بقلم روماني مكرم 2

وقف أحمد مشدوهاً أمام ابتسامة أبويا الغامضة، كانت النبرة الهادئة التي تحدث بها والدي تحمل في طياتها خطراً أكبر بكثير من ثورة الشباب الـ 12 الذين كانوا على وشك الانقضاض عليه وتكسير رأسه. رمى المحامي الإحصار على الطاولة بقلة حيلة، متراجعاً خطوة للوراء بعدما استشعر أن عرين الأسود الذي دخله لن يرحم غرور موكله ولا صلفه التجاري.

قال أبويا وهو يرفع ناظريه باتجاه أحمد ببرود شديد، وبصوت ينزل كالرزايا على المسامع:

* “أنت فاكر يا أحمد إن الحرمة لما تمشي من بيت جوزها وتلجأ لأهلها، بتبقى مكسورة الجناح؟ فاكر إننا لما أخدنا القصاص بالضرب علناً والتنازل عن القض/ية الجنائية كنا بنقفل الصفحة وبنطوي الكراس؟ أنت مسكين يا بني ومغفل.. أنت لعبت مع ناس شغلهم وشغل أجدادهم من زمان بيعلم الناس إزاي الحق يتاخد بالقانون وبالأصول وبالإيد لو لزم الأمر!”

التفت أبويا لأخي محمود وشار له بإشارة خفيفة من إبهامه، فخرج محمود لثوانٍ معدودة وعاد ومعه حقيبة جلدية سوداء ثقيلة الوزن، فتحها على الطاولة وأخرج منها رزماً متراصة من الأوراق والمستندات المحرزة بأختام ورسوم وتوقيعات رسمية من الشهر العقاري والمحاكم.

تطلع المحامي الموكل مع أحمد إلى تلك الأوراق، وفجأة اتسعت حدقتا عينيه، وسقط القلم الجاف من يده على السجادة، بينما اقترب أحمد بخطوات ترتجف وجسد يرتعد ليقرأ العناوين العريضة المسجلة أعلى المستندات.

قال عمي الكبير وهو يتكئ على عصاه الأبنوسية بصوت جهوري هز أركان الصالة والبيت كله:

* “دي صور عقود البيع والشراء المسجلة باسمك للبيت اللي أمك وأختك شيماء عايشين فيه.. والوصلات وشيكات الأمانة اللي مضيتها لأختك وجوزها لما أخدت منهم فلوس المقاولة اللي خالفت فيها في القاهرة وشربت فيها خازوق مال كبير! وعقد الشقة اللي أنت قاعد فيها فوق، اللي أصلاً مهر هناء ومكتوبة باسمها ونصف الثمن مدفوع من جيب أبوها يوم الفرح بعقود ومحاضر سداد رسمية!”

سقطت صحيفة الإنذار بالطاعة من يد أحمد، وشحب لونه حتى صار كأنه ج/ثة هامدة بلا روح. لم يكن يعلم أن أهلي، خلال الأيام الثلاثة العصيبة التي قضاها أهله في الحجز والتحقيق، لم يكتفوا بالجانب الجنائي وحق الدم والضرب فقط، بل حركوا أذرعهم القانونية والعائلية والعلاقات في القاهرة والبلد لجمع كافة خيوط ثروته وتجارته والديون المخفية التي كان يحاول إخفاءها عن الجميع ليظهر بمظهر الرجل المقتدر.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *