سلفتي 2
بمجرد أن صرخت باسم أخيا “كريم”، انخلع قلبي وأنا أرى ملامحه الشاحبة وعينيه الزائغتين. الدجال الذي كان معه استغل لحظة ذهولي وصدمة زوجي مصطفى، فدفع لؤلؤة بكل قوته، لترتطم برأسها على الأرض وتسيل منها الدماء، بينما انطلق هو كالفهد هرباً نحو حوش البيت الكبير ومنه إلى الشارع المظلم.
كريم حاول استغلال الفوضى واللحاق به، لكن لؤلؤة، رغم جرح جبهتها النازف ورغم ضعف جسدها، أبدت قوة خارقة نابعة من حرصها علينا؛ ألقت بجسدها فوقه وثبّتته على الأرض في حوش البيت وهي تصرخ مستغيثة.
اندفعت أنا ومصطفى خلفهما إلى الحوش تحت ضوء القمر الخافت. كان الكشاف يملأ الأرض ضياءً، والدجال بعباءته السوداء يركض بعيداً ليختفي بين أشجار النخيل في القرية.
المواجهة الساخنة.. وبداية الانتقام الأسود
ثبّت مصطفى كريم وأقامه من الأرض بعنف، وجذبه من ملابسه داخل الصالة مجدداً، بينما كنت أحتضن لؤلؤة الباكية وأمسح الدم عن وجهها.
جلس كريم على الأرض يرتجف، ولم يكد ينطق بكلمة حتى دوت صفعة قوية من مصطفى على وجهه:
— “بـتـبـيـعـنا للدجالين يا كريم؟ أنا اللي اعتبرتك أخويا الصغير وشيلتك في عيني؟!”
بكى كريم بهستيريا وقال بصوت متقطع:
— “أنا مجبر.. الدجال هو اللي مسيطر عليا! الديون كانت هتسجني، وهو قالي إن الرصد ده مش هيأذيكم، ده مجرد “سلب إرادة مؤقت” عشان تمضوا على البيع، وبعدها السحر بيفك!”
هنا صرخت لؤلؤة وهي تتألم:
— “كداب يا كريم! أنت عارف إن الدجال قلك إن الرصد ده لو كمل 21 ليلة متواصلة، مصطفى وهنية هيصابوا بالشلل التام والموت البطيء عشان محدش يشك في وفاتهم! أنا سمعته بودني وهو بيقولك كدة في أوضتنا!”
نزلت الكلمات علينا كالصاعقة. نظرتُ إلى مصطفى فوجدت وجهه قد تحول إلى كتلة من الغضب الأعمى. لم يكن طمعاً في مال فقط، بل كان شروعاً في قتل مع سبق الإصرار والترصد!
اللعنة المرتدة
مصطفى لم ينتظر الصباح؛ اتصل بأعمام كريم وكبار العائلة، وأحضرهم في الفجر إلى البيت الكبير. تم كشف المؤامرة أمام الجميع بالدليل، وبملابس كريم التي كانت تفوح منها روائح البخور الغريبة وأحجبة الدجال التي عثرنا عليها مخبأة تحت سريره.
العائلة اتخذت قراراً حاسماً:
طرد كريم وتجريده: طُرد كريم من بيت العائلة كلياً، وتم إجباره على توقيع تنازل عن نصيبه الشرعي في البيت الكبير لصالح لؤلؤة، تعويضاً لها عن شرفها وصبرها وحمايةً لمستقبلها.
مطاردة الدجال: في نفس الليلة، تجمّع شباب القرية واندفعوا نحو وكر الدجال في أطراف البلدة، لكنهم وجدوا المفاجأة.. المنزل كان محترقاً بالكامل، والدجال اختفى ولم يعثر له على أثر، وكأن الأرض انشقت وابتلعت شره.
العهد الجديد
بعد رحيل كريم وانقشاع الغمة، دخلتُ إلى غرفة لؤلؤة. كانت تجلس على السرير وجبهتها ملفوفة بالشاش. ارتميت في أحضانها وأنا أبكي بحرقة:
— “سامحيني يا لؤلؤة.. كنتي بتحمي روحي وأنا بقول عليكي حرباية وعايزة تاخدي جوزي!”
ابتسمت لؤلؤة بصفاء، وقالت بصوتها الدافيء:
— “أنا محمتكمش عشان خاطر حد.. أنا حميتكم عشان أنتوا أهلي، وعشان “بنت الأصول” متمشيش في طريق الحرام، ولا ترضى بخراب البيوت.”
منذ تلك الليلة، أغلقت غرفتي أنا ومصطفى، لكن قلوبنا انفتحت للابد. لؤلؤة لم تعد زوجة أخ مطرود، بل أصبحت الأخت الكبرى، وصاحبة البيت، والملاك الحارس الذي لولاه.. لكان كفن الموت قد غطانا بدلاً من اللحاف.
تمت القصة بالكامل وبشكل نهائي.

