الفيزا بتاعتي ج 5

روماني مكرم

تسمرتُ في مكاني، وشعرت بركبتيَّ لا تقويان على حملي. الهاتف كاد يسقط من يدي للمرة الثانية، وصوت المحامي لا يزال يتردد في أذني مذعوراً: “سارة.. حازم هرب! استغل حادثة تصادم لعربية الترحيلات وهي رايحة النيابة، وفي هرج ومرج حصل وهو فص ملح وداب.. خدي بالك من نفسك!”

التفتُّ إلى الضابط الذي لاحظ شحوب وجهي المفاجئ. سحب الهاتف مني واستمع للمحامي، لتتغير ملامحه هو الآخر تماماً، ويبدأ في توجيه أوامر سريعة وعنيفة لأفراده عبر اللاسلكي: “تأمين كامل للمنطقة! إغلاق المداخل والمخارج! المتهم حازم السيوفي هرب، ومن المتوقع يتوجه لهنا!”

تحولت الصالة في دقائق إلى ثكنة عسكرية. ريم كانت تبكي وتضم ركبتيها إلى صدرها في زاوية الغرفة، وأنا واقفة في المنتصف، أشعر بجدران بيتنا التي عشت فيها عمري كله تنقبض عليّ. المروحة القديمة كانت لا تزال تدور، وصوتها المزعج صار يشبه دقات ساعة تنازلية تسبق كارثة جديدة.

“آنسة سارة..” قال الضابط وهو يضع يده على كتفي ليطمئنني، “مش هينفع تفضلوا هنا ثانية واحدة. حازم دلوقتي مابقاش بيفكر بعقله، ده شخص هربان من جناية تزوير ومحاولة ق/تل، يعني معندوش حاجة يخسرها. القوة هتنقلكم فوراً لمكان آمن تختاروه.”

فكرت سريعاً.. المستشفى! أبي وأمي هناك، والمستشفى مكان عام ومغطى بالأمن والكاميرات، وسيكون من الصعب عليه اختراقه.

نزلنا تحت حراسة مشددة. الشارع كان مقلوباً، والناس يتابعون خروجنا بنظرات الخوف والفضول. ركبنا سيارة الشرطة، وتحركت بنا بسرعة جنونية نحو المستشفى. طوال الطريق، عيني لم تفارق المرايا الجانبية، كنت أتخيل حازم يخرج لي من بين السيارات، بوجهه الناشف وعينيه المليئتين بالضيق، ممسكاً بقناعه الذي سقط تماماً.

وصلنا إلى المستشفى، وصعدنا سريعاً إلى الطابق الثالث حيث يرقد أبي. دخلت الغرفة وأنا أحاول تصنع الثبات أمام أمي، لكن ملامحي الخائفة فضحتني.

“في إيه يا سارة؟ ريم مالها بتعيط ليه؟” سألتني أمي بفزع وهي تقف من بجوار سرير أبي الذي كان نائماً تحت تأثير المهدئات.

قبل أن أجيبها، اهتز هاتف أمي الموضوع على الطاولة.

نظرت إلى الشاشة.. كان المتصل “حازم”.

أخذت الهاتف بسرعة وضغطت على زر الإجابة، ووضعت الهاتف على أذني دون أن أنطق بكلمة. جاءني صوته من الطرف الآخر، لكنه لم يكن صوتاً هادئاً كما كان في الماضي، ولا محشرجاً كما كان في بيتنا.. كان صوتاً يقطر جنوناً وضحكات هستيرية:

“شُفتي يا سارة؟ شُفتي الراجل الشرقي لما يحب يمشي كلامه بيعمل إيه؟ البوليس مش هيحميكي مني.. أنا برا المستشفى دلوقتي، وشايف البوكس اللي نزلِك.. أختك ريم مش هتلحق تفرح بشبابها، وأبوكي هيموت بحسرته عليكي.. أنا خسرت كل حاجة بسببك، ومش باقي غير إني أكسر مناخيرك الأرض.”

أنفاسي تسارعت، ونظرت من نافذة الغرفة المطلة على حديقة المستشفى بالأسفل.. كانت الحديقة مظلمة، والأشجار الكثيفة تخفي كل شيء. لم أستطع رؤيته، لكن شعرت بأنفاسه قريبة.

قلت بصوت يرتجف لكني حاولت جعله حاداً: “إنت مجنون.. إنت بتدمر نفسك، البوليس قالب الدنيا عليك!”

ضحك بصوت عالٍ: “أنا ميت ميت يا سارة.. بس مش هتموت لوحدي. اطلعيلي الحديقة الخلفية للمستشفى حالاً لوحدك.. لو بلغتي الضابط اللي معاكي، أو لو فكرتي تلعبي بديلك، المأجور اللي كلمتك عنه زمانه داخل غرفة أبوكي ببالطو دكتور، والسرير اللي هو نايم عليه ملوش أمان.. خمس دقائق يا سارة، وإلا الفاتورة هتبقى غالية أوي.”

أغلق الخط.

التفتُّ ببطء نحو الباب، ورأيت ممرضاً يمر من أمامه، فبدأ الشك يأكل عقلي.. هل هذا ممرض حقيقي؟ أم أنه الشخص المأجور؟ هل أبي في خطر فعلاً؟

نظرت إلى أمي وريم، ثم إلى أبي الراقد في سلام مؤقت. أخذت نفساً عميقاً، واتخذت قراري. لن أسمح له بأذية عائلتي مجدداً، والمواجهة يجب أن تنتهي بيني وبينه.

خرجت من الغرفة دون أن يلاحظ الضابط المشغول بالتحدث في اللاسلكي عند أول الممر، وتوجهت نحو سلم الطوارئ الخلفي المؤدي إلى الحديقة المظلمة.. وفي يدي، كنت أقبض بقوة على مشرط طبي معدني صغير، كنت قد التقطته من عربة المستلزمات في الممر.

نزلت السلم، وفتحت الباب الحديدي المؤدي للحديقة الخلفية. كان الهواء بارداً، والصمت غريباً.. وفجأة، سمعت خطوت خلفي، وصوت حركة قفل مطواة يُفتح في الظلام..

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

تجمدتُ في مكاني، لكن حواسي كانت في أقصى درجات اليقظة. لم ألتفت فوراً، بل سحبتُ نفساً عميقاً، محاولةً التحكم في دقات قلبي التي كانت تطرق ضلوعي.

صوت “تكة” المطواة تكرر مرة أخرى، أعقبه صوت حازم الهامس، وهو يخرج من خلف شجرة كثيفة، وجهه مغطى بوشاح أسود لا تظهر منه إلا عيناه اللتان تشعان ببريق شيطاني:

“كنت عارف إنك هتيجي.. إنتي دايماً بتعملي فيها البطلة، ودي نقطة ضعفك اللي هتنهيكي.”

تراجعتُ خطوة للخلف، وأخفيتُ المشرط الطبي في راحة يدي، بينما كنت أتحسس بجسدي حافة الباب الحديدي الذي يربط الحديقة بالمبنى.

قلت بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتاً: “إنت خسرت كل حاجة يا حازم.. مفيش فايدة من اللي بتعمله. ارجع سلم نفسك، ممكن القاضي يخفف الحكم لو اعترفت إنك كنت مضغوط أو مريض.”

ضحك ضحكة قاسية، وبدأ يقترب مني ببطء، المطواة في يده تلمع تحت ضوء كشاف المستشفى البعيد:

“أنا مش عايز تخفيف.. أنا عايز أشوف الندم في عينيكي. عايز أشوفك بتنكسري زي ما كسرتي حياتي ومستقبلي.”

في تلك اللحظة، لاحظتُ حركة غير طبيعية في أطراف الحديقة.. خيال رجل آخر يرتدي “بالطو” أبيض كان يتسلل باتجاه باب الطوارئ المؤدي لجناح أبي. كان المأجور!

حازم لم يلحظه، كان تركيزه كله منصباً على الانتقام مني.

عرفتُ أن هذه هي فرصتي الوحيدة. تظاهرتُ بالانهيار، وسقطتُ على ركبتي، وألقيتُ المشرط على الأرض بعيداً عني، فتعالت ضحكاته المنتصرة.

تقدم حازم خطوة أخرى، غافلاً عن الحذر، وقال: “أيوة.. اركعي، ده مكانك الطبيعي من أول يوم.”

في اللحظة التي انحنى فيها قليلاً ليقبض على شعري، تحركتُ كالبرق. لم أعد للمشرط، بل دفعتُ بكل ثقل جسدي باتجاه صدره، مستخدمةً كل غضبي وقهرتي. اختل توازنه وسقط ظهره على حافة حوض زرع حجري، وفي نفس اللحظة، أطلقتُ صرخةً بأعلى صوتي:

“الشرطة! الحقوني!”

الضابط الذي كان يتوقع تحركاً ما، كان يراقب من النافذة العلوية، وبمجرد سماع صراخي، انطلقت صافرات الإنذار واقتحمت قوة أمنية الحديقة من المدخل الرئيسي والمبنى في نفس اللحظة.

تشتت ذهن حازم للحظة، وحاول النهوض للهروب، لكن المأجور الذي رأى الشرطة قادمة، تراجع عن مهمته داخل المستشفى وحاول الركض في الاتجاه المعاكس للحديقة.

أدرك حازم أنه محاصر من كل جانب. نظر إليّ، ثم نظر إلى الضباط الذين يحيطون به، وفجأة، تحول وجهه من التهديد إلى ذعر طفولي.. بدأ يتراجع نحو حافة الحديقة التي تطل على مجرى مائي ضيق، كان يظن أنه يستطيع القفز من فوقه.

“لا تحاول!” صرخ الضابط، لكن حازم، في لحظة جنون أخيرة، ألقى بنفسه نحو المجرى المائي.

ارتطم جسده بالصخور السفلية بقوة، ولم يعد يتحرك.. غاص في المياه الضحلة والشرطة تحاصره من الجانبين.

في تلك الأثناء، ومن داخل المستشفى، خرج الضابط الآخر ومعه المأجور مكبلاً، وقد وجدوا في جيبه “حقنة” تحتوي على مادة مجهولة كانت موجهة لأبي.

سقطتُ على الأرض، لا أستطيع الوقوف. اقترب الضابط مني، كان يحمل هاتفي الذي سقط مني أثناء العراك.

“أنتِ بخير يا آنسة سارة؟”

هززتُ رأسي بالقبول، والدموع تنهمر كالشلال.. نظرتُ إلى حازم وهو يُسحب من المياه، مصفداً بالحديد، غارقاً في طينه، بلا جبروت، بلا “رجولة” زائفة.. فقط مجرم صغير دفع ثمن غطرسته.

تنهدتُ بارتياح، لكن نظرة الضابط لي كانت تحمل شيئاً آخر.. شيئاً جعلني أدرك أن هناك فصلاً واحداً أخيراً لم يُكتب بعد.

“آنسة سارة.. معانا خبر لازم تسمعيه، والدة حازم اعترفت بكل حاجة، بس فيه معلومة قالتها في التحقيق، خلتنا نفتح ملف قديم تاني.. معلومة تخص الشخص اللي كان بيغطي على حازم في الشركة من البداية.”

تجمعت الغيوم في سماء تلك الليلة لتغسل آثار المعركة، بينما كانت الشرطة تنهي إجراءات القبض على الجميع. وقفتُ أمام الضابط في ردهة المستشفى، والهدوء قد عاد ليخيم على المكان، لكن برودة قلبي كانت لا تزال حاضرة.

قال الضابط وهو يغلق دفتر ملاحظاته: “يا سارة، والدة حازم كشفت المستور. الشخص اللي كان بيغطي على تلاعبات ابنك في الشركة، واللي سهل له تزوير الأوراق وتجاوز السيستم، ما كانش مجرد زميل.. ده كان ‘رئيس مجلس الإدارة’ نفسه. كانوا شركاء في نهب أموال الشركة، وكان حازم مجرد واجهة لتنفيذ العمليات القذرة مقابل حمايته وتسهيل زواجه منك، لأنهم كانوا محتاجين حد ‘بواجهة اجتماعية نظيفة’ يغسلوا وراه أموالهم.”

ساد الصمت لثوانٍ، شعرت حينها بمدى ضآلة الإنسان عندما يغترّ بماله أو قوته. كل ذلك الجبروت، وكل تلك التهديدات، كانت مجرد فقاعات صابون واهية اصطدمت بحقيقة القانون وشجاعة امرأة لم ترضَ أن تكون “ممتلكات”.

في صباح اليوم التالي، بينما كنت أجلس بجانب سرير أبي الذي بدأ يتعافى ببطء، كانت الأخبار تتصدر المواقع: “القبض على رئيس مجلس الإدارة والتحفظ على أمواله، وسقوط شبكة تزوير واختلاس”. انتهت القصة، ودُفنت كل الأسرار في أروقة المحاكم.

أدركتُ في تلك اللحظة حكمةً لم أكن لأتعلمها من الكتب؛ لقد ظننتُ أن القوة في أن أمتلك “الباسورد” أو أن أسيطر على مالي، لكنني اكتشفت أن **القوة الحقيقية تكمن في القدرة على قول “لا” في وجه العاصفة، وفي أن تظل متمسكاً بكرامتك حتى لو كلفك الأمر مواجهة العالم كله.**

خرجتُ من المستشفى ومعي أبي، ونظرتُ إلى المروحة التي اشتريت واحدة جديدة بدلاً منها، وأخرى هادئة تماماً.. تماماً كحياتي التي استرددتُ سيطرتي عليها.

لم أعد تلك الفتاة التي ترتعد خوفاً من “باسورد” أو تهديد. لقد تعلمتُ أن **الرجال الذين يحاولون سلب حريتك باسم “الحب” أو “العرف”، هم في الحقيقة أضعف وأجبن مما يتصورون، وأن الست التي تعتمد على نفسها ليست “عنيدة”، بل هي امرأة عرفت قيمة روحها فلم ترخصها في سوق الخوف.**

عادت حياتنا لطبيعتها، لكنها طبيعة جديدة، أكثر قوة ونضجاً. أما عن حازم وعائلته، فقد طوتهم صفحات التاريخ كدرس لكل من تسول له نفسه أن يظن أن كرامة الناس رخيصة.

وفي النهاية، تيقنت أن **الحق لا يضيع طالما هناك نفسٌ تأبى الانكسار، وأن النار التي يُشعلها الحقد، غالباً ما تكون أول ما يحرق صاحبها.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *