السلفه الوسطانيه 2
بقلم اماني سيد
قرب ياسر من مراته بالراحة، ونزل على ركبه جنبها على الأرض. مسك إيدها اللي كانت معلمة تحت رجل سلفتها، وبص في عينيها بصوت مكسور وخايف وسألها: “صفا.. ايه اللي حصل يا صفا؟ اتكلمي وقوليلي الحقيقة”.
أول ما شفت منظره نزلها كده، اتنطزت وصرخت فيه بغضب: “جرى ايه يا ياسر؟! أنت هتكدب أمك وسلايف إخواتك وتصدق الـ…”.
بس قبل ما أكمل كلامي، رفع ياسر إيده في وشي وهو بيبصلي بنظرة عمره ما بصها لي قبل كده، وقال بصوت حاد يرج المكان وهو جازز على سنانه: “بس يا أمي! بعد إذنك محدش يتكلم ولا ينطق بنص كلمة.. أنا بكلم مراتي وبتعلم منها هي!”.
البيت كله سكت، وهدير والصغيرة اتخرسوا من الصدمة. صفا رفعت عينها المليانة دموع وجسمها كله بيرتعش، وبصت في عين ياسر وقالت بصوت بحاح ومخنوع:
“ابنك جه جرى وهو بيبكي ومقهور يا ياسر.. ابن عمة قالوا أُمك شغالة عندنا وأنت المفروض تشيلنا الشنط وإحنا رايحين المدرسة. ولما خرجت عاتبته، خرجتلي أمك وشرشحتلي وقالتلي ابنك نكدي زي أهله وأنتوا بتتبلوا علينا. نزلت قفلت عليّ بابي، طلعتلي هدير تتهمني إن ابني بيتخانق مع ابنها، وبتقولي علميه يسمع كلام ابني ويمشي تحت أمره عشان أحن عليه وأخليه يلعب معاه. ولما قولت لها ابني مش هيشيل شنطة حد وطردتها بالذوق، نزلت لأمك وشحنتها.. طلعت أمك ضربتني ولطمتني على وشي، وسلفتك الصغير ودست برجليها على إيدي وقالتلي أنتِ خدامة وعيلتك أقل من عيلتنا.. إهانات سنين استحملتها عشان خاطر أشتري ودكم، بس لحد كرامة عيالي وكرامتك يا ياسر.. أنا خلاص جبت اخرى”.
ياسر كان بيسمع الكلام، وعروق رقبة ووشه بينفخوا والدم محبوس في وشة، ونظرة عينيه كانت بتقول إن اللي جاي مش هيعدي على خير أبداً.
فضل ياسر باصص لصفا، وبعدها وقف على حيل بطوله وهو بيتنفس بصعوبة من شدة الغضب. لف وشّـه لينا، وعينيه كانت بتطلع شرار، وبصلي وبص لهدير وسلفتها الصغيرة وقائل بصوت يرّج العمارة كلها:
“صفا مش أقل من أي حد فيكم.. بالعكس، صفا أعلى منكم كلكم وأنتم اللي قليلين أوي قدامها! صفا أعلى منكم في الأخلاق والأصل، مؤهلها أعلى منكم كلكم، وأنتم عارفين ده كويس ومحروقين منه! أنتم بتعملوا معاها كل ده عشان عندكم عقدة نقص من ناحيتها! شايفينها نظيفة من جوة وأصلها طيب، وعارفين إنها أحسن منكم في كل حاجة، فكنتم بتستقووا عليها عشان تداروا على نقصكم وشعوركم بالدونية قدامها!”.
بص لهدير وللصغيرة وقالهم بكل قسوة وغل: “الست اللي كنتم بتستغلوها وتطلع تمسحلكم وتخدمكم وهي عيانة، كانت بتعمل كده بأصلها ونظافة قلبها، مش لأنها خدامة عندكم! لكن النقص اللي فيكم خليتكم تشكوا إن ده فرض عليها! أنتم اللي ناس وخستكم باينة، وبدل ما تتكسفوا من نفسكم وتصونوها، اتجمعتوا عليها زي التعالب عشان تكسروها!”.
وبصلي أنا، وأول مرة أشوف في عينيه الوجع ده وهو بيكلمني: “وأنتِ يا أمي.. بدل ما تكوني الكبيرة اللي بتعدل وتتقي ربنا في بنت الناس اللي دخلت بيتك، كنتِ أول واحدة تظلميها وتملي قلوبهم غل ضدها! صفا اللي كنتِ بتقللي منها هي الوحيدة اللي كانت بتشيلك وتخدمك بجد وبضمير، وأنتم كلكم على بعضكم ما تجوش نقطة في بحر أخلاقها ولا تربيتها!”.
اتسمرنا كلنا مكاننا، هدير والصغيرة وشهم جاب ألوان وما قدرتش واحدة فيهم تفتح بقها بنص كلمة من هول الكلام والصدمة، وأنا واقفة مكاني مش قادرة أرد ولا أرفع عيني في عينه.
مسك ياسر إيد مراته صفا، وطبطب عليها وهو بيقومها من على الأرض، ونزل جاب عياله من الأوضة ومسك إيديهم، وقال بصوت حاسم ينهي كل حاجة: “البيت ده باللي فيه ماليش قعدة فيه تاني خلاص.. ويا صفا، كرامتك وكرامة عيالك فوق راسي، وحقك وحق عيالك هيرجعلك غصباً عن عين أي حد هنا”.
بص ياسر لينا كلنا، وعينيه بتطق شرار والغل ملا قلبه ، ونبرة صوته المرة دي نزلت أعمق وأقوى، كأنها زلزال بيزلزل أركان البيت كله، وقال بصوت يرعب:
“واللي عملتوه فيها وفي عيالي النهاردة ده، أقسمت بالله العظيم ما هعديه بالساهل! الكلام والإهانة اللي اتقالت لابني، وقلة الأدب والمد بالإيد على مراتي، الكل هيتحاسب عليها حرف بحرف.. ومش هعمل حساب لأي حد هنا بعد النهاردة، اى كان مين يكون !”.
بص لهدير وللصغيرة بغل يقطع النفس: “رجالتكم لما يرجعوا، يوروني وشهم.. عشان اللي اتعلمتوه في بيوتكم النقص دي هتردوه مضاعف، وحق مراتي وعيالي آخده بذراعي وبالقانون وقسماً بالله ما هسيب شرفي وكرامتي تتداس تحت رجليكم تاني!”.
ولف وشّه ليا، ونظرته كانت أصعب من أي ضربة: “وأنتِ يا أمي.. ربنا يسامحك على كل افترا افتريتيه على بنت الناس دي، لكن من النهاردة أنتِ ليكي ابن اسمه ياسر مات.. ومش عايز أشوف وش حد فيكم ولا اسمع صوتكم لحد ما أقابل ربنا والشقه دى انا هبيعها وهجيب حد غريب يقعد فى وسطيكم ومش هراعى حاجه من هنا ورايح
شد صفا من إيدها بحنية وقوة في نفس الوقت، ومسك عياله تحت ذراعه ، ومشي بيهم ناحية الباب. صفا مشيت جنبه وراسها مرفوعة، ودموعها نزلوا بس المرة دي دموع راحة مش كسرة. خرجوا ودبوا الباب وراهم، وسابوا البيت في حالة صمت قاتل، وهدير والصغيرة واقفين يترعشوا وشهم أصفر زي الليمون، وأنا اتسمرت مكاني مش قادرة آخد نفسي، والندم والخصام أكلوا قلبي في لحظة.