وجع لا ينتهي 3

ودارت الأيام وكتبنا الكتاب، ودخلت بيت عبد العزيز وأنا حاطة إيدي على قلبي، بدعي ربنا يديم عليا الراحة اللي حسيت بيها من أول يوم. عبد العزيز مكدبش عليا في كلمة، من أول ليلة دخلت فيها بيته وهو شايلني فوق راسه، بيعاملني كأني ملكة، بيحترم كلمتي ويقدر وجودي، ويهون عليا كل اللي شوفتة في عمري اللي فات.

لكن العوض الكبير، والشفا اللي دخل قلبي وهدا شروخه، كان من يوسف.

في أول أسبوع لينا سوا، كنت واقفة في المطبخ بجهز الغدا، وبعمل له الأكل اللي بيحبه، لقيت يوسف دخل ووقف جنبي، عينه كانت بتلمع بكسوف وبراءة، وفضل يفرك في إيديه وهو متردد.

لفيت وشي ليه وابتسمت وقولتله: “مالك يا حبيبي؟ واقف محتاج حاجة؟ الأكل خلاص قرب يجهز”.

بلع ريقه وبص في الأرض، وبعدين رفع عينه في عيني وقالي بصوت واطي ومتردد، بس طالع من وسط ضلوعه: “هو… هو أنا ينفع أقولك يا ماما؟ أنا بقالي سنين نفسي أقول الكلمة دي لأم بجد… وأنتِ من يوم ما دخلتِ البيت وأنا حاسس إنك أمي”.

في اللحظة دي، حسيت كأن السكاكين اللي كانت مدقوقة في راسي وفي قلبي السنين اللي فاتت كلها اتشدت ووقعت. الدموع نزلت من عيني زي الشلال، بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا رخص، كانت دموع جبر الخاطر من رب العباد.

نزلت لمستواه وخدته في حضني، حضنته بكل قوتي وبقيت أعيط وأنا بطبطب عليه وهو كمان حضنني وبكى في كتفي. الكلمة اللي بخل بيها عليا ابني اللي من لحمي ودمي عشان خاطر فلوس ومظاهر، قالهالي طفل يتيم محتاج للحنان، قالهالي وهو مش مستني مني غير لقمة حلوة ودعوة من قلبي.

قولتله وأنا بمسح دموعه ودموعي: “قولها يا قلب ماما.. قولها يا حتة من عمري، أنا ماليش في الدنيا دي غيرك أنت وأبوك”.

ومن اليوم ده، وبقت الدنيا تضحكلي من جديد. يوسف بقى يدخل من باب الشقة يصرخ بأعلى صوته: “يا ماما.. يا ماما أنا جيت!”، يجري عليا يحكيلي عن صحابه وعن دروسه، وأنا أقعد أذاكرله وأأكله، بس المرة دي مكنتش حاسة إني “دادة” مدفوع لها الأجر ولا سجانة، كنت حاسة إني أم حقيقية، سلكت طريق الحنان ولقيت اللي يقدره.

عبد العزيز لما كان يدخل ويشوف يوسف قاعد في حضني وبيضحك، عينه كانت بتدمع من الفرحة، يقرب مننا ويقولي: “ربنا يخليكي لينا يا نجوى، أنتِ أحيتِ البيت ده ورديتِ الروح ليا ولابني”.

كل واحد فينا عوض التاني عن النقص اللي كان هيموته؛ يوسف لقى الأم الحقيقية اللي تسهر عليه وتخاف عليه من الهوا، وعبد العزيز لقى الست الأصيلة اللي تصونه وتشاركه أيامه بالمعروف، وأنا… أنا لقيت ابني اللي بجد، ولقيت الكلمة اللي عشت عمري كله مستنياها، تطلعلي بالحق ومن غير تمن. وعرفت إن تدبير ربنا فوق الكل، وإنه لما قفل باب الجحيم، فتحلي طاقة من طاقات الجنة.

 

ومرت الأيام والشهور، وأنا عايشة في جَنّتي الصغيرة مع عبد العزيز ويوسف، بعوضهم ويعوضوني عن كل حرمان شُفناه.. لحد ما في يوم، الباب خبط.

فتحت، لقيت شريف واقف قدامي. بس مكنش شريف الشاب الطاير بفرحته ولا اللي صوته تخن عليا بكلمة “طنط”.. كان واقف دبلان، مكسور، وعينه في الأرض ماليها الخزي. دخل وقعد على أول كرسي وقابلني وهو حاطط راسه بين إيديه، وصوته بيترعش وهو بيقول: “الحقيني يا ماما.. الدنيا اتهدت فوق دماغي”.

كلمة “ماما” طلعت منه مخنوقة، بس قلبي المرة دي متهزش ليها زي زمان.. قلبي كان اتشفى واتملى بحب يوسف. قعدت قصاده بكل هدوء وقولتله: “خير يا شريف؟ إيه اللي جابك وإيه اللي هَد الدنيا فوق دماغك؟ مش أنت قاعد في الشقة العالبحر وفلوس ماما سلوى مغرقاك؟”

رفع راسه والدموع نازلة على خده وقال: “المعجزة حصلت يا ماما… المعجزة اللي مكنش حد يتخيلها بعد السنين دي كلها.. ماما سلوى حملت

عدلت جلستي وبصيت له بذهول.. قولتله: “حامل؟ بعد العمر ده كله السنين دي كلها؟”

هز راسه وهو بيمسح دموعه بقلة حيلة وقال: “أيوه يا ماما.. حامل في الشهور الأولى، والمعجزة اللي مكنش حد يتوقعها حصلت.. ومن ساعتها والدنيا اتقلبت فوق دماغي. حنفية الفلوس اللي كنت غرقان فيها اتقفلت بالضبة والمفتاح.. مبقاش فيه هدايا، ولا مصاريف، ولا الدلع بتاع زمان”.

كمل شريف وهو مخنوق بالكسرة: “حتى وجودي في بيت أبويا مبقاش مرحب بيه زي الأول.. بقيت لما أدخل هناك، أحس إني غريب وثقيل على قلبهم. أبويا مبقاش شايف في الدنيا غيرها وغير اللي في بطنها، وكل ما أفتح بوقي وأطلب منه قرش عشان أمشي حالي، يبصلي بضيق ويقولي: (اعذرنا يا شريف، الحمل ومصاريف الدكاترة أولى، وماما سلوى لازم ترتاح ومحدش ينكد عليها.. أنت راجل طول الباب وعيب تمد إيدك لينا بعد ما جوزناك).. رموني يا ماما.. رموني من قبل ما العيل يشرف الدنيا أصلاً.. خافوا على قرشهم من دلوقتي ونسيوا كل اللي فات”.

وقفت وبصيت له.. وافتكرت نفسي لما كنت بقعد في الصالة الضلمة مستنية يوم الأحد ييجي عشان يرجعلي، ولما يرجع يقولي “ماما سلوى م بتعملش كده”. افتكرت يوم ما رماني ورا الكوشة وباعني عشان قرشين الدهب والمظاهر الكدابة.

قولتله بصوت هادي وقوي، صوت الست اللي مبقاش في قلبها مكان للضعف: “دلوقتي بقيت ثقيل يا شريف؟ دلوقتي حَسيت بالرخص وبقيت شايف نفسك مالكش لازمة بعد ما المصلحة قربت تخلص؟ السنين اللي فاتت كنت شايفني سجانة ونكدية، وكنت بتبخل عليا بكلمة ماما عشان مشاعرها.. أهو ربنا دار الدائرة من قبل ما الواد يتولد حتى، والفلوس والمظاهر اللي بعتني وعشت بالطول والعرض عشانها، طلعت كدابة.. وأول ما حسوا إن هييجي ليهم عيل من صلبهم، مَحوا وجودك وباعوك في ثانية زي ما باعوني زمان”.

قرب مني وحاول يمسك إيدي وهو بيعيط: “سامحيني يا ماما.. أنا ماليش غيرك، أنا حاسس إن الدنيا ضاقت بيا ومراتي بدأت تتغير عليا لما الفلوس اتمنعت.. خذيني في حضنك يا أمي”.

في اللحظة دي، دخل يوسف من باب الشقة وهو شايل شنطته، وأول ما شافني جري عليا ورمى نفسه في حضني وهو بيقول بفرحة ملّت المكان: “ماما! أنا نجحت وجبت الدرجات النهائية اللي كنتِ عاوزاها!”

حضنت يوسف وبست راسه بكل حنية، وبصيت لشريف اللي كان قاعد مذهول وعينه مكسورة وهو شايف ابني الجديد في حضني، وقولتله بقلب جامد: “المسامحة عند ربنا يا شريف.. بس أنا خلاص، قلبي مَفتوحش غير للي صانه وعرف قيمتي.. أنت اختَرت طريقك زمان ونَسيتني وأنت قوي وفرحان، والنهاردة رب العباد رد لي اعتباري من قبل ما العيل يتولد.. روح يا ابني، دور على حياتك بعيد عني، أنا هنا نجوى.. أم يوسف وزوجة عبد العزيز وبس”.

ومرت الشهور.. كل شهر بيعدي كان بيبعدني أكتر عن ماضيَّ، ويقربني من دنيتي الجديدة اللي نورت بوجود عبد العزيز ويوسف. وفي الناحية التانية، كانت الشهور بتمر على طليقي وسلوى وهم عايشين في ترقب وانتظار للمعجزة اللي هتنور حياتهم، وميعرفوش إن تدبير ربنا كان بيطبخ على نار هادية.

وجاء يوم الولادة.. اليوم اللي كانوا مستنيينه عشان يكتبوا فيه شهادة ميلاد فرحتهم، وينهوا بيه وجود شريف تماماً.

دخلت سلوى المستشفى في زفة، وجوزي القديم واقف برة صدره منفوخ من الفخر، مستني اللحظة اللي يشيل فيها حتة من صلبه من الست اللي عاشت طول عمرها محرومة. لكن أمر ربنا نفذ في ثانية.. خرج الدكتور بوش خطفه الحزن والكسرة، وبص لطليقي وقاله الكلمة اللي هدت كل قصور الأوهام اللي بَنَوها: “البقاء لله.. الطفل اتولد ميت.. والمدام تعبانة جداً”.

الخبر نزل عليهم زي الصاعقة.. الطفل اللي قفلوا بسببه حنفية الفلوس على شريف، واللي باعوا دنيتهم وأخرتهم وباعوني علشانه، نزل ج*ثة حامدة لا راحت ولا جاءت.

من اليوم ده، والبيت الكبير الغالي اتقلب لخرابة ضلمة.. سلوى دخلت في نوبة اكتئاب حاد، نوبة سودة قفلت عليها باب أوضتها بالشهور. مبقتش تطيق تشوف النور، ولا تطيق تسمع صوت حد. بقت قاعدة وسط دكاترة النفسيين، والعلب الأدوية والمهدئات بقت ماليّة الكومودينو جنب سريرها.. تاخد الحباية من هنا وتنام زي الج*ثة، وتصحى تصرخ وتعيط على ضناها اللي راح قبل ما تشوفه.

وطليقي.. بقى زيها بالظبط، السواد والهم ركبوه من ساسه لراسه. الضحكة اللي كانت بتملى وشه وهو رايح لها هربت ومبقتش تعرف طريق شفايفه. بقى يبص لحاله في المراية يلاقي راجل عجوز مكسور، لا طال زوجة تصونه في كبره، ولا طال العيل الصغير اللي كان بيحلم بيه، وحتى شريف ابنه بقى غريب وعينه مكسورة ومبقاش طايق البيت.

حاول بكل الطرق إنه يخرج.. ويخرجها من بير الحزن ده. بقى يدخل عليها الأوضة بالهدايا، ويفتح الشبابيك ويقولها بصوت مخنوق من كتر الوجع: “قومي يا سلوى.. قومي يا بنت الناس عشان خاطري، بلاش تعملي في نفسك كده، ربنا يعوضنا.. تعالي نخرج، تعالي نسافر أي حتة نغير جو ونسى”.

لكن مفيش فايدة.. كانت تبص له بعيون دبلانة، مفيش فيها أي روح، وتدير وشها الناحية التانية وتسكت، أو تصرخ فيه وتقول له: “اخرج بره وسيبني في حالي! أنت مش حاسس بالنار اللي في قلبي!”.

بقى يخرج من الأوضة ويقعد في الصالة لوحده، يبص لحيطان بيته الغالي اللي ملوش أي قيمة من غير روح، ويفتكر.. يفتكر صرختي ودعوتي في نص الليل لما سابني لوحدي كأني غريبة وراح يحتفل بذكرى جوازه. يفتكر قهرتي الليلة دي.. وعرف إن الوجع اللي سقاوهولي بالكاس، أهو ربنا دار الأيام وسقاهم منه بحور، ومفيش أي دوا في

الدنيا قادر يخرجهم من العذاب ده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *