حماتي هددت امي حكايات علي ابو الدهب 2
في نفس اللحظة اللي هاني كان قاعد فيها في الصالة والندم بياكله، الباب اتفتح ودخلت فادية، أمه. ملامحها مكانتش زي زمان؛ الجبروت اللي كان على وشها اطفى، والوش الخشب اتقلب لوش مليان تجاعيد وقلق. بخلت بفلوسها اللي شايلاها للزمن ومارضيتش تدفع معاه مليم واحد لإنقاذ الشقة، وكانت فاكرة إن ابنها بكلمة منه هيقدر يلوي دراع ندى.
بصت لهاني وقالت بنبرة خايفة لأول مرة:
— المحامي كلمك يا هاني؟ قالك إيه؟ الشقة هتروح مننا بجد؟
هاني مرفعش عينه فيها. ضحك ضحكة مكتومة مليانة مرار، وقام وقف في نص الصالة، وبص لأمه وقال بصوت شرخ فيه كل السكوت اللي فات:
— الشقة راحت خلاص يا أمي.. والبيت اللي كنتِ جاية تمشي كلمتك فيه مبقاش موجود اصلاً. ندى أخدت حقها تالت ومتلت بالقانون، والبنك هيحجز على الباقي. ارتحتِ؟
فادية بدأت تلطم على صدرها:
— أنا كان قصدي متمشيش كلامها عليك! أنا كنت بحميك وبحمي بيتك من الغُرب!
هاني صرخ فيها لأول مرة في حياته، صرخة طلعت من حرق دمه:
— الغُرب؟! الحجة كريمة اللي كانت جايبة ورق البنك عشان تجدول القرض وتشيل من عليا الهم كانت غريبة؟ ندى اللي كانت بتدفع معايا دم قلبها في القسط كانت غريبة؟ الغريب هو اللي دخل البيت ده بمفتاح مش بتاعه، وكسر كرامة ناس ملهمش ذنب غير إنهم بيساعدونا! أنتِ مش حميتيني يا أمي.. أنتِ خربتِ بيتي، وأنا بغبائي وطوعي ليكي ساعدتك!
سابلها الصالة وخرج.. نزل الشارع وهو مش طايق نفسه، ومش عارف هيروح فين. هدوم الشغل، كرامته، ومستقبله.. كل حاجة اتهزت.
على الجانب الآخر: في السويس
في بيت الحجة كريمة الصغير، الشمس كانت مالية المكان، وصوت مكنة الخياطة كان شغال بإيقاع هادي ومريح. ندى كانت قاعدة بتشرب شاي وبتبص لوالدتها اللي وشها رجع له النور والهدوء تاني بعد ما الغمة دي انزاحت.
ندى مكانتش زعلانة على الشقة اللي في التجمع، ولا على الفلوس اللي راحت وجت؛ ندى كانت حاسة بنصرة تانية خالص. نصرة إنها مغلطتش، وإنها صانت كرامة الست اللي شقيت عليها طول عمرها. المحكمة حكمت لها بكل مليم دفعته، والفلوس دي أخدتها وبدأت تجهز بيها مشغل صغير لوالدتها في السويس، عشان الحجة كريمة متبقاش مجرد خياطة بسيطة، لأ.. بقت صاحبة مشغل.
تليفون ندى رن.. بصت على الشاشة، كان رقم هاني.
الحجة كريمة وقفت المكنة وبصت لبنتها، ومكانش في عينيها أي شماتة، كان فيه بس نظرة حكمة. ندى فتحت الخط من غير ما تتكلم.
صوت هاني جه من الناحية التانية، مكسور، تعبان، ومبحوح:
— ندى.. أنا عارف إني ماليش عين أكلمك، وعارف إن كل اللي حصل كان بسببي وبسبب ضعفي. أنا خسرت الشقة، وخسرت كل حاجة.. بس مش عايز اخسرك أنتِ. أنا مستعد أعمل أي حاجة.. مستعد أروح للحجة كريمة لحد السويس وأبوس على رأسها قدام المنطقة كلها واعتذر لها، بس ارجعي لي.. أنا من غيرك مش عارف أعيش، وأمي خلاص ملهاش كلمة عليا تاني.
ندى سكتت لثواني.. ثواني مرت على هاني وكأنها سنين مستني فيها طوق النجاة. خدت نفس عميق، وبصت لأمها اللي شاورت لها بدماغها كأنها بتقول لها: “القرار قرارك يا بنتي”.
ندى ردت بصوت ثوابته أقوى من الحديد، صوت الست اللي اتكسرت مرة ومش ه تسمح لنفسها تتكسر تاني:
— تروح فين يا هاني؟ السويس؟ السويس دي بلد الناس اللي بتصون الكرامة وبتعرف قيمتها. أنت جاي تفتكر إن أمي ليها حق واعتذار بعد ما اتطردت من شقتنا؟ بعد ما وقفت زي الصنم وأنا بتهان وأمي بتتهان في شرفها وكرامتها؟
دموع هاني نزلت وسامعة صوت شهقته:
— كنت غبي يا ندى.. غلطت وهصلح غلطي.
ندى كملت ببرود تام:
— الغلط في شقة ممكن يتصلح، الغلط في حسابات بنك ممكن يتجدول.. بس الغلط في الأصول ومعدن الراجل ملوش تصليح. الراجل اللي ميعرفش يحمي مراته وأهلها في بيته، ميتأمنش عليه تاني. أنا مش هرجع لك يا هاني، مش عشان مش مسامحاك.. لأ، أنا سامحتك وخلاص مبقاش في قلبي ليك غير صدمة قديمة وراحت لحالها. أنا مش هرجع لك لاني ببساطة.. بقيت في مكان أحسن بكتير، مع الست اللي شرفتني وعمرها ما خذلتني. ورقة طلاقي هتوصلني رسمي، وخلي الشقة الفاضية والندم ينفعوك.
قفلت ندى السكة، وبصت لأمها وابتسمت. الحجة كريمة دورت مكنة الخياطة تاني، وصوت المكنة رجع يملى البيت.. بس المرة دي مكانش صوت شقا، كان صوت بداية جديدة، لست وبنتها عرفوا يربوا الدنيا على إيدهم، ومقبلوش الضيم ولو كان من أقرب الناس.مرت سنة كاملة على اليوم اللي ندى قفلت فيه السكة في وش هاني. سنة كانت كفيلة تغير ملامح كل حاجة، وترتب النفوس وتدي كل واحد على قد نيته وأصله.
في السويس، المشغل الصغير بتاع الحجة كريمة كبر وبقى اسم معروف في المنطقة. ندى وظفت كل خبرتها في الإدارة والتسويق اللي كانت بتعملهم زمان للشركات، وسخرتهم لمشروع أمها. الشغل بقى يجنبهم أي احتياج، والأهم من الفلوس، كان الهدوء والسلام النفسي اللي بيملا جدران بيتهم البسيط. ندى رجعت لضحكتها القديمة، والحجة كريمة وشها نور وظهرت عليه هيبة الست الصاحبة الشغل والناجحة، ومبقاش حد يقدر يوجهلها كلمة تجرحها.
في يوم جمعة، كانت ندى قاعدة مع أمها بيشربوا قهوة بعد أسبوع شغل طويل، وقطع هدوءهم خبط خفيف على الباب. ندى قامت تفتح، ولما فتحت.. اتسمرت في مكانها.
كان هاني.
بس مكانش هاني بتاع زمان اللي لابس شيك وساند بضهره على حلق الباب ببرود. كان هاني تاني خالص؛ خاسس النص، دقنه طولت وشابت، وعينيه مطفية وفيها انكسار يوجع الكافر. واقف وفي إيده كيس فاكهة بسيط، وباصص في الأرض كأنه تلميذ مستني العقاب.
ندى نبرة صوتها مكانتش حادة، كانت هادية جداً، والهدوء ده كان بيوجع أكتر من الزعيق:
— هاني؟ إيه اللي جابك هنا؟
هاني رفع عينه وصوته اتهز:
— أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي يا ندى.. أنا عارف إن الباب ده اتقفل. أنا جاي عشان حاجة واحدة بس.
في اللحظة دي، الحجة كريمة سمعت الصوت وقامت وجت ورا بنتها. أول ما هاني شافها، نزل على ركبه في الأرض قدام عتبة الباب، والدموع نزلت من عينيه زي الشلال:
— سامحيني يا أمي.. سامحيني يا حجة كريمة. أنا جيت لحد عندك أهو، وببوس تراب رجلك قدام الدنيا كلها. أنا بيتي اتخرب، وشقتي راحت، وفلوسي اتدمرت، وأمي جالها جلطة وقاعدة في السرير مش بتمشي، وأنا بقيت عايش في جحيم ليل نهار بسبب ذنبك ووجع قلبك. ادعيلي ربنا يسامحني، أنا مش طالب من ندى ترجع، أنا بس عايز أعيش من غير ما أحس إن دعواتك ملاحقاني ومخليا الأرض تضيق عليا.
المنظر كان يصعب على أي حد، وندى بصت لأمها مستنية رد فعلها. الحجة كريمة، بأصلها الطيب ومعدنها الأصيل، نزلت على ركبها وسندت هاني وقومته من الأرض:
— قوم يا ابني.. قوم يا هاني، متعملش في نفسك كدة، المذلة مش للراجل، والمذلة دي ميرضاهاش ربنا. أنا مسامحاك يا ابني من كل قلبي، وعمري ما دعيت عليك.. أنا فوضت أمري لله، واللَّه عدل ميرضاش بالظلم. ربنا يشفي والدتك ويخفف عنها، المسامح كريم يا ابني.
هاني بكي بحرقة وهو بيسمع كلامها، وعرف في اللحظة دي حجم الجوهرة اللي خسرها وخسر بنتها. بص لندى نظرة وداع أخيرة، نظرة كلها ندم على عمر ضاع وعلى راجل معرفش يحافظ على بيته وأصوله. شكر الحجة كريمة، ولف ضهره ونزل السلم وهو حاسس إن في جبل انزاح من على صدره بكلمة السامح، بس في نفس الوقت ساب وراه درس عمره ما هينساه.
ندى قفلت الباب، وبصت لأمها وأخدتها في حضنها وقالت لها:
— ربنا يخليكي ليا يا أمي.. أنتِ اللي علمتيني إن الكرامة والأصول هما اللي بيعيشوا في الآخر.
الحجة كريمة طبطبت عليها وقالت:
— الدنيا دي سلف ودين يا بنتي، واللي بيظلم بيتردله الظلم في أعز ما يملك. احنا اشترينا كرامتنا، واللي يشتري كرامته.. عمره ما يخسر.
ورجعت مكنة الخياطة تشتغل تاني، وصوتها المرادي كان بيعزف لحن الانتصار، انتصار الحق والكرامة والأصل الطيب على الجبروت والضعف والهوان.

