. الراجل ده مش جاي ينقذك من ديونك.. الراجل ده بيستغلك عشان يكسرني ويسرق أرض أبوك اللي بنا عليها البيت.. الراجل ده هو اللي زور ورق ديونك عشان يلوي دراعي بيك!
أحمد بص لإسماعيل بزهول: “الكلام ده صح يا باشا؟ إنت مش قلت لي إنك بتساعدني عشان أنا زي ابنك اللي مخلفتوش؟”.
إسماعيل وشه اتغير، وملامح الخبث ظهرت عليه، وقال ببرود: “ابن مين يا روح أمك؟ إنت مجرد حتة عيل جاهل استخدمته عشان أرجع حق قديم.. الورق ده لو مطلعش حالا، أنا هحبسك بالوصولات اللي معايا يا أحمد!”.
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت البنت الموظفة بتاعة الشهر العقاري، ومعاها اتنين رجالة بهيبة حكومية.. وبصتلي وقالت:
— الست زينات.. أنا (نهى) بنت أخو إبراهيم الله يرحمه.. عمي أمنّي على السر ده من سنين وقالي اليوم اللي أحمد يجي يخلي زينات تمضي، تفتحي الخزنة وتديلها الصورة.. ومعايا رجال المباحث الأموال العامة يا ست زينات.
إسماعيل الغرباوي وشه جاب ألوان، وحاول يهرب، بس رجالة المباحث كانوا أسرع منه، وكلبشوه بالورق والتزوير القديم والجديد اللي كان معاه في الشنطة الجيب.
أحمد قعد على الأرض، مكسور، ضايع، مش فاهم هو ابن مين ولا رايح فين.. بصلي وعينه مليانة دموع:
— سامحيني يا أمي.. أنا طمعت، كرميان عمت عيني، والراجل ده ضحك عليا ووعدني بالمليونيرية.. أنا أسف.
بصيت له، ودمعة نزلت من عيني.. ربيت وكبرت، والقلب مبيكرهش اللي رباه.. بس القانون لازم يأخد مجراه.
قلت له وأنا ببص لشجرة الليمون:
— العفو عند المقدرة يا أحمد.. أنا مش هرميك، والبيت هيفضل مفتوح لك، بس من النهاردة.. مفيش مضا مضيتها هتمشي عليا، والبيت ده هيفضل باسم زينات عبد الرحمن المنصوري.. لآخر يوم في عمري.
ومشيت خطوتين، قطفت ليمونة من الشجرة، وعصرتها على إيدي اللي كانت بتترعش.. والوجع راح.. كأنه مكنش موجود من الأصل.

