دخلت شقتي 2 حكايات روماني مكرم

**الجزء الرابع**

مرّت الساعات بعد رجوعي من النيابة وكأنها سنين، لكنها كانت سنين من التشفي والراحة. قعدت على السجادة في وسط الصالة، وحواليا كل الأوراق اللي طلعتها من شنطة مروان الدبلوماسية. كنت بفرزها ورقة ورقة تحت ضوء أباجورة صغيرة، والهدوء اللي في الشقة مابقاش مرعب زي الأول، بالعكس، بقى هدوء الانتصار.

وسط العقود والحسابات البنكية، عيني وقعت على ظرف كرافت بني مقفول بالشمع الأحمر. قفلة الظرف دي كانت بتقول إن اللي جواه أخطر من مجرد فلوس متدارية أو شقة مسروقة. فتحت الظرف ببطء، وطلعت منه أوراق رسمية صادرة من مستشفى تحاليل كبير.. وبدأت أقرأ.

في الأول مافهمتش المصطلحات الطبية، لكن لما وصلت للنتيجة النهائية المكتوبة بالبنط العريض في آخر الصفحة، حسيت إن الأرض بتلف بيا.

التقرير الطبي بيفيد إن مروان عنده عقم كامل وغير قابل للعلاج.. والتاريخ؟ من خمس سنين فاتوا! يعني قبل ما نتجوز بسنتين كاملين!

الصدمة خلتني أضحك بهستيريا.. دموعي نزلت وأنا بضحك.

افتكرت الثلاث سنين اللي عشتهم معاه، افتكرت نظرات الحزن المزيفة اللي كان بيبصلي بيها كل ما الدورة الشهرية تشرف وميحصلش حمل. افتكرت كلامه المسموم وهو بيقولي: “الحمد لله على كل شيء يا هبة، أنا راضي بيكي حتى لو مابتخلفيش، مش هكسر بخاطرك ولا هبص برا”.

افتكرت أمه وهي بتهديني في كل مناسبة وتلمح إني “أرض بايرة” وتدعيلي في الرايحة والجاية إن ربنا يرزقني، وهو يقعد يطبطب عليا ويمثل دور الزوج الشهم النبيل اللي مستحمل عيب مراته وعقمها قدام أهله وقدام الدنيا كلها، ويخليني ألف على الدكاترة، وآكل في نفسي من الذنب والوجع.. وهو عارف البير وغطاه! كان بيمسح فيا عيبه، وبيكسر نفسي عشان يفضل هو البطل الضحية!

مسحت دموعي بسرعة، والكسرة اللي في قلبي تحولت لكتلة من السواد والغل. مروان مش بس خاين.. مروان سادي ومريض، ودلوقتي جه الوقت اللي لازم يتدفن فيه حياً.

سحبت الموبايل، وكلمت أخته الكبيرة “عزة”.. عزة دي كانت أكتر واحدة في عيلتهم بتعاملني بجفاء، وكانت دايماً بتقول في وشي إن أخوها مستخسر شبابه معايا عشان موضوع الخلفية ده.

أول ما ردت، كان صوتها مليان غضب وقرف:

* “عايزة إيه يا هبة بعد الفضيحة اللي عملتيها في أخويا؟ جرسيتينا في المنطقة وخليتي اللي ما يشتري يتفرج علينا! بقى مروان يتعمل فيه كده؟ عشان حتة بت صايعة نزلت تغسله شعره؟”

سكتت خالص لحد ما خلصت وصلة الردح بتاعتها، وقولت بكل برود:

* “خلصتي يا عزة؟ طب اسمعي بقا.. أخوكي المحترم اللي متبهدل في القسم دلوقتي، مش بس خاين وزاني، أخوكي كمان غشكوا وغشني خمس سنين.. افتحي الواتساب حالا وشوفي البطل بتاعكم كان عامل فيا إيه”.

قفلت السكة في وشها من غير ما أسمع رد، وصورت التقرير الطبي بالموبايل وبعتهولها.. وبعت معاه رسالة صوتية واحدة: “أخوكي عقيم من قبل ما يتجوزني.. وكان بيلففني على الدكاترة ويشيلني الذنب قدامكم عشان يداري عيب رجولته.. ورانيا مكنتش بتغسل شعره، رانيا كانت في حضنه في البانيو بتاعي”.

مفيش خمس دقايق، والتليفون بدأ يرن.. عزة، وأمه، وأخوه الكبير. ماردتش على حد فيهم.. سبتهم يغلوا في نار الحقيقة اللي نزلت عليهم زي الصاعقة. عيلته الصعيدية المحافظة اللي بتموت في السمعة والخلف والأصل، دلوقتي عرفوا إن ابنهم “معيب” وكمان “مفضوح في ق*ضية آداب”.

يومين مروا..

المحامي بتاعي أستاذ رأفت كلمني وقالي إن المحكمة وافقت على قرار التمكين من الشقة، وبما إن العقد الأساسي اللي مروان كان مخبيه معايا وأوراق الملكية تثبت إن الفلوس طالعة من حسابي، فالشقة بقت تحت إيدي قانوناً. مش بس كده، وصل الأمانة اتقدم للنيابة والتحريات أثبتت صحته، يعني مروان هيطلع من ق*ضية الآداب على ق*ضية خيانة أمانة وسجن!

في اليوم الثالث، روحت القسم تاني.. كنت عايزة أشوف النهاية بنفسي.

وقفت في الممر، ولحظ الحظ كان مروان خارج للترحيلة عشان يتعرض على المحكمة الإدارية بخصوص شغله اللي اتوقف تماماً بعد الفضيحة.

أهله كانوا واقفين في الطرقة.. أمه وأخته عزة وأخوه. مروان أول ما شافهم، مد إيده بلهفة ودموعه نازلة: “أمي.. عزة.. الحقوني، أقفوا معايا، هبة خربت بيتي وضيعتني!”

لكن الصدمة اللي شلت حركته.. إن أمه بصتله بنظرة قرف، وتفت في الأرض قدامه وقالت بصوت كاسره الخزي: “يا خسارة تربيتي فيك.. مابقاش ليا ولد اسمه مروان.. شيل شيلتك لوحدك يا مفضوح يا كذاب”.

ولفوا ضهرهم ومشوا وسابوه في وسط العساكر يتخبط.

مروان لف وشه ولقاني واقفة بعيد.. باصه له وابتسامة النصر على وشي. فهم في اللحظة دي إن الورقة اللي في الظرف البني وصلت لهم. صرخ فيا بأعلى صوته وهو بيترعش والكلابشات بتهز الطرقة:

* “دمرتيني يا هبة!! دمرتي سمعتي وأهلي وشغلي! مش هسيبك.. هق*تلك يا هبة!”

العسكري ضربه على ضهره وقاله: “امشي يا روح أمك من غير صوت.. قدامي!”

مشيت من القسم وأنا حاسة إني طايرة.. مروان خسر كل حاجة: شرفه، فلوسه، مراته، وأهله اللي كانوا كل حياته.

لكن وأنا بفتح باب شقتي بالليل، وبحط المفتاح في الكالون.. سمعت صوت حركة خفيفة جوه الصالة.. النور كان مطفي، وفي خيال حد قاعد على الكنبة..

قلبي دق بعنف.. مروان مسجون، وأهله مشيو.. مين اللي جوه شقتي؟! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلكم كل القصص الكامله

**الجزء الخامس**

جمدت في مكاني.. إيدي على المفتاح اللي في الكالون، ونفسي اقطع تماماً. الخيال اللي قاعد على الكنبة في الضلمة بدأ يتحرك ببطء، ويقوم ويقف طوله.

حسيت برعب مخلش قلبي يدق، ده شل حركتي خالص. مروان في الحبس، وأهله اتبروا منه، مين اللي قدر يدخل الشقة دي ومن غير ما يكسر الباب؟

مديت إيدي بسرعة لزرار النور اللي جنب الباب وضغطت عليه. الشقة نورت كلها في ثانية.. وبلمح البصر، اتراجعت خطوة لورا وأنا هصرخ.

لكن الصرخة وقفت في حنجرتي لما شوفت اللي واقف قدامي.

مكنش راجل.. كانت ست.

ست باين عليها علامات البهدلة والتعب، وشها شاحب، وتحت عيونها هالات سوداء مرعبة، ولابسة عباية سمرا وطرحة متبهدلة.

“رانيا؟!”

نطقت اسمها وأنا مش مصدقة. رانيا صاحبة الكوافير، المفروض إنها محبوسة على ذمة الق*ضية مع مروان! إزاي واقفة في صالة بيتي دلوقتي؟

رانيا أول ما شافت نظرة الرعب والذهول في عيني، رفعت إيديها الاتنين لفوق بسرعة وكأنها بتستسلم، ونزلت على ركبها على الأرض وهي بتعيط بانهيار وصوت مكتوم:

* “أبوس رجلك يا هبة.. أبوس إيدك ما تبلغيش عني ولا تصرخي.. أنا دخلت هنا عشان أستخبى، ومفيش قدامي غيرك ينجدني!”

وقفت بعيد عنها، وسحبت مقشة كانت ورا الباب مسكتها في إيدي للدفاع عن النفس، وقولت بحدة وزعاق:

* “تستخبي فين؟ وإنتِ خرجتِ من الحبس إزاي أصلاً؟ ودخلتِ بيتي منين يا مجرمة يا خاينة؟”

رانيا كانت بتتنفض وهي على الأرض، وقالت وهي بتشهق من العياط:

* “المحامي بتاعي جابلي إخلاء سبيل بكفالة العصر على ذمة الق*ضية.. مروان بس اللي فضل محبوس عشان ق*ضية وصل الأمانة بتاعتك. أنا أول ما خرجت وروحت لبيتي، لقيت إخواتي وأهلي مستنييني بسكاكين.. عايزين يغسلوا عارهم ويقتحوني! هربت منهم في الشوارع ومكنش معايا مليم، ولا عارفة أروح فين.. الكل بقا يشاور عليا ويقول دي بتاعة الآداب.”

سكتت شوية تاخد نفسها وكملت بدموع تفر السخرية:

* “مالقتش حتة أستخبى فيها غير العمارة هنا.. افتكرت إن مروان كان جارسس ورا الكوافير نسخة من مفتاح شقتك دي عشان يدخل ويخرج براحته من غير ما حد يحس.. المفتاح كان معايا في شنطتي من زمان ومروان نسيه.. فتحت ودخلت، كنت عارفة إنك في القسم ومش هتيجي دلوقتي.. والله العظيم ما جاية أئذيكي.. أنا جاية أموت هنا!”

بصيت لها باحتقار شديد، الست اللي كانت من كام يوم بتبصلي من فوق لتحت وبتتسامر مع الزباين بضحكات مستفزة، دلوقتي مرمية تحت رجلي زي الفارة المبلولة، خايفة من الموت والفضائح.

قربت منها وقولت بنبرة قاسية:

* “وجايةالي أنا ليه؟ تطلبي مني النجدة بعد ما خربتِ بيتي ودخلتِ غرفتي وعشتِ دور صاحبته؟”

رانيا رفعت راسها وعيونها حمرا زي الدم:

* “عشان أنتِ الوحيدة اللي أخدتِ حقك.. وأنتِ الوحيدة اللي تقدري تخليني أخد حقي من ابن الكلب ده! هبة.. مروان مكنش بس بيخونك معايا.. مروان دمرني أنا كمان!”

قطبت حواجبي وقولت بوجوم: “دمرك إزاي؟ أنتِ شريكته في القرف ده!”

رانيا وقفت وصوتها بدأ يعلى بغل حقيقي:

* “مروان قالي إنه مطلقك بقاله سنة! وقالي إنك قاعدة في الشقة دي زي ضيفة لحد ما تلاقي مكان.. وقالي إن المحل الكوافير ده هو شاريه بفلوسه وهيجمدهولي وهيتجوزني رسمي! أنا وقعت تحت إيده ومكنتش أعرف إنه كذاب ومخادع ومريض.. مروان صورني يا هبة!”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة: “صورك؟!”

رانيا هزت راسها بانهيار: “أيوه.. صورني فيديو من غير ما أعرف في شقة تانية كان مأجرها.. ولما بدأت أزن عليه عشان نتجوز ونعلن الموضوع، هددني بالفيديوهات دي وقال لي لو سيبتيه أو اتكلمتِ هيفضحني وسط أهلي ومنطقتي.. أنا كنت باجي معاه هنا وأنا مرعوبة ومذلولة.. أنا مش بدافع عن نفسي، أنا غلطانة وخاينة وتستاهل كل اللي جرى لي.. بس مروان لازم يتدفن، مروان معاه فلاشة تانية شايل عليها صوري وصور ستات تانية كان بيبتزهم!”

الكلام كان أخطر مما تتخيل.. مروان مطلعش مجرد خاين وعقيم وكذاب.. ده طلع شبكة ابتزاز متحركة ومجرم رسمي!

حطيت المقشة من إيدي، وحسيت إن اللعبة كبرت جداً.. وخطتي للانتقام لازم تتغير وتتحول لقنبلة تقضي عليه تماماً ومتخليهوش يشوف النور تاني.

بصيت لرانيا وقولت بصوت هادي ومرعب:

* “الفلاشة دي فين يا رانيا؟”

رانيا بلعت ريقها وقالت برعب: “مخبيها في بطانة الشنطة الدبلوماسية بتاعته.. الشنطة اللي في أوضة نومك!”

ابتسمت ابتسامة خفيفة.. الشنطة اللي أنا كست قفلها وموجودة معايا في الصالة.

مشيت خطوتين ناحية الأوضة عشان أجيب الشنطة، لكن فجأة.. سمعنا صوت خبط عنيف ومرعب على باب الشقة برا.. وصوت راجل بيزعق بغضب أعمى:

* “افتحي يا رانيا يا فاجرة!! عارفين إنك مستخبية جوه!! والله ما هانمشي من هنا غير ودمك مغرق العمارة!”

أهل رانيا وصلوا.. والباب كان هيتكسر فوق دماغنا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *