جبروت جوزي حكايات علي ابو الدهب 2

مرت سنة كاملة على اليوم اللي غير حياتي. سنة كاملة وأنا ببني في نفسي وفي ابني من جديد، بعيد عن سموم العيلة دي.

​قضية الطلاق للضرر أخدت وقت في المحاكم، بس التقرير الطبي بتاع المستشفى ومحضر الشرطة، بالإضافة لشهادة الجارة اللي شافتني خارجة بوشي المحروق، كانوا مسمار في نعش جوازي من طارق. المحكمة حكمتلي بالطلاق، وبكامل حقوقي، وحضانة مالك بقت معايا بشكل نهائي. طارق حاول يساومني ويتنازل عن القضايا اللي رفعتها ضده مقابل إنه يطلقني بهدوء، بس أنا مسبتش حقي؛ القضاء عاقبه على الاعتداء، وأخد حكم بالحبس مع إيقاف التنفيذ بسبب “الصلح” اللي اضطررت أعمله في شق الاعتداء فقط عشان أخلص من قضايا النفقة والمؤخر بسرعة وأضمن حريتي.

​أما بسمة وطارق وحماتي، فاللعبة بتاعتهم اتقلبت عليهم بشكل درامي. الراجل الغني مطلعش مغفل؛ لما حس بإن في حاجة غلط وتلاعب في المعمل، أخد عينة تانية ووداها لمستشفى حكومي رسمي تحت إشراف النيابة بعد ما رفع قضية إثبات نسب ونصب. التحليل الحقيقي طلع، وبسمة اتكشفت، والراجل مَرحمهمش.. رفع عليهم قضية ابتزاز وتزوير في أوراق رسمية ورشوة. طارق اضطر يبيع عربيتهم، وحماتي باعت صيغتها عشان يدفعوا مصاريف المحامين والكفالات ويطلعوا من القضية دي بأقل الخسائر، بس خرجوا منها “مفلسين” تماماً وفضيحتهم بقت بجلاجل في المنطقة كلها.

​البداية الجديدة

​في محافظة أمي، الدنيا كانت هادية والناس طيبين. بمساعدة أمي وتشجيعها، بدأت أتعافى نفسياً وجسدياً:

​العلاج الجسدي: واظبت على جلسات ليزر لعلاج أثر الحرق. خدي مَرجِعش زي الأول بنسبة 100%، بس الأثر الخفيف اللي فاضل مبقاش يضايقني.. بقيت ببص له في المراية وكأنه “وسام شجاعة”، بيفكرني باليوم اللي قدرت أقول فيه “لأ” وأحمي ابني.

​الشغل والاستقلال: نقلت شغلي للمحافظة الجديدة، ورجعت أمسك فلوسي لنفسي. لأول مرة من سنين، أحس بقيمة القرش اللي بطلعه، بقيت بصرفه على نفسي، على أمي، وعلى مستقبلي ومستقبل ابني، من غير ما حد يستغلني أو يبتزني عاطفياً.

​مالك: دخلته مدرسة جديدة، ونفسيته اتحسنت جداً. مابقاش يسمع صوت زعاق ولا تكسير، وبقى عايش في بيت كله حب وأمان.

​في يوم من الأيام، وأنا قاعدة في البلكونة وبشرب قهوة—آه، بقيت بشربها عادي ومبقتش بخاف منها—لقيت رسالة جاية لي على الواتساب من رقم طارق الجديد. فتحتها وأنا كلي برود وثقة.

​كتب لي: “مريم.. أنا عارف إني غلطت في حقك كتير، والكل اتخلى عني بعد المصيبة اللي حصلت. أنا خسرت كل فلوسي وشغلي، وأمي تعبانة ومفيش حد معانا. أنا ندمان وعايز أشوف مالك.. ومحتاج بس فرصة تانية نصلح بيها اللي انكسر. إنتي دايماً كنتي أصيلة.”

​ابتسمت ضحكة حقيقية الصدمادي.. ضحكة سخرية من البني آدم اللي فاكر إن “الأصالة” معناها إني أفضل مغفلة ومتاحة لاستغلاله طول العمر.

​مسحت الرسالة، وعملت للرقم الجديد بلوك من غير ما أرد بحرف واحد. الصمت ساعات بيكون أقوى رد، والإهمال بيقت/ل النرجسيين اللي زي طارق.

​قفلت الموبايل، وبصيت لمالك وهو بيلعب في الصالة وبيضحك بصوت عالي، وقولت لنفسي: “الحكاية مخلصتش لما القهوة اتدلقت على وشي.. الحكاية بدأت من جديد لما فوقت وعرفت قيمتي

 

بعد ما قفلت الموبايل، أخدت نفس عميق وشميت ريحة الهوا النضيف اللي داخل من البلكونة. لأول مرة من سنين، محستش بالخوف من بكره، ولا بالضغط اللي كان دايماً كاتم على نفسي.

​بصيت لفنجان القهوة اللي في إيدي، ولقيت في وشه المحروق—اللي ملامحه اتغيرت بس روحه رجعت أجمل—حقيقة واحدة: الضربة اللي مابتكسرش الضهر، بتقويه.

​اليوم، وأنا بكتب السطر الأخير في كتاب حياتي القديمة، بقفل الصفحة دي تماماً ومن غير أي ندم:

​طارق وعيلته: بقوا مجرد أشباح في الماضي، بيدفعوا تمن جشعهم وظلمهم، بعد ما فهموا—متأخر جداً—إن الحيطة الساندة اللي كانت شايلّاهم، هدت البيت كله فوق دماغهم لما قرروا يهدوها.

​مالك: كبر سنة، وبقى يضحك من قلبه. مابقاش يخاف من الأصوات العالية، وعاش في بيئة صحية بتعلمه إن الراجل الحقيقي بيحمي الست، مش بيأذيها.

​أنا (مريم): مبقتش “ضحية”؛ أنا ناجية. ربنا عوضني بشغلي اللي بيكبر، وبفلوسي اللي بقت بتبارك في بيتي، وبأمي اللي كانت وما زالت السند الحقيقي.

​”ساعات ربنا بيسمح بالألم عشان يفوقنا من غيبوبة إحنا اخترنا نعيش فيها.”

​الحروق اللي في وشي سابت أثر خفيف، بس الأثر الأكبر كان في شخصيتي. مبقتش أسمح لمخلوق ييجي على كرامتي أو يستغل طيبتي تحت مسمى “الأصالة”. اتعلمت إن التضحية لازم تكون للي يستاهلها، وإن أولى الناس بالحب والرعاية هو نفسي وابني.

​سبت طارق يغرق في ديونه وفضايحه، ومشيت أنا وطريقي كله نور وأمان. قمت من مكاني، دخلت الصالة، وحضنت مالك بكل قوتي وأنا بقوله: “الحمد لله يا حبيبي.. الرواية القديمة خلصت، وحياتنا الحقيقية لسه بتبدأ حالا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *