الطلاق حكايات علي ابو الدهب 2
الجزء الثاني والأخير
القاعة كلها سكتت، ومبقاش مسموع غير صوت ورق الدوسيه الأسود وأنا بقلبه بكل برود. رامي كان باصصلي وهو ميعرفش إيه اللي جوه، بس ملامح الوش الخشب اللي أنا كنت شايلاها لـ 15 سنة بدأت تقلق المحامية بتاعته.
وقفت بثقة وبصيت للست المستشارة وقلت:
— “سيادتك، الأستاذ رامي بيقول إني مكنتش شريكة، إني كنت مجرد فازة في البيت.. تمام، خلونا نشوف الفازة دي كانت بتعمل إيه.”
طلعت أول حزمة ورق وقدمتها للمحكمة:
— “ده ملف كامل فيه كل التقارير المالية والعقود بتاعة الشركة من سنة 2014 لسنة 2020. كل ورقة من دول عليها تعديل بخط إيدي أنا، وإيميلات رسمية من إيميلي السري اللي كنت بدير بيه الصفقات لما الأستاذ رامي كان بيبقى مش في وعيه أو مسافر برة مع المحروسة.”
المحامية بتاعته اتنفضت من مكانها:
— “اعتراض يا فندم! دي مجرد أوراق قديمة م تفرقتش في أصل ملكية الشركة.”
بصيتلها وابتسمت ابتسامة ثقة وكمّلت:
— “استني بس يا أستاذة، التقيل جاي ورا.. سيادة القاضية، في سنتين 2018 و 2022، شركة الأستاذ رامي كانت على شفا الإفلاس، وكان خلاص هيتحجز عليها والباشا هيدخل السجن. في الوقت ده، ظهرت شركة استثمارية اسمها ‘شمس القلوب’ وضخت ملايين عشان تنقذ الشركة من الضياع.”
رامي هنا اتكلم بصوت عالي ومن غير إذن:
— “دي مجموعة مستثمرين أجانب! أنتِ إيه عرفك بيهم أصلاً؟”
خبطت الست المستشارة بالشاكوش:
— “هدوء في القاعة! كملي يا مدام مريم.”
طلعت السجل التجاري والبطاقة الضريبية لشركة “شمس القلوب”:
— “المستثمر الأجنبي ده يبقى أنا يا فندم. الشركة دي مسجلة باسم والدتي (خديجة عبد الرحمن)، وأنا الوكيل الوحيد والمفوض بإدارة كل حساباتها. الفلوس اللي أنقذت شقا عمره اللي بيتمنظر بيه، كانت فلوسي أنا.. من حساب استثماري بدأته بملاليم من وراه، وكبرته لما كنت بسهر الليل بدرس وبشتغل وهو فاكرني نايمة.”
في اللحظة دي، القاعة مقلوبتش.. القاعة اتصعقت!
رامي وشه قلب ألوان، وبدأ العرق ينزل على جبينه، والدم هرب من عروقه لدرجة إن شفايفه ابيضت. بص للمحامية بتاعته وهو مشوش وكأنه مش مستوعب الصدمة.
أما ليلى اللي كانت قاعدة ورا وبتضحك، الضحكة اتمسحت من على وشها، وفضلت باصة لـ رامي وهي مستنية ينكر، بس ملامح الرعب اللي على وشه كانت كافية تقولها إن كل كلمة بقولها صح.
كمّلت كلامي ووجهت نظري لـ رامي مباشرة:
— “الأستاذ بيقول إني عايزة أخد نص شقاه.. أنا مش عايزة نص حاجة. أنا هنا عشان أثبت للمحكمة إن الشركة دي، والبيت ده، والفلوس اللي في حساباتك، أنا اللي حميتها وأنا اللي كبرتها.. وبناءً على العقود اللي بين شركتي وشركتك وقت الأزمة، أنا ليا حق الاستحواذ على 60% من أسهم شركتك كديون متأخرة الدفع!”
المحامية بتاعته قعدت على الكرسي وهي مش عارفة تنطق بكلمة. الدوسيه الأسود مكنش مجرد ورق، ده كان حبل المشنقة اللي لفيت بيه كدب 15 سنة في ثواني.
الست المستشارة بصت في الورق بتركيز شديد، ورفعت نظارتها وبصت لـ رامي وقالتله:
— “أستاذ رامي.. عندك أي رد على المستندات دي؟”
رامي حاول يتكلم، فتح بقه بس صوته مطلعش.. بص للأرض وهو حاسس بالهزيمة الساحقة قدام الصحفيين والناس اللي كان بيتمنظر قدامهم من شوية.
وبعد مداولة مستمرتش كتير..
المحكمة حكمت بتمكين مدام مريم من كافة حقوقها الشرعية، مع التحفظ على أسهم الشركة لحين تسوية ديون شركة “شمس القلوب”.
وأنا خارجة من قاعة المحكمة، الصحفيين جريوا عليا والفلاشات بدأت تنور في وشي. رامي كان واقف ورايا، مكسور، وحواليه ليلى وهي بتزعق وتطالبه بوعوده ليها بعد ما عرفت إن “الإمبراطور” طلع مملكش حاجة من غيري.
لفيت وبصيت له لآخر مرة، وقلت له بثقة وهدوء:
— “الورد اللي مكنتش بعرف أنقي غيره يا رامي.. طلع ليه شوك، والشوك ده هو اللي هدم مملكتك الكدابة.”
خرجت لخطوتي الجديدة، وأنا مش الزوجة الضحية ولا الفازة المنسية.. أنا مريم Salcedo.. الست اللي بنت وهدمت الإمبراطورية في نفس الوقت.
بصيت ورايا للمرة الأخيرة، وسبت رامي واقف في الممر زي التائه، المحامية بتاعته عمالة تلم في الورق وهي بتبرطم، وليلى صوتها بدأ يعلى وهي بتسأله: “يعني إيه؟ يعني كل ده كان كدب؟ أنت مملكش حاجة؟”
ركبت عربيتي، ولأول مرة من ١٥ سنة، حسيت إن النفس اللي داخلي ده ملكي أنا، مش مكتوم ولا خايف من حد.
بعد مرور شهر واحد
السيناريو اتدير ١٨٠ درجة.
رامي حاول يكلمني ميت مرة، بعتلي رسايل يتأسف، ويقولي: “يا مريم احنا عشرة عمر.. بلاش تخربي بيتنا وتضيعي اسمي في السوق.”
طبعًا مكنش باقٍ على العشرة، هو كان مرعوب من خطوتي الجاية، لأن الديون اللي على شركته لصالح شركتي “شمس القلوب” كانت تمنها الاستحواذ الكامل.
أنا منفضتش من خطتي؛ نفذت الصيغة التنفيذية للحكم، ودخلت الشركة مش كزوجة جاية تزور جوزها، دخلتها وأنا رئيسة مجلس الإدارة الجديدة، معايا قوة القانون والأسهم.
يومها، رامي كان قاعد في مكتبه، باصص للكرسي الكبير بتاعه وهو عارف إنه مبقاش له مكان فيه.
دخلت المكتب، حطيت شنطتي، وبصيت له وقلت له ببرود:
— “قدامك ساعة واحدة تلم فيها حاجتك الشخصية من المكتب ده يا رامي.. الأمن برة مستني عشان يستلم منك الكارنيه والمفاتيح.”
وقف وبصلي بغل وهو مش قادر يستوعب:
— “هتطرديني من شركتي يا مريم؟”
رديت عليه وأنا بقعد على الكرسي بتاعه:
— “دي مش شركتك.. دي الشركة اللي أنت كنت بتبوظها وأنا بديرها من الضلمة. الحقيقة ظهرت خلاص، والست اللي كانت ‘مالهاش عازة’ هي اللي قاعدة على الكرسي ده دلوقتي.”
خرج من الشركة مكسور، في نفس الممر اللي كان بيمشي فيه ويتنطط على الموظفين، خرج والكل باصص له وهو مش قادر يرفع عينه في الأرض.
النهاية
بعدها بكام شهر، عرفت إن ليلى سابته أول ما الحنفية اتفلت والفلوس طارت، ورفعت عليه قضية نفقة كمان! وبقى هو عايش في شقة إيجار صغيرة، بيحاول يبدأ من الصفر، بس السوق كله عرف إنه كان مجرد “واجهة” وأن العقل المدبر كان أنا، فمحدش بقى يرضى يعمل معاه صفقات.
أما أنا.. فتحت الكشكول الأسود بتاعي تاني، ومسكت القلم، وشطبت على الجملة القديمة وكتبت تحتها:
”اليوم.. أنا مش مجرد ست بتحفظ تاريخها عشان ماليش ضهر.. النهارده أنا بقيت التاريخ والمستقبل.. والامبراطورية بقت بتاعتي أنا.”
