بقلم روماني مكرم 2

أشرقت شمس اليوم التالي، وكان الجو شاحباً وملبداً بالغيوم. خلت الشوارع المؤدية إلى بيت حماتي من المارة، لكن خلف الأبواب وفي البلكونات، كان شبان عائلتنا الـ 12 ورجال المنطقة يترقبون الموقف في صمت مرعب.
وفي تمام الساعة الواحدة ظهراً، دخلت ثلاث سيارات سوداء ذات زجاج داكن إلى الشارع الرئيسي. توقفت السيارات فجأة أمام بيت حماتي، ونزل منها نحو ثمانية رجال ضخام الأجسام، يتقدمهم رجل خمسيني يرتدي بدلة داكنة وعلى وجهه ندفة قسوة، وفي أيديهم ملفات وأوراق خشبية.
صعد الرجال إلى مدخل البيت وبدأوا يطرقون باب شقة حماتي بقوة وحشية كادت تكسر الخشب، وصوت الرجل الخمسيني يرتفع بالتهديد:
* “افتح يا أحمد! افتحي يا حجة! النهاردة يوم الحساب، يا تنازل رسمي عن البيت والملك، يا هنرمي عفشكم في الشارع ونحبس ابنكم البرنس اللي نصب علينا في 3 مليون جنيه!”
خرجت حماتي إلى البلكونة وهي تصرخ وتستغيث، ووجه أحمد يطل من خلف الستارة أصفر كالملاءة، يتوسل إليهم بصوت مخنوق أن يصبروا عليه أياماً أخرى.
وفجأة، شق الصمت صوت خطوات ثقيلة ومتناسقة. خرج أبويا وعمي ومن خلفهما إخواتي الـ 12 ورجال الحي، ووقفوا في منتصف الشارع على بعد خطوات قليلة من رجال القاهرة والغرباء.
تقدم عمي الكبير وقال بنبرة هادئة ولكنها صلبة كالفولاذ:
* “منورين بلدنا يا أستاذ.. بس الشارع ده له أصول، والبيوت دي ليها حرمة ورجالة، والصريخ والعافية دي مش عندنا في الصعيد والريف!”
التفت الرجل الخمسيني بغضب وقال باستهزاء:
* “أنتم مين ودخلكم إيه؟ ابن الشقة دي صاب علينا بـ 3 مليون جنيه بشيكات وأوراق رسمية، وإحنا جايين ناخد حقنا أو ناخد بيته!”
تقدم أخي محمود ورفع في وجهه نسخة محرزة من حكم المحكمة الصادر بالحجز التحفظي:
* “ابن الشقة دي ملوش بيوت هنا! البيت ده عليه حجز تحفظي رسمي من محكمة الأسرة والجنايات لصالح بنتنا وابنه سيف، وأي تنازل أو بيع أو ورقة يكتبها أحمد معاكم هي ورقة ملغية وباطلة بقوة القانون! أحمد نصاب عليكم، روحوا ارفعوا عليه قضايا في القاهرة أو ارفعوا عليه قضايا في النيابة، لكن لو فكرتم تمدوا إيدكم على حجر واحد في الشارع ده، مش هترجعوا القاهرة على رجليكم!”

