بقلم روماني مكرم 3

تناثرت زجاج النوافذ في كل اتجاه، وساد الفوضى المكان في ثوانٍ معدودة.

ارتطم المحامي فرج بالأرض وهو يصرخ بانهيار صارعًا رأسه بيده، بينما انبطح مخبرو المباحث على الأرض بسرعة احترافية وسحبوا أسلحتهم النارية، متخذين من المكاتب الخشبية والقطع الأثاثية الثقيلة سواتر يحتمون خلفها.

أما الرائد هشام، فبدهاء وخفة، اندفع نحوِي وضغط على كتفي بقوة ليجبرني على الانخفاض خلف الطاولة الجلدية الضخمة، صارخًا بصوت هز أركان الشقة:

— “اخفضوا رؤوسكم جميعاً! حماية المحيط فوراً!”

الوحيد الذي لم ينبطح كاملاً كان كمال الباشا؛ اكتفى بالانحناء خلف عمود خرساني مجاور للنافذة، وكانت عينياه تتطاير منهما شرارات غضب مرعب. لم يكن خائفاً من الرصاص بقدر ما كان غاضباً لأن الأمور خرجت عن نطاق سيطرته المطلقة التي اعتاد عليها.

انطلق صوت إطلاق نار آخر من الشارع الأسفل، متبوعاً بصريخ ناس وتدافع أقدام في الحارة الضيقة بالسيدة زينب.

صرخ الرائد هشام في الجهاز اللاسلكي المعلق على صدره، وصوته يقطع صخب الرصاص:

— “دورية الدور الأول! إيه اللي بيحصل برة؟! مين اللي بيطلق نار؟!”

جاءه الصوت من اللاسلكي مشوشاً ومصحوباً بصوت طلقات متقطعة:

— “يا فندم!يهجم مسلحون على العمارة! فيه عربية دفع رباعي سوداء وقفت نزل منها ثلاثة مسلحين.. صفّوا رجلين من رجالة كمال الباشا اللي كانوا واقفين تحت، وواخدين صباح وأخوها جمعة رهائن في مدخل الشارع!”

التفتُّ وأنا تحت الطاولة نحو كمال الباشا.

كان يحاول إخراج هاتفه ببدلة الرمادية التي تلوثت بغبار الزجاج المكسور، وحشرج بصوت كالحديد المصدوم:

— “دول مش رجالي.. دول رجالة ‘الشيخ سليم’!”

الكلمة قطعت شك الشك باليقين.

الشيخ سليم.. الاسم الذي كان سيد يذكره بهمس مرعوب كلما سكر في أواخر أيامه، الاسم الذي كان يمثل الحوت الأكبر في سوق سيناء وبورسعيد، والذي لم يكن أحد يجرؤ على نطق اسمه في اجتماعات التجّار.

التفت الرائد هشام لنوال بحدة، وعيناه تشتعلان غضباً:

— “مين الشيخ سليم ده يا كمال؟! وبيدخل في اللعبة دي ليه؟!”

رد كمال الباشا وهو يحاول ألا يظهر ضعفه، لكن نبرته خانته:

— “سيد المرحوم.. مكنش واخد الـ 40 مليون مني أنا بس يا هشام بيه.. سيد كان بياخد بضائع مهربة لحساب الشيخ سليم ويبيعها في مخازن الجمالية لحسابه الشخصي! لما سيد مات.. الشيخ سليم عرف إن الفلوس والبضاعة راحت، وجاي ياخد حقه بالدم، ومش فارق معاه شرطة ولا نيابة!”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *