بقلم روماني مكرم 2

حل صباح اليوم التالي، وتوجهت برفقة أبويا وعمي وأخي محمود إلى مكتب المأذون الشرعي في وسط البلدة. كان أحمد يجلس هناك على كرسي خشب قديم، وجهه شاحب كالموتى، وعيونه غائرة أرهقها السهر والتفكير والخوف من القادم. لم يتفوه بكلمة واحدة، كان يوقع على دفتر الطلاق والأوراق الرسمية ببدن يرتجف وقلم يكاد يسقط من بين أصابعه المرتعشة.
تم الطلاق رسمياً وبطلقة بائنة، وحصلت على كافة حقوقي الشرعية والمالية، وتم تحرير إقرار رسمي بتمكيني من كافة مستلزماتي وقائمة أثاثي بالكامل، مع فرض التزام مالي شهري صارم لنفقات ومصاريف ابني سيف تحت رقابة القانون والمحكمة.
عند خروجنا من مكتب المأذون، وقف أحمد أمامي للمرة الأخيرة في حياته، تطلع في وجهي وفي الكدمات الخفيفة التي كانت لا تزال أثارها الزرقاء باقية على وجنتي ورقبتي، وقال بنبرة مكسورة ملؤها الندم والتحسر:
* “سامحيني يا هناء.. أنا عرفت متأخر جداً إن الخسارة الحقيقية مش خسارة أهلي ولا كلام الناس، الخسارة هي إني خسرتك أنتِ وابني، وخسرت رجولتي وكرامتي قدام نفسي وقدام المنطقة كلها.”
نظرت إليه ببرود تام، ودون أن ترف لي جفن أو تهتز فيّ شعرة، رفعت رأسي للأعلى وقلت له بكلمات قاطعة أعدت بها كل ذرة كرامة سُلبت مني:
* “الرجولة مش كلمة تتقال في السعة والهدوء يا أحمد.. الرجولة موقف ونخوة لما الس/كينة تطال عرضك وست بيتك وابنك اللي من صلبك. أنت اخترت تتفرج وتضحك مع الظالم، وأهلي اختاروا يجيبوا حقي من عين أي حد.. ربنا يسهلك طريقك، وسيف هيتربى بين رجالة بجد، يفهموه يعني إيه كرامة ونخوة وحق ما يضيعش.”
عدت إلى بيت أهلي مرفوعة الرأس والقامة، استقبلتني أمي بالأحضان والدموع والزغاريد التي ملأت الحي كله، وجلس إخواتي الـ 12 حولنا في الصالة الكبيرة، يتسامرون ويضحكون بفرخ وعزة، مؤكدين أن حق ابنتهم لم يضع ولن يضيع أبداً ما دام فيهم عرق ينبض بالحياة.
لكن الأحداث في منطقة حماتي وأخت جوزي لم تهدأ مطلقاً بعد وقوع الطلاق وتطبيق القصاص..
فشيماء وزوجها، بعد الهوان والضرب القاسي العلني الذي تعرضا له أمام الجيران وأهل المنطقة، لم يستطيعا البقاء في الشارع أو النظر في وجوه الناس ثانية واحدة. جمعا أمتعتهما وأثاثهما تحت غطاء الليل وفي ساعات الفجر الأولى، ورحلا مطرودين بنظرات الازدراء والسخرية والشماتة من سكان الشارع الذين أطلقوا على شارعهم اسم “شارع القصاص وكسر العين”. أما حماتي، فقد أصبحت تعيش وحيدة مجردة من الكبرياء في شقتها المظلمة، بعد أن تفرق أبناؤها وانكسرت شوكتها وعاشت في طي المهانة والندم على ما اقترفته بحقي وبحق طفل بيجاهد يعيش.

