بقلم روماني مكرم 3

— “مين فيكم نوال عبد الصمد؟” قالها بصوت بحّاح يشبه صفير الريح في الصحراء.
خطوت خطوة واحدة للأمام، خروجاً من خلف الساتر، ووقفت في صدر الأوضة، بدلتِي الرمادية متسخة والغبار يعلو شعري، لكن رأسي كان مرفوعاً للسماء.
— “أنا نوال عبد الصمد..” قلتها بثبات زلزل الأوضة: “وأنت أكيد الشيخ سليم.. مرحب بيك في القاهرة.”
صمت الشيخ سليم لثوانٍ معدودة. عيناه النفاذتان تفحصتاني ببرود تحته بركان ثائر، ثم انحرفت نظراته نحو الميدالية الحديدية الثقيلة التي كنت أقبض عليها في يدي بثبات.
خطا خطوة واحدة داخل الأوضة، وصوت حذائه الثقيل على الزجاج المكسور كان يرن كجرس الإعدام. الرائد هشام رفع مس\دسه مباشرة ونشّن على صدر الشيخ سليم، بينما رجاله الأربعة أخذوا أوضاعاً قتالية حادة، لكن الشيخ سليم لم يرمش له جفن، ولم يلتفت حتى لرجال الشرطة.
— “المرحوم سيد كان حمار..” قالها الشيخ سليم بصوت بحّاح ولهجة بدوية ثقيلة، نفس الكلمة التي قالها كمال الباشا من قبل: “كان فاكر إنه يقدر يهرب ببضاعة بـ 60 مليون جنيه في مخازن الجمالية، ويقفل تلفونه ويموت بالسكتة! بس هو مكنش عارف إن البضاعة دي بتاعت ناس ما بتموتش، وما بتبلعش الخسارة.”
رمى الشيخ سليم بنظره نحو صباح وجمعة الملقيين على الأرض عند مدخل الممر كالتمر المفعوص، وقالهما بنبرة تحتقر الوجود:
— “دول كانوا فاكرين إن الفلوس اللي في البنك هي التركة.. مكنوش يعرفوا إن التركة الحقيقية هي الموت اللي سايبه سيد وراه.”
ثم عاد بظهره ينظر إليّ، وضيق عينيه الشبيهتين بعيني الصقر:
— “أنتِ بقى نوال؟ الاخت اللي كانت بتدير الشغل من السكات؟”
— “أنا نوال عبد الصمد..” قاطعتُه ونبرتي لم تهتز قيد أنملة، رغماً عن الرصاص الموجه والس\لاح الآلي المعلق على كتفه: “وأنا الوحيدة في مصر كلها اللي تعرف المخزن السرّي جوة الجمالية فين، وشيفرة الخزنة الرقمية اللي جواها البضاعة والورق الأصلي بتاع الصفقات. سيد مكنش بيعرف يفتح الخزنة دي أساساً من غير ما يرجعلي.”
في هذه اللحظة، تحرك كمال الباشا من خلف العمود الخرساني، متناسياً الرصاص والشرطة، وقال بصوت مجهد محاولاً استعادة كبريائه:
— “يا شيخ سليم.. نوال كفيل ضامن ليا أنا الأول بـ 40 مليون! الشركة وأصولها وبضاعتها تحت حجز ديوني!”
