حمل امي 2

جسمي اتنفض قصدك إيه؟

ياسين كمل وهو بيبكي استغلوا إنها تحت البنج وخدوا منها أكتر من اللي كان مسموح به.. ولما حصلت المضاعفات، هددوني.. هددوني بمريم.. بعتوا لي صور لسريرها، وصورك وإنتي في الشغل، وقالوا لي لو فتحت بقي، مريم هتختفي.

ماما لمست بطنها وقالت اللي في بطني ده مش جنين.. دي جلطات وأنسجة ميتة وتلوث.. سابوني كدة عشان لو حد عالجني، الفضيحة هتكشفهم.

اللفة اللي كانت مع ياسين طلعت الأدلة.. ملفات غرقانة دم، وفلاشة عليها تسجيلات، وأساور مستشفى بأسماء غلط عشان يداروا الجريمة.

فجأة تليفوني رن.. رقم مجهول.

رديت، صوت راجل هادي ومرعب مدام ليلى؟ بنتك عينيها جميلة أوي.. طالعة لجدتها.

جريت على أوضة مريم.. كانت نايمة، بس الشباك كان مفتوح، وإحنا في الدور السابع!

على طرف الشباك كان فيه تيكيت مستشفى مكتوب عليه اسم بنتي مريم ياسين نير.. وتحتها كلمة واحدة باللون الأحمر مطابقة.

في اللحظة دي، الخوف اتحول لشرر في عيني.

قلت لياسين مفيش خبايا تاني.

في خلال نص ساعة، كنا برا البيت.. ماما شايلة مريم رغم الوجع، وياسين شايل الأدلة، وأنا شايلة سكين مطبخ في شنطة البيبي.. مابقتش أثق في حد.

مروحناش للشرطة.. روحنا لمديرتي في الشغل ريهام، أختها صحفية تحقيقات مشهورة.

بليل، القصة مابقتش قصتنا لوحدنا.. بقت قصة مصر كلها.

ماما سجلت فيديو وهي قاعدة زي الملكة، وقالت

 

جملتها الشهيرة بنتي افتكرت إني غلبت، وأنا سكت عشان كنت بحميها هي وبنتها.. والنهاردة بتكلم عشان السكوت بقى هو السكينة اللي بتدبحنا.

الفيديو قلب الدنيا.. المستشفى اتشمعت، والدكاترة اتقبض عليهم وهم بيهربوا، وراشد بيه صورته اتدمرت واترمى ورا القضبان.

بس العدالة غالية.. ماما وقعت من طولها ونزفت دم كتير.

في المستشفى الحكومي، وتحت حراسة الشرطة، ماما دخلت العمليات.. قعدت ٩ ساعات مستنية برا.

ياسين قعد جنبي وهو منكسر أنا فشلت في حمايتكم.

بصيت له وقلت فعلاً.. بس رجعت بالأدلة.

مانسيتش اللي عمله، بس الوجع بيحتاج وقت عشان يلم.

ماما عاشت.. شالوا التلوث والجلطات، ورجعت البيت بعد ٣ شهور.

مريم خدت أول خطواتها.. ما مشيتش ناحيتي، مشيت ناحية ماما.

ماما فتحت دراعاتها وضحكت وهي بتقول لي بتعيطي تاني؟ هتغرقي المعادي!

فتحت الدرج وطلعت الصورة اللي كنت لقيتها زمان.. الصورة اللي شككتني في شرف أمي.

طلعت صورة سونار من حملي بمريم، وفي طرفها إيد ياسين وهو ماسك إيدي. ماما كانت قطعِت نفسها من الصورة لأنها ماكانتش قادرة تبص ليوم الفرح ده وهي عارفة إن كل حاجة اتكسرت بعدها.

لزقت الصورة تاني وبروزتها، وكتبت تحتها

بعض أبواب العائلة يجب أن تُفتح، قبل أن ينطق الظلام الذي خلفها بدلاً منا.

الليلة دي، نمت جنب ماما.. مريم كانت بيننا، إيد صغيرة على جرح أمي، وإيد تانية ماسكة صباعي.

ماحستش بالعار.. حسيت بتقل الدم.

مش الدم اللي بيتسرق أو بيتباع.. لكن

 

الدم اللي بيضحي.. الدم اللي بيقول

أنا شيلتك.. أنا حميتك.. أنا لسه هنا.

 

## الجزء الثاني: غبار المعركة

الاستقرار الذي يعقب العاصفة دائمًا ما يكون خادعًا. مرت شهور ثلاثة أخرى، وبدأت الحياة تأخذ شكلًا هادئًا من الخارج؛ جرح أمي التأم جراحيًا، ومريم بدأت تنطق كلماتها الأولى، وياسين تحول إلى شخص غريب، يعيش معنا كظِلّ، يبذل أقصى ما في وسعه للتكفير عن خطيئة صمته القديم.

لكن خلف هذا الهدوء، كان هناك شعور خانق بأننا لم ننجُ تمامًا.

في ليلة خريفية باردة، كنت أقف في المطبخ أعد شاي الأعشاب لأمي. تذكرت كلمات ذلك الرجل على الهاتف: *”بنتك عينيها جميلة أوي.. طالعة لجدتها”*. تلك النبرة الهادئة لم تكن تفارق خيالي. ورغم أن راشد بيه خلف القضبان، والمستشفى أُغلق، إلا أن الأفاعي لا تموت بقطع ذيلها.

انتبهت على صوت تكة غريبة تأتي من باب الشقة.

تسمرت في مكاني. كان ياسين نائمًا في الغرفة الأخرى بفعل الأدوية المنومة التي بات لا يستطيع النوم بدونها. تحركت ببطء، نبضات قلبي تضرب صدري بقوة تعيد لي رعب تلك الليلة المشؤومة. نظرت من العين السحرية.. لم يكن هناك أحد، لكن كان هناك مغلف أسود صغير ملتصق بالباب.

فتحت الباب بيد ترتجف، سحبت المغلف وأغلقت القفل بثلاث دورات.

### الرسالة الأخيرة

داخل المغلف لم يكن هناك تهديد صريح، بل كانت هناك ورقة رسمية واحدة، وعليها شعار مكتب محاماة دولي، وعبارة مكتوبة بخط اليد:

> “العدالة التي تباع في التلفزيون، تُشترى في الغرف المغلقة. الاستئناف قُبل، وراشد بيه خارج السجن لظروف صحية.. الدم لا يضيع، والصدر المفتوح لا يُغلق مرتين.”

>

سقطت الكوبية من يدي لتتحطم على الأرض. في نفس اللحظة، ظهرت أمي من ممر الغرف، كانت تسير ببطء مستندة على الحائط، وجهها الذي بدأ يستعيد بعض نضارته انقبض فجأة وهي تنظر إلى الشظايا، ثم إلى المغلف في يدي.

“خرج؟” سألتني بصوت مبحوح، وكأنها كانت تنتظر هذا الخبر كل يوم.

لم أستطع الرد، اكتفيت بهز رأسي وعيني تلمع بالدموع.

قربت أمي مني، ولمست كتفي بيدها الدافئة التي تحمل جروحًا لا تبرأ: “ليلى.. أنا مش ندمانة على فص الكبد اللي عيشتي بيه، ولا ندمانة على الوجع اللي شيلته. بس الندم الحقيقي هو إننا افتكرنا إن القانون بيحمي الخايفين.”

في تلك اللحظة، فتح ياسين باب غرفته، مجهدًا، وعيونه حمراء. نظر إلينا وعرف كل شيء دون أن نتكلم. أخرج هاتفه بسرعة وبدأ يتصل بريهام ومديرتها، لكن الخط كان مغلقًا. حاول مرة واثنين وثلاثة.. دون جدوى.

“تليفون ريهام مقفول.. والجريدة اللي نشرت التحقيق اتقفلت النهاردة الصبح بحجة مخالفة الشروط،” قال ياسين وهو ينهار على المقعد، واضعًا رأسه بين يديه. “إحنا لوحدنا تاني يا ليلى.. راشد مش هيسيبنا.”

### قلب الأم لا يخاف

نظرت إلى ياسين، ولم أشعر بالغل الذي كنت أشعر به سابقًا، بل شعرت بشفقة شديدة. الخوف حوّله إلى حطام. لكنني التفتُّ إلى غرفتي، حيث تنام مريم بسلام، وشعرت بشيء يتحول داخلي.. شرارة غريبة، أشرس من تلك التي شعرت بها وأنا أضع سكين المطبخ في حقيبة طفلتي.

“مش هنيهرب تاني،” قلتها بصوت قاطع هز سكون الصالة.

نظرت إليّ أمي بعينين متسعتين: “هتعملي إيه يا بنتي؟ ده راجل يهد جبال.”

“الجبال بتهدها حفرة صغيرة يا أمي،” رددت وأنا آخذ الهاتف من يد ياسين.

قمت بفتح حساب جديد على منصة بث مباشر، حساب غير موثق، وأرسلت الرابط لأكثر من مئة صفحة عامة وصحفيين مستقلين كنت قد احتفظت بأرقامهم.

وقلت لياسين: “الملفات والفلاشة.. النسخ الاحتياطية اللي شيلتها في البنك.. وقتها جه.”

ياسين بص لي بذهول: “بس ده معناه إننا بنعلن الحرب رسميًا، هددونا بمريم!”

“مريم في حضننا، والبيت ده مش هيتفتح لحد.. ولو دخلوا، مش هيلاقوا حد يبكي.”

### المواجهة العارية

عند الساعة الثانية صباحًا، كان البث المباشر قد بدأ. لم تكن أمي هي من تتحدث هذه المرة.. بل كنت أنا.

جلست وأمامي المستندات الطبية، والتقارير الجنائية المسربة التي تثبت كيف تم تزوير خروج راشد بيه من السجن بعفو صحي وهمي، وكيف أن المستشفى لم يكن مجرد شبكة تجارة أعضاء، بل كان مخزنًا سريًا لخدمة رجال أعمال نافذين.

“أنا ليلى.. بنت الست اللي سرقتوا كبدها عشان يعيش راشد بيه،” بدأت حديثي، والعداد في أسفل الشاشة يرتفع بآلاف المشاهدات في ثوانٍ. “لو جرى لنا حاجة، لو بنتي مريم اتخدشت، أو جوزي ياسين اختفى، أو أمي تعبت.. المستندات دي هتوصل للمنظمات الدولية برة مصر في نفس الدقيقة. إحنا مش بنطلب حماية.. إحنا بنحمي نفسنا بيكوا.”

أمي كانت تجلس خلف الكاميرا، ممسكة بمريم التي استيقظت على صوتي. كانت تنظر إليّ بفخر لم أره في عينيها من قبل. شعرت في تلك اللحظة أن فص الكبد الذي ينبض داخلي ليس مجرد عضو.. بل هو شجاعتها التي انتقلت إليّ عبر الدم.

### ثمن النجاة

قبل أن ينتهي البث، سمعنا صوت سيارات فرملت بعنف أسفل العقار.

ياسين جرى على الشباك، ونظر لأسفل والذعر يملأ وجهه. “ليلى.. فيه عربيات سودا.. ورجال مسلحة.”

قلبي سقط في رجلي، لكنني لم أوقف البث. وجهت الكاميرا نحو الشباك وقلت بصوت عالٍ: “العربيات واقفه تحت بيتنا دلوقتي في المعادي.. شارع (…)، شوفوا بنفسكم مين اللي جاي يخلص على الضحايا.”

مرت عشر دقائق كانت الأطول في حياتنا. تكة الباب لم تحدث.. وبدلاً منها، سمعنا صوت سرينات شرطة قادمة من بعيد.. سرينات حقيقية، وليست تابعة لرجال راشد. البث المباشر وضغط الشارع أجبر الأجهزة الرسمية على التحرك لحسم الموقف قبل أن يتحول إلى قضية رأي عام دولي.

العربيات السوداء انسحبت بسرعة قبل وصول الشرطة. نجونا.. للمرة الثانية.

بعد مرور أسبوعين على تلك الليلة، جاءنا الخبر: تم التحفظ على راشد بيه في مستشفى السجن العسكري، وأُلغيت كافة قرارات العفو، وصدرت أحكام مشددة لا يمكن نقضها على بقية أفراد الشبكة.

في المساء، كنا نجلس في الشرفة. أمي تشرب شايها، ومريم تحاول الإمساك بقطرات المطر الخفيفة التي بدأت تسقط.

ياسين جلس بجانبي، وضع يده على يدي لأول مرة منذ أشهر دون أن أسحبها. النظرة التي بيننا لم تعد نظرة ذنب، بل كانت نظرة ناجين من مذبحة.

نظرت إلى أمي وقلت لها: “تفتكري كده خلاص؟”

ابتسمت أمي، وضمت مريم إليها وقالت: “الشر مابيموتش يا ليلى.. بس إحنا عرفنا خلاص إزاي بنكبر، وإزاي بنحمي بعض. اللي بيعيش بدم غيره بيفضل طول عمره خايف.. أما اللي بيدي دمه، بيمشي وراسه في السما.”

نظرت إلى جرح أمي من فوق ملابسها، ولم يعد يبدو لي مشوهًا أو مرعبًا.. كان يبدو كأنه وسام، خط دفاعنا الأول والأخير، والباب الذي أغلقناه في وجه الظلام للأبد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *