بعد 3سنتين 1
نور محمد
بعد ٣ سنين من طلاقي وطردي من بيتي في نص الليل، طليقي كلمني فجأة بيترجاني وبيبكي:
“أبوس إيدك يا رحاب، تعالي المستشفى فوراً… بنتي بتموت ومحتاجاكي.”
رديت عليه ببرود وأنا بقلب فنجان قهوتي:
– “بنتك من مراتك الجديدة؟ وأنا مالي يا ‘عمر’؟ ربنا يتولاها… أنا معنديش عيال، نسيت؟”
عمري ما هنسى صوته وهو بيترعش وبيقولي الجملة اللي وقفت الدم في عروقي:
– “البنت دي مش بنتها… دي بنتك إنتي يا رحاب… بنتك اللي قالولك إنها ماتت في الحضانة!”
الموبايل وقع من إيدي.
شريط ذكريات أسود مر قدام عيني… يوم ما ولدت في السابع بسبب ضغطي العالي، ويوم ما فقت لقيت حماتي بتعيط وبتقولي “البقاء لله، البنت نزلت ميتة”.
وبعدها بشهرين… عمر طلقني بحجة إن حالتي النفسية ساءت ومبقتش أصلح زوجة، وراح اتجوز “شيرين” بنت عمته.
بعد نص ساعة، كنت بجري زي المجنونة في طرقة مستشفى استثماري كبيرة في القاهرة.
أول ما شفت عمر، كان ساند على الحيطة، وشه شاحب وهدومه متبهدلة.
مسكته من ياقة قميصه وصرخت فيه:
– “إنت بتقول إيه؟! بنتي فين؟ إزاي عايشة؟!”
مردش، بس شاورلي على أوضة العناية المركزة.
وقفت قدام الإزاز… شفت بنت صغيرة متوصلة بالأجهزة، ملامحها… ملامحي! نفس شعري، نفس رسمة العين… دي أنا وأنا صغيرة!
– “ليه عملت كده يا عمر؟! ليه حرمتني من ضنايا؟!” صرخت وأنا بضربه على صدره بانهيار.
رد وهو بيبكي:
– “شيرين كانت مبتخلفش… وأمي أقنعتني إننا نكتب البنت باسمها عشان تفضل في حضننا، وإنك لسه صغيرة وممكن تتجوزي وتخلفي تاني… كدبنا عليكي وقولنالك ماتت.”
كنت لسه هرد وأهجم عليه، بس فجأة…
صوت كعب عالي بيخبط في الأرض بسرعة.
“شيرين” ظهرت في آخر الطرقة، عينيها بتطق شرار، وأول ما شافتني، بصت لعمر بحدة وصرخت:
– “إنت جبتها هنا ليه يا غبي؟! إنت ناسي إحنا متفقين على إيه؟ البنت دي لازم تموت النهارده!”
عمر بصلها برعب وقال:
– “إنتي اتجننتي يا شيرين؟! البنت بتموت ومحتاجة نقل دم نادر، ورحاب هي الوحيدة اللي فصيلتها تنفع! دي بنتها!”
شيرين ضحكت بصوت عالي، ضحكة كلها قسوة وجنون خلت المستشفى كلها تبص علينا:
– “بنتها؟! إنت لسه مصدق الكدبة اللي أمك ألفتها عشان ترضيك؟ البنت دي مش بنت رحاب… البنت دي تبقى…”
سكتت فجأة، وبصتلي بنظرة مليانة شماتة ورعب في نفس الوقت، وطلعت ورقة مطوية من شنطتها رمتها في وش عمر.
الأرض لفت بيا… كلامها خلاني أحس إن عقلي هيتشل.
يعني إيه مش بنتي؟! أومال بنت مين؟ وليه شبهي كده؟ وإيه السر المرعب اللي شيرين كشفته في الورقة دي ومخوفها لدرجة إنها عايزة تموت طفلة؟!
فتحت الورقة التي رمتها شيرين في وجه عمر بضعف، تمنيت لو أن عيني تعميان في تلك اللحظة قبل أن أقرأ السطور التي قلبت كل الموازين. لم يكن تقريراً طبياً عادياً، بل كانت شهادة ميلاد أخرى صادرة من مستشفى حكومي يحمل تاريخاً يسبق تاريخ ولادتي للطفلة بأسبوع كامل!
شيرين تقدمت خطوتين، ونبرة الجنون تزداد في صوتها:
– “البنت دي بنت أختك المتوفية يا رحاب! أختك ‘هنا’ اللي سافرت برا مصر وقولتوا إنها ماتت في حادثة… فاكراها؟!”
تراجعت للخلف خطوة، صدمة تلو الأخرى تضرب رأسي كالمطارق. أختي “هنا” اختفت قبل أربع سنوات وانقطعت أخبارها تماماً، وأمي أخبرتني وقتها أنها توفيت في الخارج ولم نستلم ج*ث*تها.
تابعت شيرين بضحكة هستيرية:
– “أمك وعمر اتفقوا عليكي من زمان. أختك رجعت مصر حامل من جوازة سرية، وماتت وهي بتولد البنت دي في نفس المستشفى اللي أمك كانت بتعالج فيها… أمك خافت من الفضيحة والمجتمع، ولما إنتي ولدتي في السابع والبنت بتاعتك ماتت فعلاً في الحضانة، أمك سلمت البنت دي لعمر وحماتك، واتفقت معاهم يكتبوها باسمي أنا وعمر عشان السر يندفن! البنت دي بنت أختك.. والورقة دي هي ورق المستشفى الحقيقي اللي بيثبت نسبها لأختك!”
التفتُّ إلى عمر، كان جاثياً على ركبتيه، يغطي وجهه بيديه ويبكي بنشيج مرير. صرخت فيه بكل ما أوتيت من قوة:
– “الكلام ده صح؟! رد عليا… أمي أنا تعمل فيا كده؟! البنت اللي ماتت في الحضانة كانت بنتي أنا؟ ودي بنت ‘هنا’؟!”
أومأ عمر برأسه إيجاباً دون أن يرفع عينه في عيني، ليؤكد لي أن كل من حول طعنوني في شرفي وعقلي وأمومتي.
في تلك اللحظة، فتح باب العناية المركزة وخرج الطبيب يركض والذعر يملأ وجهه:
– “الفصيلة يا جماعة! البنت نبضها بيقل، محتاجين المتبرع فوراً، مفيش وقت للكلام ده!”
نظرت شيرين إلى الطبيب وصرخت بغل:
– “محدش هيتبرع لها! سيبوها تموت.. البنت دي لو عاشت هتورث كل أملاك أبويا بناءً على الوصية اللي سابتها أخت رحاب قبل ما تموت، والوصية دي بتقول إن الأملاك تروح لـ ‘بنت هنا’ بشرط تظهر الحقيقة! لو ماتت، كل حاجة هترجع ليا أنا وعمر!”
رغم الدوار الذي أصابني، ورغم أنني اكتشفت أن الطفلة ليست ابنتي بل ابنة أختي الراحلة، إلا أن نظرتي إليها من خلف الزجاج وهي تصارع الموت حركت في داخلي غريزة لم أستطع التحكم بها. نفس الملامح، نفس الدماء.
دفعت شيرين بكل قوتي وأمسكت بيد الطبيب:
– “أنا جاهزة.. أنا خالتها، وفصيلتي مطابقة، خد مني كل دمي بس تعيش!”
التفتت إليّ شيرين وعيناها تلمعان بشر مستطير، وأخرجت من حقيبتها هاتفاً محمولاً، ووجهت الشاشة نحوي قائلة ببرود قاتل:
– “لو خطوتي خطوة واحدة جوة الأوضة دي يا رحاب، اضمني إن أمك مش هتبات في بيتها النهارده… أنا بلغت الشرطة عن قض*ية تزوير وقت*ل خطأ للمولود الحقيقي، والفيديو ده فيه اعتراف أمك بكل حاجة وهي بتبكي قبل سنة… اختاري يا تنقذي بنت أختك، يا تدخلي أمك السجن!”
وقفت حائرة بين طفلة بريئة تلفظ أنفاسها الأخيرة خلف الزجاج، وبين أمٍّ خانتني لكنها تظل أمي، وبين عمر الذي بدا وكأنه يعرف مصيراً أسوأ مما قالته شيرين، ونظراته لي كانت توسلاً غامضاً يشي بأن السر لم ينتهِ عند هذا الحد بعد.

