غبت عن مراتي عشر دقائق 2
المصيبة انفجرت في نص الفرح.
لأن في اللحظة دي بالذات
باب الممر اتفتح.
وكان فيه ضيوف واقفين.
رجالة أعمال.
صحفيين.
وأصحاب أبويا.
كلهم سمعوا.
وشافوا.
وفجأة
هنا عملت حاجة محدش توقعها.
مسحت دموعها.
وعدلت فستانها المقطوع بإيد ثابتة.
وبعدين خرجت تمشي وسط المعازيم.
وأنا وراها.
القاعة كلها سكتت أول ما شافوا شكلها.
أمي جريت وراها تصرخ هنا! ارجعي هنا!
لكن هنا طلعت على المسرح الصغير اللي عليه الفرقة.
ومسكت الميكروفون.
كل الناس كانت باصة عليها.
وقالت بصوت ثابت أنا آسفة إني هبوظ حفلتكم بس أهل جوزي حاولوا يخلوني الضحية اللي تسكت.
وشاورت على مازن.
أخو جوزي اعتدى عليا من عشر دقايق.
القاعة انفجرت همهمة وصريخ.
وأبويا حسيت إنه هيقع.
لكن هنا مكملتش عياط.
كملت قوة.
وقالت وحماتي بدل ما تدافع عني، سألتني أنا عملت إيه يخليه يعمل كدة.
كل العيون راحت لأمي.
أمي وشها بقى رمادي.
ولأول مرة في حياتها
مكانش عندها رد.
الشرطة وصلت بعد نص ساعة.
واحد من المعازيم كان صحفي كبير، وسرب جزء من القصة قبل ما الليل يخلص.
وفي أيام
اسم عيلة الشناوي بقى فضيحة على كل لسان.
تحقيقات في التحرش.
وتحقيقات مالية.
والشركات اتجمدت.
أما مازن
فأصحابه نفسهم بعدوا عنه.
والراجل اللي طول عمره داخل أي مكان مرفوع الراس
بقى يدخل النيابة مكبل.
أبويا حاول يساومني.
كلمني بعد أسبوع وقال هنقسم كل حاجة بينك وبين أخوك بس اقفل الموضوع.
سألته وأنا أقفل حق مراتي بكام؟
سكت.
قفلت السكة في وشه.
ومن يومها
معرفش يكلمني تاني.
بعد شهور
أنا وهنا نقلنا شقة جديدة بعيد عنهم.
أول ليلة هناك، هنا كانت واقفة في البلكونة تبص للسما.
قربت منها وسألتها ندمانة إنك دخلتي حياتي؟
لفت لي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
وقالت لو رجع بيا الزمن كنت هختارك أنت تاني.
حضنتها.
وحسيت لأول مرة
إن البيت مش المكان اللي اتربيت فيه.
البيت هو الشخص اللي وقف مكسور وبرضه اختارك.
وفي نفس اللحظة
تليفوني رن برسالة جديدة.
خبر عاجل
القبض على رجل الأعمال عبد الرحمن الشناوي وابنه في قضايا غسل أموال وابتزاز.
بصيت لهنا.
وهي همست بهدوء الحق عمره ما بيضيع.
وأنا لأول مرة من سنين
صدقتها.
:
## الجزء الثاني: رماد الماضي
مرت سنة كاملة على تلك الليلة التي هزت الرأي العام. عائلة الشناوي تفتتت تماماً؛ “عبد الرحمن الشناوي” وابنه “مازن” خلف القضبان يقضيان عقوبة بالسجن المشدد، بينما اختفت أمي عن الأنظار تماماً بعد أن قاطعها مجتمعها المخملي الذي طالما تفاخرت به.
أما أنا وهنا، فكنا نحاول بناء حياتنا من الصفر في مدينتنا الساحلية الصغيرة، بعيداً عن صخب العاصمة ومؤامراتها. هنا بدأت تتماثل للشفاء النفسي، وافتتحت مرسماً صغيراً يعبر عن روحها التي عادت للحياة، وأنا أسست شركتي الخاصة للاستشارات القانونية والمالية.
لكن الهدوء الذي يسبق العاصفة دائماً ما يكون خداعاً.
### اللقاء غير المتوقع
في مساء أحد الأيام، كنت عائداً إلى المنزل، وفوجئت بسيارة سوداء فاخرة تقف أمام باب بنايتنا. نزل منها رجل في الخمسينيات من عمره، يبدو عليه الثراء الفاحش لكن ملامحه كانت حادة وصارمة.
أوقفني قائلاً بلهجة واثقة:
> “أنت كريم الشناوي؟ أنا سليم الهواري… الشريك السابق لوالدك، والرجل الذي دمرتَ ثروته عندما سربت الملفات للنيابة.”
>
شعرت ببرودة تسري في جسدي، لكنني حافظت على ثباتي:
* “أنا لم أدمر أحداً، القانون هو من أخذ مجراه ضد اللصوص.”
* ضحك بسخرية وقال: “والدك لم يكن يغسل أمواله فقط يا كريم… والدك كان يحمل سراً أكبر، سراً يخص عائلة زوجتك ‘هنا’ تحديداً، وهو السبب الحقيقي وراء كره والدتك لها واعتداء مازن عليها!”
قبل أن أنطق بكلمة، ركب سيارته وانطلق، تاركاً في يدي مظروفاً أسود صغيراً.
### السر المدفون
دخلت الشقة وأنا أحاول إخفاء توتري عن هنا. انتظرت حتى نامت، وفتحت المظروف تحت ضوء خافت. ما قرأته جعل أنفاسي تتوقف:
> **الوثائق أثبتت أن والد “هنا” لم يكن رجلاً فقيراً عادياً مات في حادث سير كما أخبرتني… بل كان الشريك الثالث لـ “عبد الرحمن الشناوي” و”سليم الهواري” في بداياتهم، وأن والدها قُتل بفعل فاعل بعد أن رفض الدخول في أعمالهم المشبوهة، وتم الاستيلاء على حصته بالكامل وتزوير أوراقه ليظهر كشخص مفلس!**
>
الأكثر رعباً، أن والدتي كانت تعلم بكل شيء، وزواجنا لم يكن مجرد صدفة، بل كان خطة من والدي لإبقاء “هنا” تحت أنظارهم خوفاً من أن تكتشف الحقيقة يوماً ما وتطالب بحقها القانوني الذي يقدر بالملايين.
وفجأة، سمعت صوتاً خلفي:
“يعني أنا مش مجرد بنت غلبانة عطفتوا عليها؟”
التفت برعب لأجد “هنا” واقفة عند باب الغرفة، وعيناها مليئتان بدموع تجمدت من الصدمة. كانت قد قرأت السطور الأخيرة فوق كتفي.
### المواجهة الأخيرة
لم نبكِ هذه المرة. الألم تحول إلى وقود مستعر. نظرت هنا إليّ وقالت بلهجة لم أعهدها فيها من قبل:
> “أنا مش هسيب حق أبويا يا كريم… حتى لو كان الثمن اسم عيلتك بالكامل.”
>
قبّلت رأسها وقلت: “أنا معاكِ لآخر نفس… اسم عيلتي انتهى من اليوم اللي لمسوا فيه شعرة منك.”
بدأنا معركة قضائية جديدة، لكن هذه المرة لم تكن ضد والدي وأخي المستسلمين في سجنهم، بل ضد الحوت الأكبر “سليم الهواري” الذي كان يظن أنه يستطيع تهديدنا.
استخدمت كل خبرتي القانونية، وأعدنا فتح ملف قضية مقتل والد هنا قبل عشرين عاماً. تواصلت مع ضباط شرفاء، وقدمنا الوثائق التي كانت مخبأة في حسابات والدي السرية والتي لم تلتفت لها النيابة في القضية الأولى لأنها كانت تحتاج إلى “مفتاح حل” لم نكن نملكه سوى الآن.
### قوس العدالة
بعد ستة أشهر من الجلسات الساخنة والتهديدات التي لا تنتهي من رجال “الهواري”، جاء يوم النطق بالحكم.
القاعة كانت مزدحمة بالصحفيين. “سليم الهواري” كان يقف في قفص الاتهام بوجه شاحب، وبجانبه تم استدعاء والدي “عبد الرحمن الشناوي” من سجنه كمتهم ثانٍ بالمشاركة في التزوير والتستر على جريمة قتل.
نطق القاضي بحكمه التاريخي:
* **السجن المؤبد** لـ “سليم الهواري” بتهمة القتل العمد والتزوير.
* **إضافة عشر سنوات** لعقوبة “عبد الرحمن الشناوي”.
* **رد كافة الحقوق والممتلكات** والأسهم المستولى عليها لـ “هنا” بصفتها الوريثة الوحيدة لوالدها.
التفت والدي إليّ من خلف القضبان، وصرخ بصوت مبحوح: “دمرت عيلتك عشان واحدة غريبة يا كريم؟!”
نظرت إليه بثبات وقلت:
> “دي مش غريبة… دي صاحبة البيت… وأنت اللي كنت غريب عن الشرف والعدل.”
>
### النور بعد الظلام
خرجنا من محكمة الجنايات، والشمس كانت ساطعة بشكل دافئ. الصحفيون حاصرونا، لكننا لم ندلِ بأي تصريحات. ركبنا سيارتنا وتوجهنا مباشرة إلى المقابر.
وقفت هنا أمام قبر والدها، وضعت زهوراً بيضاء، ولأول مرة منذ أن عرفتها، رأيت ابتسامة صافية تماماً على وجهها، ابتسامة خالية من أي انكسار أو خوف.
أمسكت يدها، فنظرت إليّ وقالت: “دلوقتي بس… أبويا يقدر يرتاح.”
عدنا إلى بيتنا الصغير، نظرتُ إلى الأفق وقلت لها: “أنتِ الآن واحدة من أغنى سيدات الأعمال، هل هننقل لفيلا كبيرا؟”
لفت يديها حول رقبتي وقالت بهمس:
“أنا الخوف جوايا عشان أعيش في أمان… والأمان ده مش في الفلل والقصور، الأمان هنا…
في حضنك أنت… يا بيتي الحقيقي.”
>
وانتهت الحكاية، ليس فقط بظهور الحق، بل بانتصار القلوب التي رفضت أن تنحني للظلم.