بقلم روماني مكرم 3

قبضت على أطراف بدلتِي الرمادية.
سيد لم يكن مجرد رجل أعمال فاشل أو أخ خائن.. سيد كان يغرق في قاع أسود لا نهاية له! كان يداين الجميع، وينصب على الجميع، ورماهم جميعاً في وجهي قبل أن يرحل!
وفجأة، توقف إطلاق النار في الشارع تماماً.
حلّ صمت أشد رعباً من صوت الطلقات.
صوت خطوات جزم ثقيلة صعدت السلم ببطء شديد.. خطوة.. تليها خطوة.
الشرطة في الشقة كانت في موقف حرج؛ الرائد هشام ومعه أربعة مخبرين فقط، بينما الطرف المقابل عصابة من المسلحين لا تبالي بوجود القانون.
انسحب الرائد هشام ببطء صوب الباب، وهو يشير لرجاله بالاستعداد للتبادل، ثم التفت إليّ وقال بصوت منخفض جداً:
— “أستاذة نوال.. أدخلي الحمام الصغير اللي في الممر واقفلي على نفسك بالمفتاح. دي مش حربك.”
نظرت في عينيه، وفي عين كمال الباشا المذعور لأول مرة، وفي الورق المبعثر على الأرض الملطخ بالدم والغبار.. وقفت بثبات رغماً عن الرعب الذي ينهك جسدي.
— “لا يا سيادة الرائد..” قلتها بصوت ثابت كالجبل: “دي حربي أنا من اللحظة الأولى. والشيخ سليم مش جاي عشان صباح ولا كمال.. الشيخ سليم جاي عشان البضاعة اللي محبوسة في مخازن الجمالية.. والمخازن دي، مفاتيحها وشيفرة خزائنها مش مع حد في الدنيا دي غيري أنا!”
كمال الباشا نظر إليّ بذهول، وكأنه يرى امرأة أخرى غير التي كان يهددها منذ ساعة:
— “أنتِ مجنونة؟! دول مش بتوع محاكم وتنازلات يا نوال.. دول هيصفّوكي في مكانك!”
ابتسمت له ابتسامة شاحبة، وسحبت من جيب بدلتِي الميدالية الحديدية الثقيلة التي تحمل المفاتيح الماستر لمخازن الجمالية.
— “اللي يعيش عشرين سنة في الضلمة يربي سيد ويكبّره.. ما يخافش من شويه قطاع طرق يا باشا.”
وفجأة.. اندفع باب المكتب الخارجي لداخل الشقة بقوة هائلة بعد أن نسفوا القفل بطلقة خرطوش حيّة!
انفجر الغبار في الممر، وظهر من بين الدخان رجل ضخم الج\ثة، يرتدي عباءة داكنة ويلف وجهه بشال بدوي، يحمل في يده س\لاحاً آلياً متطوراً، وخلفه اثنان من المسلحين يجرون صباح المنهارة وجمعة الناحب المدمى الوجه.
جرد الرجل الضخم الغرفة ببعينين نفاذتين كالحديد المحمى، وتجاهل أسلحة الشرطة الموجهة نحو صدره كأنها لعب أطفال.


