جوزي طردني من بيتي عشان امه
طردتني حماتي من المنزل كي يتمكن ابنها الأكبر وزوجته من إنجاب طفل براحة. وفي صباح اليوم التالي، اتصلتُ بشركة نقل الأثاث، لكنها أصيبت بالذعر عندما أدركت أنني لا آخذ أغراضي فقط بل آخذ الإيجار كله معي أيضًا.
كنتُ أدفع 21 ألف ريال شهريًا مقابل ذلك المنزل المطلّ على التلال الهادئة شمال الرياض.
وهي لم تكن تعلم.
حتى زوجي لم يملك الشجاعة ليخبرها بالحقيقة.
بدأ كل شيء مساء الأحد، بعد العشاء العائلي.
وضعت حماتي، أمينة، فنجان القهوة على الطاولة، ثم نظرت إليّ وكأنني ضيفة غير مرغوب بها.
وقالت ببرود
يا مريم، نحتاج أن نتحدث.
نظر زوجي، سامر، إلى الأرض مباشرة.
وكان ذلك أول ما جرحني.
ليس كلماتها بل صمته.
قالت حماتي
أخوكِ سامي وزوجته ندى يحاولان الإنجاب منذ سنوات، وهذا المنزل أكبر وأجمل وأنسب لعائلة حقيقية.
شعرتُ بشيء يختنق في صدري.
عائلة حقيقية؟
وضعت ندى يدها على بطنها المسطّح وكأنها ضحية مأساوية، ثم قالت
الطبيبة قالت إن التوتر يؤثر كثيرًا على فرص الحمل.
أما سامي، فهزّ رأسه وكأنني أحتلّ حضّانة أطفال.
ابتسمت أمينة بلا ذرة خجل
أنتِ وسامر ليس لديكما أطفال بعد. يمكنكما الانتقال إلى شقة أصغر. لا تكوني أنانية.
التفتُّ نحو سامر.
انتظرتُ أن يقول شيئًا.
أن يوضح لهم أن المنزل ليس ملكًا لوالدته.
أن عقد الإيجار باسمي أنا.
أن مبلغ 21 ألف ريال يخرج كل شهر من حسابي لأنّه خسر عمله قبل عام تقريبًا، ولأنني تكفّلت بكل شيء حتى لا يشعر بالإهانة أمام عائلته.
لكن سامر قال بصوت خافت
حبيبتي ربما يمكننا مساعدتهم.
مساعدتهم.
هكذا وصف طردي من منزلي لإرضاء عائلته.
شعرتُ بشيء يتحطم داخلي، لكنني لم أبكِ.
اكتفيتُ بالسؤال
ومن سيدفع الإيجار؟
ضحكت حماتي بخفة وقالت
يا مريم، لا تبالغي. سامر دائمًا يتكفل بهذه الأمور.
وفي تلك اللحظة فهمت كل شيء.
لقد كذب عليهم.
جعلهم يظنون أنه المعيل، وصاحب المنزل، والرجل الذي يدفع كل شيء.
أما أنا الزوجة الصعبة، فلم أكن سوى عقبة في طريقهم.
قلت بهدوء
حسنًا.
رفع سامر رأسه بدهشة
حسنًا؟
نعم. سأغادر غدًا.
ابتسمت حماتي وكأنها انتصرت في معركة طويلة.
وقالت بثقة
جيد أنكِ أخيرًا عرفتِ مكانك.
في تلك الليلة حاول سامر احتضاني، لكنني دفعته بعيدًا.
سألته
لماذا لم تخبرهم يومًا أنني أنا من يدفع كل شيء؟
ظل صامتًا للحظات، ثم قال
أمي شخصية معقدة
قاطعته فورًا
لا أنت جبان.
لم أنم تلك الليلة.
وعند السابعة صباحًا اتصلتُ بشركة نقل.
وفي التاسعة تمامًا، توقفت ثلاث شاحنات أمام المنزل.
لم تكن تحمل صناديق صغيرة فقط.
بل كانت تحمل قوائم، وملصقات، وجردًا كاملًا لكل شيء.
لأنني لم أكن أنوي ترك حتى ملعقة واحدة اشتريتها بمالي.
الأرائك.
السرير الكبير.
الثلاجة.
الغسالة.
التلفاز.
الستائر.
المصابيح.
حتى الطاولة التي طردتني
حماتي عليها الليلة الماضية.
كل شيء خرج من الباب الأمامي.
خرجت أمينة مسرعة بعباءتها المنزلية، ولفافات الشعر ما تزال فوق رأسها، وهي تنظر حولها بذعر.
صرخت
ماذا تفعلين؟!
أنتقل.
لكن لا يمكنكِ أخذ الأثاث!
إنه أثاثي.
هذا منزل ابني!
أخرجتُ عقد الإيجار، ورفعته أمام وجهها مباشرة.
تغيّرت ملامحها في لحظة.
أولًا غضب.
ثم شك.
ثم خوف.
قالت بصوت مرتبك
لماذا اسمكِ موجود هنا؟
أجبتها بهدوء
لأنني أنا من يدفع الإيجار.
وصل سامي خلفها، بينما كانت ندى تتمسك بذراعه بقلق.
سأل سامي
ماذا يعني هذا؟
في تلك اللحظة كان أحد العمال يحمل سرير الطفل الأبيض الذي طلبت ندى وضعه مسبقًا في الغرفة التي كانت مكتبي الخاص.
نظرتُ إليها مباشرة وقلت
يعني أنه إذا أردتما تربية طفل هنا فعليكما أولًا دفع 21 ألف ريال شهريًا.
فتحت أمينة فمها، لكن الكلمات اختفت.
أما سامر، فنزل الدرج شاحب الوجه، وقميصه ما يزال مجعدًا.
قال بتوتر
مريم انتظري. يمكننا أن نتحدث.
نظرتُ إليه ببرود
لقد تحدثنا البارحة وأنت اخترت الصمت.
وفجأة رنّ هاتفي.
كان مالك العقار.
فتحت مكبر الصوت ورددت
نعم؟
قال الرجل بصوت رسمي
أستاذة مريم، وصلني طلب إلغاء العقد. أحتاج فقط لتأكيد أمر واحد هل ستستمر عائلة زوجكِ في السكن داخل العقار، أم أبدأ إجراءات الإخلاء؟
تعلّقت أمينة بظهر الكرسي حتى لا تسقط.
أما سامر، فنظر إليّ وكأنه أدرك أخيرًا أنه لا يخسر زوجته فقط بل يخسر السقف الذي كان يتباهى أمام الجميع بأنه يملكه.
وتمامًا عندما كنتُ على وشك الرد
أضاف مالك العقار
وهناك تفصيل آخر شخص ما حاول نقل عقد الإيجار إلى اسم سامر مستخدمًا توقيعًا لا يبدو أنه توقيعكِ الحقيقي.
تجمّد المكان بالكامل بعد كلمات مالك العقار.
أما سامر فشعرتُ لأول مرة أنه خائف فعلًا.
ليس خائفًا من خسارتي.
بل خائف من انكشافه.
أغلقتُ الهاتف ببطء، بينما كانت أمينة تنظر إلى ابنها بعينين متسعتين.
ما معنى هذا الكلام يا سامر؟!
لم يُجب.
اقترب سامي منه بعصبية
هل حاولت فعلًا نقل العقد باسمك؟
مسح سامر وجهه بكفيه وقال بسرعة
الموضوع ليس كما تظنون
قاطعتُه ببرود
بل هو تمامًا كما قال الرجل.
ثم أخرجتُ من حقيبتي ملفًا أزرق كنت قد احتفظت به منذ أشهر.
كنت أعلم أن شيئًا ما يحدث خلف ظهري.
لكنني لم أتخيل أبدًا أن يصل الأمر إلى تزوير توقيعي.
فتحت الملف أمامهم.
داخله نسخ من رسائل البريد الإلكتروني، وصور من طلبات إلكترونية، ومحاولات تعديل بيانات الحساب الخاص بالإيجار.
كلها باسم سامر.
وكلها تمت دون علمي.
شهقت ندى وهي تنظر إلى الأوراق.
أما أمينة، فجلست ببطء على الأريكة الوحيدة التي لم يحملها العمال بعد.
وقالت بصوت مرتجف
سامر قل إن هذا غير صحيح.
لكن سامر لم ينظر إليها.
كان ينظر إليّ أنا.
وكأنه ينتظر مني أن أنقذه للمرة الأخيرة.
لكن شيئًا داخلي كان قد انتهى تمامًا.
أحد العمال اقترب مني باحترام
أستاذة مريم، بقيت غرفة واحدة فقط.
أومأت له بهدوء.
ثم صعد العامل إلى الطابق العلوي.
وفي تلك اللحظة فقط تذكرت ندى شيئًا مهمًا.
ركضت بسرعة نحو الدرج وهي تصرخ
غرفة الطفل!
تبعتها أمينة بسرعة، بينما وقف سامي مترددًا للحظات قبل أن يلحق بهما.
أما سامر، فبقي مكانيهما.
نظر إليّ بصوت منخفض
هل ستفعلين هذا حقًا؟
ضحكت لأول مرة منذ الليلة الماضية.
لكنها لم تكن ضحكة فرح.
كانت ضحكة شخص اكتشف متأخرًا أنه كان يعيش مع غريب.
قلت
أنا لا أفعل شيئًا يا سامر أنا فقط آخذ ما يخصني.
رفع رأسه أخيرًا وقال بعصبية
أنتِ تبالغين! أمي لم تكن تقصد طردك فعليًا!
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
لكنها فعلت.
كان مجرد نقاش عائلي!
لا كان قرارًا. وأنتم اتخذتموه بدوني.
اقترب خطوة مني
مريم اسمعيني
هل استمعتَ إليّ أنت عندما كانوا يتحدثون عني وكأنني عبء؟
صمت.
وذلك الصمت كان إجابته المعتادة دائمًا.
وفجأة دوّى صوت صراخ من الأعلى.
ركض سامر نحو الدرج.
أما أنا فلم أتحرك.
كنت أعرف تمامًا سبب الصراخ.
بعد دقائق نزلت ندى وهي تبكي.
وخلفها العامل يحمل سرير الطفل الأبيض مفككًا داخل صناديق.
صرخت ندى بانهيار
لا يمكنها أخذ هذا! لقد طلبناه للطفل!
أجاب العامل بهدوء مهني
الفاتورة باسم الأستاذة مريم.
نظرت ندى إلى سامي وكأنها تنتظر منه معجزة.
لكن سامي نفسه كان مصدومًا.
بدأ ينظر حوله فجأة
إلى التلفاز.
إلى الطاولة.
إلى السجاد.
إلى المكيفات.
ثم قال ببطء
لا تقل لي إن كل شيء هنا
أجبته بهدوء
نعم. كل شيء اشتريته أنا.
شعرت أمينة وكأن الأرض سُحبت من تحتها.
همست
لكن سامر قال
قاطعها سامر بعصبية
أمي، ليس الآن!
لكن الوقت كان قد فات.
لأول مرة بدأت أمينة ترى الحقيقة التي أخفاها ابنها سنوات كاملة.
ابنها الذي كانت تتباهى به أمام الجميع
لم يكن يدفع شيئًا.
ولأول مرة أيضًا
بدأ سامي ينظر إلى أخيه بنظرة مختلفة.
ليست نظرة احترام.
بل نظرة خيبة.
أما أنا، فكنت أراقبهم بصمت.
الغريب أنني لم أشعر بالشماتة.
فقط شعرت بالتعب.
تعب سنوات كاملة من الصمت.
تعب كل مرة كنت أغطي فيها فواتير المنزل بينما سامر ينشر صور القهوة والسيارات على الإنترنت وكأنه رجل أعمال ناجح.
تعب كل مرة كنت أسمع فيها حماتي تمدحه لأنه رجل يعتمد عليه، بينما كنت أعود أنا من عملي منهكة بالكاد أستطيع الوقوف.
وفجأة قال سامي بصوت حاد
انتظر إذا كانت مريم تدفع الإيجار وكل شيء هنا لها فأين كانت تذهب أموالك يا سامر؟
ساد الصمت.
ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الكوارث.
رفع سامر رأسه ببطء.
ثم قال جملة جعلت الجميع ينظر إليه بصدمة
خسرت بعضها في الاستثمار.
ضيّقت عينيّ فورًا.
الاستثمار؟
كنت أعرف هذه الكذبة.
سمعتها سابقًا.
كثيرًا.
لكن أحدًا من عائلته لم يسمعها من قبل.
اقترب سامي منه أكثر
أي استثمار؟
تردد سامر.
ثم قال
مشروع إلكتروني ولم ينجح.
لكنني رأيت الرعب في عينيه.
لأنني كنت الوحيدة التي تعرف الحقيقة كاملة.
ولأن المشروع الإلكتروني لم يكن مشروعًا أصلًا.
بل شيئًا آخر تمامًا
شيئًا لو عرفته والدته فلن تنظر إليه بالطريقة نفسها أبدًا.
الجزء الثاني الحقيقة بدأت تظهر.
ظلّ سامي يحدّق في أخيه وكأنه يراه لأول مرة.
أما أمينة، فكانت ما تزال تحاول استيعاب ما يحدث حولها.
ابنها الذي كانت تدافع عنه دائمًا
يبدو الآن كرجل غريب تمامًا عنها.
قال سامي بحدة
أي مشروع هذا الذي ابتلع كل أموالك؟
رد سامر بسرعة وكأنه يحفظ الجواب مسبقًا
منصة تجارة إلكترونية دخلت فيها مع بعض الأصدقاء.
لكنني عرفت فورًا أنه يكذب.
ليس لأنني أشك فيه فقط
بل لأنني رأيت الحقيقة بعيني منذ أشهر.
تنفست ببطء.
ثم قلت بهدوء
هل تريد أن أخبرهم أين ذهبت الأموال فعلًا؟
التفت الجميع نحوي.
حتى العمال توقفوا للحظة عن حمل الصناديق.
أما سامر، فتغيّر لونه فورًا.
وقال بصوت منخفض
مريم لا تفعلي.
ضحكت بسخرية خفيفة.
غريب الآن فقط أصبحتَ تخاف من الحقيقة؟
اقتربت أمينة مني بخطوات مرتبكة.
ماذا تقصدين؟
نظرت إليها مباشرة.
ثم قلت
ابنك لم يخسر أمواله في مشروع.
صمتُّ لثانية.
ثم أكملت
ابنك كان يقامر.
شهقت ندى.
أما سامي، فصرخ فورًا
ماذا؟!
أغلق سامر عينيه للحظة وكأنه يعرف أن النهاية بدأت.
قال بسرعة
ليست قمارًا! كانت تطبيقات مراهنات فقط
قاطعه سامي بغضب
هذا اسمه قمار!
بدأت أمينة تهز رأسها بعصبية.
لا سامر لا يفعل هذه الأمور.
لكنني فتحت هاتفي بهدوء.
ثم عرضت أمامهم كشوفات بنكية كنت قد احتفظت بها.
تحويلات متكررة.
مبالغ كبيرة.
مواقع أجنبية.
مدفوعات ليلية شبه يومية.
قالت ندى بصدمة
يا إلهي
أما سامي، فأمسك الهاتف من يدي وبدأ يقرأ بنفسه.
كلما انتقل بين العمليات المالية تغيّرت ملامحه أكثر.
حتى وصل إلى مبلغ ضخم سُحب خلال ليلة واحدة.
رفع رأسه ببطء
مئة وثمانون ألف ريال؟!
لم يُجب سامر.
وهنا فقط انهارت أمينة على الكرسي.
كانت تنظر إلى ابنها وكأنها لا تعرفه.
همست
كل هذه الفترة ومريم هي من كانت تدفع كل شيء؟
لم أُجب.
لم أكن بحاجة لذلك.
الصمت هذه المرة كان كافيًا.
أما سامر، فاقترب مني بسرعة وهو يحاول خفض صوته
هل أنتِ سعيدة الآن؟ هل هذا ما أردته؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
أنا لم أفضحك يا سامر أنت من فعل هذا بنفسك.
كنتِ تعرفين أنني أمرّ بظروف صعبة!
وكنتُ أساعدك.
إذًا لماذا تفعلين هذا الآن؟!
شعرت بشيء يغلي داخلي أخيرًا.
سنوات كاملة وأنا أبتلع الكلام.
سنوات وأنا أحمي صورته أمام الناس.
حتى أمام أمي وأخواتي كنت أقول دائمًا
سامر يمر بفترة مؤقتة فقط.
لكن ماذا فعل هو بالمقابل؟
تركني أُهان داخل المنزل الذي أدفع إيجاره.
تركني أُطرد وكأنني شخص دخيل.
بل وسمح لهم بالتخطيط للعيش هنا بعد خروجي مباشرة.
قلت بصوت ثابت
لأنك لم تكتفِ بالكذب بل حاولت سرقتي أيضًا.
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم رفعت عقد الإيجار أمامهم.
محاولة تزوير توقيعي لم تكن غلطة يا سامر.
ابتلع ريقه بصعوبة.
أما سامي، فاقترب منه بعنف
هل جننت؟!
صرخ سامر أخيرًا
كنت

ثم نظر إلى الجميع بعينين حمراوين
كنت خائفًا أن تخسروني جميعًا إذا عرفتم الحقيقة!
ضحك سامي بمرارة.
والحقيقة الآن أفضل؟
أما أمينة فكانت تبكي بصمت.
لكن الغريب أنني لم أشعر بالراحة.
كنت فقط أنظر إلى الرجل الذي أحببته يومًا وأحاول أن أفهم متى تحول إلى هذا الشخص.
وفجأة
رنّ جرس الباب.
التفت الجميع نحو المدخل.
فتح أحد العمال الباب ظنًا أنه عامل آخر من شركة النقل.
لكن الرجل الذي دخل لم يكن عاملًا.
كان يرتدي بدلة رسمية ويحمل ملفًا أسود.
سأل بهدوء
الأستاذ سامر موجود؟
تجمّد سامر فورًا.
أما أنا فعرفت الوجه مباشرة.
لقد رأيته مرة واحدة فقط من قبل.
في صورة أرسلها البنك منذ أشهر.
وقال الرجل بلهجة رسمية
أنا من قسم المتابعة القانونية في البنك الأهلي ولدينا أمر بخصوص ديون متأخرة باسم الأستاذ سامر.
شعرت أمينة وكأنها ستفقد الوعي.
أما سامي، فاستدار ببطء نحو أخيه وقال
ديون أيضًا؟
لكن الرجل لم يكتفِ بذلك.
فتح الملف بهدوء
ثم قال جملة جعلتني أنا نفسي أتجمّد في مكاني
وهناك سيارة مسجلة باسم زوجتك أُخذت كضمان دون علمها.
ظلّ سامي يحدّق في أخيه وكأنه يراه لأول مرة.
أما أمينة، فكانت ما تزال تحاول استيعاب ما يحدث حولها.
ابنها الذي كانت تدافع عنه دائمًا
يبدو الآن كرجل غريب تمامًا عنها.
قال سامي بحدة
أي مشروع هذا الذي ابتلع كل أموالك؟
رد سامر بسرعة وكأنه يحفظ الجواب مسبقًا
منصة تجارة إلكترونية دخلت فيها مع بعض الأصدقاء.
لكنني عرفت فورًا أنه يكذب.
ليس لأنني أشك فيه فقط
بل لأنني رأيت الحقيقة بعيني منذ أشهر.
تنفست ببطء.
ثم قلت بهدوء
هل تريد أن أخبرهم أين ذهبت الأموال فعلًا؟
التفت الجميع نحوي.
حتى العمال توقفوا للحظة عن حمل الصناديق.
أما سامر، فتغيّر لونه فورًا.
وقال بصوت منخفض
مريم لا تفعلي.
ضحكت بسخرية خفيفة.
غريب الآن فقط أصبحتَ تخاف من الحقيقة؟
اقتربت أمينة مني بخطوات مرتبكة.
ماذا تقصدين؟
نظرت إليها مباشرة.
ثم قلت
ابنك لم يخسر أمواله في مشروع.
صمتُّ لثانية.
ثم أكملت
ابنك كان يقامر.
شهقت ندى.
أما سامي، فصرخ فورًا
ماذا؟!
أغلق سامر عينيه للحظة وكأنه يعرف أن النهاية بدأت.
قال بسرعة
ليست قمارًا! كانت تطبيقات مراهنات فقط
قاطعه سامي بغضب
هذا اسمه قمار!
بدأت أمينة تهز رأسها بعصبية.
لا سامر لا يفعل هذه الأمور.
لكنني فتحت هاتفي بهدوء.
ثم عرضت أمامهم كشوفات بنكية كنت قد احتفظت بها.
تحويلات متكررة.
مبالغ كبيرة.
مواقع أجنبية.
مدفوعات ليلية شبه يومية.
قالت ندى بصدمة
يا إلهي
أما سامي، فأمسك الهاتف من يدي وبدأ يقرأ بنفسه.
كلما انتقل بين العمليات المالية تغيّرت ملامحه أكثر.
حتى وصل إلى مبلغ ضخم سُحب خلال ليلة واحدة.
رفع رأسه ببطء
مئة وثمانون ألف ريال؟!
لم يُجب سامر.
وهنا فقط انهارت أمينة على الكرسي.
كانت تنظر إلى ابنها وكأنها لا تعرفه.
همست
كل هذه الفترة ومريم هي من كانت تدفع كل شيء؟
لم أُجب.
لم أكن بحاجة لذلك.
الصمت هذه المرة كان كافيًا.
أما سامر، فاقترب مني بسرعة وهو يحاول خفض صوته
هل أنتِ سعيدة الآن؟ هل هذا ما أردته؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
أنا لم أفضحك يا سامر أنت من فعل هذا بنفسك.
كنتِ تعرفين أنني أمرّ بظروف صعبة!
وكنتُ أساعدك.
إذًا لماذا تفعلين هذا الآن؟!
شعرت بشيء يغلي داخلي أخيرًا.
سنوات كاملة وأنا أبتلع الكلام.
سنوات وأنا أحمي صورته أمام الناس.
حتى أمام أمي وأخواتي كنت أقول دائمًا
سامر يمر بفترة مؤقتة فقط.
لكن ماذا فعل هو بالمقابل؟
تركني أُهان داخل المنزل الذي أدفع إيجاره.
تركني أُطرد وكأنني شخص دخيل.
بل وسمح لهم بالتخطيط للعيش هنا بعد خروجي مباشرة.
قلت بصوت ثابت
لأنك لم تكتفِ بالكذب بل حاولت سرقتي أيضًا.
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم رفعت عقد الإيجار أمامهم.
محاولة تزوير توقيعي لم تكن غلطة يا سامر.
ابتلع ريقه بصعوبة.
أما سامي، فاقترب منه بعنف
هل جننت؟!
صرخ سامر أخيرًا
كنت خائفًا!
ثم نظر إلى الجميع بعينين حمراوين
كنت خائفًا أن تخسروني جميعًا إذا عرفتم الحقيقة!
ضحك سامي بمرارة.
والحقيقة الآن أفضل؟
أما أمينة فكانت تبكي بصمت.
لكن الغريب أنني لم أشعر بالراحة.
كنت فقط أنظر إلى الرجل الذي أحببته يومًا وأحاول أن أفهم متى تحول إلى هذا الشخص.
وفجأة
رنّ جرس الباب.
التفت الجميع نحو المدخل.
فتح أحد العمال الباب ظنًا أنه عامل آخر من شركة النقل.
لكن الرجل الذي دخل لم يكن عاملًا.
كان يرتدي بدلة رسمية ويحمل ملفًا أسود.
سأل بهدوء
الأستاذ سامر موجود؟
تجمّد سامر فورًا.
أما أنا فعرفت الوجه مباشرة.
لقد رأيته مرة واحدة فقط من قبل.
في صورة أرسلها البنك منذ أشهر.
وقال الرجل بلهجة رسمية
أنا من قسم المتابعة القانونية في البنك الأهلي ولدينا أمر بخصوص ديون متأخرة باسم الأستاذ سامر.
شعرت أمينة وكأنها ستفقد الوعي.
أما سامي، فاستدار ببطء نحو أخيه وقال
ديون أيضًا؟
لكن الرجل لم يكتفِ بذلك.
فتح الملف بهدوء
ثم قال جملة جعلتني أنا نفسي أتجمّد في مكاني
وهناك سيارة مسجلة باسم زوجتك أُخذت كضمان دون علمها.
الجزء القادم سيكشف السر الذي أخفاه سامر حتى عن أقرب الناس إليه.
شعرتُ للحظة أن الوقت توقف.
نظرتُ إلى الرجل القادم من البنك، ثم إلى سامر.
أما سامر فكان شاحبًا إلى درجة مخيفة.
قلت ببطء
ماذا تقصد بسيارتي؟
فتح الرجل الملف وأخرج عدة أوراق مرتبة.
لدينا عقد تمويل متأخر منذ سبعة أشهر، والسيارة المسجلة باسم الأستاذة مريم وُضعت كضمان ضمن الإجراءات.
اقتربت منه بسرعة وأخذت الأوراق من يده.
وبمجرد أن رأيت التوقيع
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
لم يكن توقيعي.
لكنه كان قريبًا منه جدًا.
قريبًا بطريقة مرعبة.
رفعت رأسي ببطء نحو سامر.
زوّرت توقيعي مرة أخرى؟
أخفض عينيه فورًا.
ولم يجب.
وهنا فقط فهم الجميع الحقيقة كاملة.
قال سامي بغضب لم أره منه من قبل
هل وصلت بك الأمور لهذا الحد؟!
أما أمينة، فكانت تبكي بصمت وهي تردد
مستحيل مستحيل ابني يفعل هذا
لكن الأدلة كانت أمامها.
ورقة تلو الأخرى.
ديون.
تحويلات.
عقود.
ومحاولات تزوير.
الرجل القادم من البنك قال بهدوء مهني
حاولنا التواصل عدة مرات، لكن الأستاذ سامر كان يطلب التأجيل باستمرار.
ثم نظر إليّ مباشرة
ولهذا حضرنا اليوم رسميًا.
شعرت بأن رأسي يدور.
ليس بسبب السيارة.
بل لأنني بدأت أكتشف أنني لم أكن أعرف الرجل الذي عشت معه أصلًا.
تذكرت كل مرة كان يعود فيها متوترًا.
كل مرة كان يطلب فيها تأجيل الحديث عن المال.
كل مرة كان يقول
الأمور ستتحسن قريبًا.
كنت أصدّقه.
أو ربما كنت أريد أن أصدّقه.
قال سامر فجأة بصوت مكسور
مريم أقسم أنني كنت سأخبرك.
ضحكت بمرارة.
متى؟ بعد أن تخسرني كل شيء؟
اقترب خطوة مني.
كنت أحاول إصلاح الوضع.
بتزوير توقيعي؟!
رفع صوته لأول مرة
كنت خائفًا!
صرخت فيه فورًا
وأنا؟! ماذا كنتَ تظنني أشعر وأنا أعمل ليل نهار حتى أحافظ على هذا البيت؟!
ساد صمت ثقيل.
حتى العمال توقفوا عن الحركة مجددًا.
أما ندى، فجلست على طرف الدرج وكأنها نسيت تمامًا موضوع الغرفة والطفل والمنزل.
كل شيء تغيّر خلال ساعة واحدة فقط.
وفجأة قال موظف البنك
هناك أمر آخر يجب مناقشته.
أغمض سامر عينيه فورًا.
وكأنه يعرف ما سيأتي.
قال الرجل
قبل أسبوعين، حاول الأستاذ سامر الحصول على قرض جديد باستخدام المنزل كإثبات سكن ودخل.
التفتُّ نحوه بصدمة.
أي دخل؟!
فتح الرجل صفحة أخرى.
ثم قال
تم تقديم مستندات تشير إلى أن الأستاذ سامر هو من يدفع إيجار العقار منذ عامين.
ضحك سامي بذهول.
ضحكة شخص لم يعد يعرف هل يغضب أم ينهار.
يعني حتى البنك كان يظن أنك الرجل الذي يصرف على البيت؟!
أما أمينة
فكانت تنظر إليّ الآن بطريقة مختلفة تمامًا.
لأول مرة منذ عرفتها.
ليس كزوجة ابنها.
بل كامرأة كانت تتحمل كل شيء وحدها.
اقتربت مني ببطء.
وقالت بصوت مكسور
مريم أنا
لكنني لم أتركها تكمل.
قلت بهدوء متعب
لا داعي للاعتذار الآن يا خالة أمينة.
خفضت رأسها فورًا.
أما سامر، فجلس أخيرًا على الدرج وكأنه فقد القدرة على الوقوف.
وبصراحة
لأول مرة منذ سنوات، بدا ضعيفًا فعلًا.
ليس ذلك الرجل الذي يتظاهر بالثقة أمام الجميع.
بل شخص غارق حتى رقبته في الكذب.
لكن رغم كل ما حدث
كان هناك سؤال واحد فقط يدور داخل رأسي
كيف وصل إلى هنا؟
كيف تحوّل من الرجل الذي أحببته إلى شخص يزوّر توقيع زوجته ويخاطر ببيتها وسيارتها؟
وكأن سامر قرأ أفكاري.
رفع رأسه نحوي فجأة وقال بصوت منخفض
الأمر بدأ بسبب أبي.
تجمّد الجميع.
حتى أمينة رفعت رأسها بسرعة.
قال سامي بحدة
لا تدخل أبي في الموضوع.
لكن سامر أكمل وكأنه انفجر أخيرًا
قضيت عمري كله أحاول أن أكون مثله!
ساد الصمت.
ثم تابع بصوت مرتجف
كان يريد سامي دائمًا سامي الناجح سامي الذكي سامي الذي يعتمد عليه.
نظر إلى أخيه مباشرة.
أما أنا فكنت مجرد الابن الذي لا يكفي.
قالت أمينة بسرعة
هذا غير صحيح!
لكن سامر ضحك بمرارة.
بلى كان صحيحًا.
ثم نظر إليّ أنا.
ولأول مرة رأيت دموعًا حقيقية في عينيه.
وعندما فقدت عملي خفت أن يعرف الجميع أنني فاشل فعلًا.
لم يرد أحد.
لأن الحقيقة أحيانًا تكون مؤلمة جدًا.
قال بصوت منخفض
في البداية كذبت مرة واحدة فقط ثم احتجت كذبة أخرى حتى أغطي الأولى وبعدها لم أعد أعرف كيف أتوقف.
أغمضت عيني للحظة.
جزء مني كان غاضبًا جدًا.
لكن جزءًا آخر
كان يرى رجلًا ضائعًا أكثر من كونه شريرًا.
وفجأة دوّى صوت إشعار من هاتف سامر.
نظر إليه ثم تغيّر وجهه بالكامل.
تجمّد.
ثم وقف بسرعة مفاجئة.
قلت بقلق
ماذا حدث؟
نظر إليّ بعينين ممتلئتين بالرعب.
وقال جملة جعلت الجميع يتجمّد مكانه
الحساب لقد سحبوا كل ما فيه.
الجزء القادم سيكشف من الشخص الذي كان يراقب سامر طوال هذه الفترة.
خطف سامر هاتفه بيد مرتجفة، وبدأ يضغط على الشاشة بسرعة جنونية.
لكن ملامحه كانت تزداد شحوبًا ثانية بعد ثانية.
اقترب سامي منه فورًا
ماذا يعني سحبوا كل ما فيه؟
رفع سامر نظره ببطء.
وكانت عيناه مليئتين بالذعر الحقيقي هذه المرة.
الحساب الاستثماري اختفى.
قال موظف البنك بجدية
أي حساب؟
بلع سامر ريقه بصعوبة.
ثم جلس مجددًا على الدرج وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
همس
الشخص الذي كنت أتعامل معه أخذ كل شيء.
عقد سامي حاجبيه.
أي شخص؟
لكنني أنا تذكرت فورًا.
قبل أشهر، كنت أسمع سامر يتحدث أحيانًا في الشرفة ليلًا.
كان يخفض صوته دائمًا عندما أمرّ قربه.
وحين أسأله، يقول
مجرد شريك عمل.
والآن فقط فهمت.
لم يكن هناك مشروع.
ولم يكن هناك شركاء حقيقيون.
كان يطارِد وهمًا كبيرًا حتى ابتلعه بالكامل.
قال سامر بصوت متقطع
تعرفت عليه عبر مجموعة استثمار على الإنترنت في البداية حققنا أرباحًا فعلية.
ضحك سامي بصدمة
أرباح؟! أنت كنت تغرق بالديون!
رفع سامر صوته فجأة
لأنني كلما خسرت كنت أضع مالًا أكثر لأعوّض!
ساد الصمت للحظة.
ثم قال موظف البنك بهدوء
هذا نوع من الاحتيال المالي المنتشر مؤخرًا.
أغمض سامر عينيه.
أعلم.
شعرت أمينة وكأن قلبها ينكسر أمامنا.
جلست قرب الحائط وهي تهمس
يا رب ماذا فعلت بنفسك يا ولدي
أما ندى، فكانت تمسك بذراع سامي بخوف واضح.
ولأول مرة منذ وصولها اختفى تمامًا ذلك الحديث عن المنزل والغرفة والطفل.
الآن الجميع أدرك أن المشكلة أكبر بكثير مما تخيلوا.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ بعد.
قال موظف البنك فجأة
المشكلة ليست في الأموال فقط.
رفع سامر رأسه ببطء.
وكأنه يعرف ما سيقال.
أكمل الرجل
الحسابات التي استخدمتها مرتبطة أيضًا بتحقيق جارٍ.
شعرت بقلبي ينقبض فورًا.
أي تحقيق؟
فتح الرجل ملفًا آخر.
ثم قال
بعض التحويلات خرجت إلى جهات مشبوهة خارج البلاد وهناك مراجعة رسمية بدأت منذ أيام.
صرخت
تقصد الشرطة؟!
لم يُجب الرجل مباشرة.
لكن صمته كان كافيًا.
أما سامر فدفن وجهه بين يديه.
لأول مرة بدا وكأنه انهار فعلًا.
اقتربت منه دون أن أشعر.
رغم كل شيء
لم أستطع رؤية إنسان ينهار أمامي بهذه الطريقة وأبقى بلا إحساس.
قلت بصوت منخفض
لماذا لم تطلب مساعدتي بدل كل هذا؟
رفع رأسه نحوي ببطء.
وعيناه كانتا ممتلئتين بالخجل.
لأنني كنت أخاف أن تنظري إليّ بالطريقة نفسها التي كان أبي ينظر بها إليّ.
شعرت بشيء مؤلم يتحرك داخلي.
لأنني فهمت أخيرًا أن سامر لم يكن يحارب المال فقط
بل كان يحارب شعورًا قديمًا بالنقص عاش معه سنوات طويلة.
لكن ذلك لم يبرر ما فعله.
ولا الكذب.
ولا التزوير.
ولا تركي أُهان داخل منزلي.
قال سامي فجأة
هل يعرف أبي شيئًا عن هذا؟
أجاب سامر بسرعة
لا.
لكن صوتًا جديدًا جاء من عند الباب وقال بهدوء ثقيل
الآن عرفت.
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
وكان والد سامر يقف عند المدخل.
الحاج محمود.
رجل لم يكن يرفع صوته كثيرًا
لكن وجوده وحده كان يكفي ليصمت الجميع.
نظر إلى المنزل الفارغ جزئيًا.
إلى الصناديق.
إلى أمينة الباكية.
ثم إلى سامر.
وقال ببطء
يبدو أنني وصلت متأخرًا.
شعرت بأن سامر توقف حتى عن التنفس.
أما سامي، فتمتم
أبي
دخل الحاج محمود بخطوات هادئة.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال
هل كل ما سمعته صحيح يا مريم؟
نظرت إليه للحظات.
ثم أومأت بصمت.
أغلق عينيه ببطء.
وكأن التعب هبط فوق كتفيه دفعة واحدة.
أما سامر، فوقف أخيرًا وقال بصوت مرتجف
أبي أنا أستطيع التفسير.
لكن الحاج محمود رفع يده فقط.
فسكت سامر فورًا.
ثم حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه.
اقترب الحاج محمود مني أنا
وليس من ابنه.
وقال أمام الجميع
سامحينا.
تجمّدت أمينة.
أما سامي، فخفض رأسه مباشرة.
حتى سامر نفسه بدا مصدومًا.
لكن الحاج محمود أكمل بصوت ثابت
نحن ظلمناكِ.
شعرت بشيء يخنقني فجأة.
لأن هذه كانت أول مرة منذ سنوات
أشعر أن أحدًا رأى الحقيقة كاملة.
لكن الحاج محمود لم ينتهِ بعد.
استدار ببطء نحو سامر.
ثم قال جملة جعلت وجه سامر يفقد لونه تمامًا
وهناك أمر آخر يجب أن يعرفه الجميع قبل أن ينهار كل شيء أكثر.
الجزء القادم سيكشف السر الذي أخفاه الأب عن العائلة لسنوات طويلة.
ساد صمت ثقيل داخل المنزل.
حتى العمال توقفوا عن الحركة مرة أخرى.
الجميع كان ينظر إلى الحاج محمود.
أما سامر فبدا وكأنه يعرف تمامًا ما الذي سيقوله والده.
قال سامر بسرعة وقلق واضح
أبي ليس الآن.
لكن الحاج محمود لم ينظر إليه حتى.
خلع شماغه ببطء، ثم جلس على الكرسي الوحيد المتبقي في غرفة الجلوس.
وقال بصوت هادئ
بل الآن لأن الحقيقة تأخرت كثيرًا أصلًا.
شعرت أمينة بالتوتر فورًا.
محمود ماذا تنوي أن تقول؟
تنهد طويلًا.
ثم رفع عينيه نحو سامر.
ولأول مرة رأيت في نظرته شيئًا يشبه الندم.
قال
سامر لم يكن ضعيفًا كما تظنون أنا من جعلته كذلك.
تجمّد الجميع.
حتى سامي بدا مصدومًا.
قال سامي
ماذا يعني هذا الكلام؟
مرر الحاج محمود يده على وجهه بتعب.
ثم قال
عندما كان سامر صغيرًا خسرنا كل شيء تقريبًا.
لم أفهم.
أما أمينة، فأخفضت رأسها فورًا.
تابع الحاج محمود
كنت أملك شركة مقاولات صغيرة ودخلت في صفقة كبيرة وخسرت خسارة قاسية.
نظر إلى سامر.
يومها كنت غارقًا في الديون والبنوك تطاردني وكنت أحتاج لمن أحمّل عليه غضبي.
أحسست بأن سامر توقف عن التنفس.
أما الحاج محمود فأكمل بصوت منخفض
سامي كان متفوقًا دائمًا هادئًا ناجحًا أما سامر فكان حساسًا جدًا.
ابتسم بمرارة.
وكلما فشلتُ أنا كنت أضغط عليه أكثر.
قالت أمينة بسرعة
محمود كفاية
لكنه أكمل
كنت أقارنه بأخيه طوال الوقت. أقول له لماذا لا تصبح مثل سامي؟ لماذا لا تعتمد على نفسك؟ لماذا لا تنجح مثله؟
نظر إلى الأرض للحظة.
ثم قال بصوت مكسور
حتى عندما كان ينجح بشيء صغير كنت أعتبره غير كافٍ.
ساد الصمت.
أما سامر فكان ينظر إلى والده بعينين ممتلئتين بشيء قديم جدًا.
شيء يشبه وجع طفل لم يختفِ أبدًا.
قال الحاج محمود
وعندما خسر عمله قبل سنة أخفى الأمر عني.
ثم نظر إليّ مباشرة.
لأنه كان يعرف أنني سأعتبره فشل مرة أخرى.
شعرت بشيء ثقيل في صدري.
لأنني بدأت أفهم أخيرًا لماذا كان سامر يهرب دائمًا من الحقيقة.
لم يكن يخاف الفقر.
بل كان يخاف الشعور بأنه لا يساوي شيئًا.
قال سامي بهدوء
ولماذا لم تخبرنا بهذا من قبل يا أبي؟
أجاب الحاج محمود
لأنني كنت أظن أن القسوة تصنع الرجال.
ثم ابتسم بحزن.
لكنها أحيانًا تصنع رجالًا يخافون الاعتراف بانكسارهم.
أما أمينة فكانت تبكي بصمت.
وقالت وهي تنظر إلى سامر
يا ولدي لماذا حملت كل هذا وحدك؟
ضحك سامر ضحكة قصيرة ومؤلمة.
لأنني تعبت من محاولة إرضائكم.
ثم نظر إليّ أنا.
وعندما وقفت مريم بجانبي شعرت بالخجل أكثر.
لم أفهم.
قال بصوت منخفض
كانت أقوى مني وأنجح مني وأكثر ثباتًا مني وبدل أن أشعر بالفخر كنت أشعر أنني أصغر كل يوم.
أغمضت عيني للحظة.
لأن كلامه رغم قسوته كان صادقًا.
وهذا ما جعله مؤلمًا.
قال سامر
في البداية كنت أريد فقط أن أثبت لنفسي أنني قادر على النجاح وحدي ثم دخلت تلك الاستثمارات وبعد أول ربح شعرت أنني أخيرًا أصبحت شخصًا مهمًا.
ضحك بمرارة.
وبعد أول خسارة بدأت الكارثة.
اقترب الحاج محمود منه ببطء.
ولأول مرة منذ دخل المنزل وضع يده على كتف ابنه.
ثم قال
أخطأت يا سامر لكنني أيضًا أخطأت معك.
رفع سامر عينيه نحوه بسرعة.
واضح أنه لم يسمع هذه الجملة من والده طوال حياته.
أما أنا
فكنت واقفة وسط الغرفة أشاهد عائلة كاملة تنهار أمامي وتحاول للمرة الأولى أن تكون صادقة.
لكن رغم كل شيء
بقي سؤال واحد داخل رأسي
وماذا عني أنا؟
ماذا عن السنوات التي عشتها أحمل هذا البيت وحدي؟
ماذا عن الإهانة التي تعرضت لها الليلة الماضية؟
وكأن الحاج محمود فهم ما أفكر به.
استدار نحوي مباشرة.
وقال أمام الجميع
القرار الآن قرارك يا مريم.
شعرت بأن الأنظار كلها اتجهت نحوي.
سامر.
أمينة.
سامي.
ندى.
حتى العمال كانوا يراقبون بصمت.
قال الحاج محمود
إن أردتِ الرحيل فلن يلومك أحد.
ثم نظر إلى ابنه بحزم.
وإن قررتِ البقاء فعلى سامر أن يتحمل نتيجة كل ما فعله.
ابتلع سامر ريقه بصعوبة.
أما أنا
فشعرت لأول مرة أن الجميع ينتظر كلمتي أنا.
وليس كلمة سامر.
لكن قبل أن أجيب
رنّ هاتف الحاج محمود.
نظر إلى الشاشة ثم تغيّر وجهه فورًا.
أجاب بسرعة
نعم؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم وقف فجأة وهو يقول بصدمة
ماذا تعني أنهم وصلوا إلى الشركة؟!
التفت سامر إليه بخوف.
أما الحاج محمود فأغلق الهاتف ببطء شديد.
ثم قال جملة جعلت الجميع يتجمّد مكانه
الشرطة الاقتصادية فتشت الشركة القديمة ويبدو أنهم يبحثون عن اسم سامر أيضًا.
الجزء القادم اللحظة التي ستحدد مصير الجميع.
شعرت أمينة وكأن قلبها توقف.
وضعت يدها على صدرها وهي تنظر بين زوجها وابنها بخوف حقيقي لأول مرة.
أما سامر فبقي واقفًا مكانه بلا حركة.
وكأنه لم يعد قادرًا حتى على التفكير.
قال سامي بسرعة
لماذا يبحثون عن سامر في الشركة؟ الشركة مغلقة منذ سنوات!
تنهد الحاج محمود ببطء.
ثم جلس مجددًا وكأن التعب هبط فوقه دفعة واحدة.
لأن بعض التحويلات التي خرجت من حسابات سامر مرت عبر حساب قديم مرتبط بالشركة.
أغمض سامر عينيه فورًا.
أما أنا، فشعرت ببرودة تسري في أطرافي.
قلت بصوت منخفض
هل الأمر خطير؟
رفع الحاج محمود نظره نحوي.
لا أعلم بعد.
ثم نظر إلى سامر مباشرة.
لكن يبدو أن الأشخاص الذين تعامل معهم لم يكونوا مجرد محتالين عاديين.
ساد صمت ثقيل.
حتى ندى بدأت تبكي بهدوء.
أما سامي، فكان يدور في الغرفة بعصبية واضحة.
يعني ماذا الآن؟! هل سيدخل السجن؟!
صرخت أمينة فورًا
لا تقل هذا!
لكن أحدًا لم يجب.
لأن الفكرة نفسها كانت قد دخلت عقول الجميع.
اقترب سامر من النافذة ببطء.
ثم وقف ينظر إلى الشاحنات التي تحمل الأثاث خارج المنزل.
وقال بصوت خافت
كل شيء انهار بسرعة
لم يرد عليه أحد.
لأن الحقيقة كانت واضحة.
هذا الانهيار لم يبدأ اليوم.
بل بدأ منذ أول كذبة.
ومنذ اللحظة التي قرر فيها أن يخفي ضعفه بدل أن يطلب المساعدة.
وفجأة
رنّ هاتفي أنا هذه المرة.
نظرت إلى الشاشة.
كان مالك العقار.
أجبت بهدوء
نعم أستاذ خالد؟
قال الرجل بصوت رسمي
أعتذر للإزعاج مجددًا، لكن هناك أمر يجب أن تعرفيه قبل إنهاء العقد.
شعرت بالتوتر فورًا.
ماذا هناك؟
وصلني قبل قليل طلب رسمي لتعليق الإخلاء مؤقتًا.
عقدت حاجبيّ.
من قدّم الطلب؟
ساد صمت قصير.
ثم قال
زوجك.
التفتُّ مباشرة نحو سامر.
أما هو فرفع رأسه نحوي ببطء.
قلت بصدمة
ماذا فعلت؟
اقترب مني بسرعة
فقط أعطني يومين يا مريم يومين فقط حتى أحل كل شيء.
ضحكت بعدم تصديق.
يومين؟! بعد كل ما حدث ما زلت تتصرف من وراء ظهري؟!
قال بتوتر
لم يكن أمامي خيار!
دائمًا هذه جملتك.
رفع صوته لأول مرة منذ مدة
لأنك لا تفهمين حجم الكارثة!
صرخت فيه فورًا
وأنا لست مسؤولة عن كوارثك يا سامر!
ساد الصمت مجددًا.
ثم قال بصوت مكسور
أعلم
ولأول مرة
بدا وكأنه استسلم فعلًا.
لا كذب.
لا تبرير.
فقط إنسان منهك.
أما الحاج محمود، فوقف ببطء وقال بحزم
لن يختبئ أحد بعد اليوم.
ثم نظر إلى سامر مباشرة
ستذهب غدًا بنفسك وتخبرهم بكل شيء.
رفع سامر عينيه بصدمة.
أبي
انتهى زمن الهروب.
شعرت أمينة بالخوف فورًا.
محمود لا تدفعه لتدمير نفسه!
لكن الحاج محمود أجابها بهدوء
الذي يدمّر الإنسان ليس الاعتراف بل الاستمرار بالكذب.
أما سامي، فوقف أخيرًا أمام أخيه.
وللمرة الأولى اختفت العصبية من صوته.
وقال بهدوء
لماذا لم تأتِ إليّ يا سامر؟
رفع سامر رأسه نحوه.
لأنني كنت أظن أنك ستحتقرني.
اقترب سامي أكثر.
ثم قال شيئًا لم يتوقعه أحد
أنت أخي يا غبي.
تجمّد سامر مكانه.
أما أمينة، فانفجرت بالبكاء.
شعرتُ أنا أيضًا بشيء يهتز داخلي.
لأن هذه العائلة رغم كل فوضاها كانت تحاول أخيرًا أن تتحدث بصدق.
لكن ذلك لم يمحُ ما حدث.
ولم يُصلح ما انكسر بيني وبين سامر.
اقترب مني بهدوء بعد دقائق.
كانت عيناه حمراوين من التعب.
وقال بصوت منخفض جدًا
أعرف أنني خسرتك.
لم أجب.
لأنني بصراحة لم أكن أعرف بعد.
هل انتهى كل شيء فعلًا؟
أم أن جزءًا مني ما زال يرى الرجل الذي أحببته قبل أن يبتلعه الخوف والكذب؟
وفجأة
توقف أحد العمال أمام الباب وقال
أستاذة مريم بقي آخر صندوق فقط.
نظرت حولي.
المنزل أصبح شبه فارغ.
الغرفة التي عشت فيها سنوات
تحولت إلى جدران صامتة.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا
لم يكن البيت هو الشيء الذي انهار.
بل الصورة التي بنيناها جميعًا عن أنفسنا.
أخذت نفسًا طويلًا.
ثم نظرت إلى العامل وقلت
ضع الصندوق في الشاحنة.
نظر سامر إليّ فورًا.
أما أنا
فحملت حقيبتي بهدوء.
ومشيت نحو الباب.
لكن قبل أن أخرج
سمعت سامر يقول خلفي بصوت مرتجف
لو أصلحتُ كل شيء هل يمكن أن تمنحيني فرصة أخيرة؟
توقفت يدي على مقبض الباب.
والجميع كان ينتظر إجابتي.
لكنني لم ألتفت.
فقط قلت بهدوء
عندما تتعلّم أولًا أن تكون صادقًا مع نفسك ربما وقتها تعرف كيف تكون صادقًا مع غيرك.
ثم خرجت.
وأُغلق الباب خلفي ببطء.
النهاية.