بيت العيلة حكايات رومانى مكرم 3

بيت عيلة

دخل الليل والبيت كان غرقان في صمت تقيل، صمت يسبق العاصفة. الكل كان مستني وصول “الحاج صالح”، أخو حماتي وكبير العيلة، اللي اتصاله بيا قلب كياني.

الساعة دقت تسعة، ولقينا الحاج صالح داخل ومعاه ابنه الكبير. حماتي استقبلته بابتسامة صفراء وهي بتحاول تبين إن الدنيا تمام، وقالت له: “نورت يا أخويا، معلش بقى على اللي حصل في العزومة، البت مروة هي اللي قصرت.”

الحاج صالح بص لها نظرة طويلة خلتها تسكت، وقعد في وسط الصالة ونادى على ولاد أخته الأربعة، وجوزي أحمد كان من ضمنهم.

قال الحاج صالح بصوت جهوري:

“أنا النهاردة مش جاي أتكلم عن طبيخ مروة ولا عن الأكل اللي باظ.. أنا جاي أتكلم في الأصول اللي ضاعت في البيت ده.”

بص لحماتي وقال: “يا أختي، مروة كلمتني وحكت لي اللي حصل، وأنا بنفسي راجعت كاميرات المحل بتاعي اللي قدام باب بيتكم.. وشفت السلايف وهما خارجين بشنط تقيلة في أنصاص الليالي، وشفت بناتك وهما محملين بتموين البيت.”

حماتي وشها بقى زي الورقة البيضا، وسلايفي اللي كانوا واقفين يسمعوا من بعيد استخبوا ورا الحيطان.

كمل الحاج صالح كلامه:

“لكن الأهم من ده كله.. الورقة دي.”

طلع ورقة من جيبه وفردها قدام الكل. كانت ورقة قديمة، وعليها ختم وتوقيع.

أحمد جوزي سأل باستغراب: “ورقة إيه دي يا خالي؟”

الحاج صالح رد: “دي وصية أبوكم الله يرحمه.. أبوكم قبل ما يموت ساب لي الأمانة دي، وكان كاتب إن البيت ده بكل شققه والمحلات اللي تحت، حقكم إنتوا الأربعة بالتساوي، وإن أمكم ليها حق الانتفاع بس، بشرط إنها تعدل بينكم وتلمكم.”

حماتي صرخت: “إنت بتقول إيه يا صالح؟ إنت عايز تقوّم ولادي عليا؟”

الحاج صالح رد بأسى: “إنتي اللي قومتيهم على بعض لما ميزتي بنين وبنات، ولما سبتي السلايف ياكلوا في بعض عشان تفضلي إنتي المسيطرة. مروة لما تعبت وصبرت، هي اللي كشفت لي إن الأمانة دي لازم تطلع لصاحبها دلوقتي.”

بص للرجالة وقال: “من بكرة، المحلات اللي تحت اللي أمكم كانت بتاخد إيجارها وتوزعه بمعرفتها، هتتقسم عليكم، وكل واحد فيكم يبقى مسؤول عن شقته وعيشته. مفيش حاجة اسمها (أسبوع مروة) ولا (أسبوع أميرة).. كل زوجة مسؤولة عن مملكتها.”

في اللحظة دي، أميرة ودعاء خرجوا وهما بيعيطوا، مش ندم، لكن خوف من الرجالة اللي عرفوا إن المحلات ليها دخل هما ما يعرفوش عنه حاجة.

أحمد بص لي وعينه مليانة فخر وندم في نفس الوقت، مسك إيدي وقال قدام الكل: “حقك عليا يا مروة، كنت فاكر إن السكوت هو اللي هيمشي المركب، مكنتش أعرف إن السكوت هو اللي كان بيغرقنا.”

حماتي لما لقت إن السيطرة والمصاريف والشنط اللي كانت بتتوزع من وراهم راحت، بصت لي بنظرة حقد وقالت بصوت واطي وهي ماشية: “فاكرة إنك كسبتي؟ إنتي فرقتي الشمل، ومن بكرة هتشوفي العيشة في البيت ده هتبقى إزاي وإنتي لوحدك في مواجهتهم.”

ضحكت بوجع وقلت لها: “أنا عمري ما كنت لوحدي يا ماما.. أنا كان معايا الحق، والحق دايمًا صوته أعلى.”

لكن اللي حصل بعد ساعة بالظبط، خلى الفرحة دي تتبخر. لما سمعنا صوت صرخة جاية من شقة “نهى”، وصوت تكسير مرعب، كأن البيت بيتهد فوق دماغنا.

جرينا كلنا على السلم، والمنظر اللي شفناه في شقة نهى كان بداية لمصيبة جديدة مكنتش في الحسبان.. مصيبة هتخلينا ننسى موضوع الأكل والتموين ونفكر إزاي هنعيش ليوم بكرة

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

دخلنا شقة نهى والمنظر كان صدمة للكل.

الكراسي متكسرة، والزجاج مالي الأرض، ونهى واقفة في نص الصالة بتصرخ ومنهارة تماماً، وجوزها “محمود” ماسك تليفونها في إيده وعينه بتطلع شرار.

أول ما شافنا دخلنا، رمى التليفون في الأرض وداس عليه برجله وقال بصوت زلزل البيت:

“بقى دي الأمانة يا نهى؟ دي التربية اللي تربيتيها؟”

الحاج صالح اتدخل بسرعة وقال:

“في إيه يا محمود؟ استهدي بالله، إيه اللي حصل لكل ده؟”

محمود بص لخاله وقال وهو بينهج من الغضب:

“كنت شاكك فيها من يوم موضوع الأكل والتموين، قلت لنفسي اللي تخون أهل بيتها وتسرق لقمة سلايفها أكيد مخبية كتير.. دخلت وراها الأوضة لقيتها بتكلم حد في التليفون، وأول ما شافتني ارتبكت وحاولت تخبيه.”

بص لنهى وقال بصراخ:

“طلعتي إنتِ اللي كنتِ بتسخني أمي على مروة؟ إنتِ اللي كنتِ بتبعتي رسايل من رقم مجهول لمروة تهدديها فيها عشان تسيب البيت؟”

الكل بص لنهى بذهول.. أنا فعلاً كانت بتجيلي رسايل غريبة الفترة اللي فاتت، بس كنت فاكرة إنها أوهام أو حد غلطان، مكنتش أتخيل إنها واحدة عايشة معايا تحت سقف واحد!

نهى حاولت تنكر وهي بتترعش:

“والله يا محمود أنا كنت بعمل كدة عشان خايفة على مكانتنا، مروة كانت عايزة تاخد الليلة كلها وتعمل نفسها ست البيت المثالية، فكنت عايزة أخوفها بس!”

محمود رد عليها بوجع:

“تخوفيها؟ وتبعزيق أسرار بيتنا للي يسوى واللي ميسواش؟ أنا شفت المحادثات اللي بينك وبين (غادة) أختي.. إنتوا الاتنين كنتوا بتخططوا إزاي تخلوا أحمد يطلق مروة عشان تخلصوا من لسانها اللي بيطالب بالحق!”

في اللحظة دي، حماتي دخلت الشقة ووشها كان خالي من أي تعبير، بصت لنهى وقالت ببرود مرعب:

“بقى إنتِ اللي كنتِ بتوقعي بيني وبين ولادي يا نهى؟ كنتِ بتنقلي لي كلام كدب عن مروة وأميرة ودعاء عشان أفضل واثقة فيكي إنتِ بس وتكوني إنتِ دراعي اليمين؟”

نهى بصت لها بذهول وقالت:

“ما هو إنتِ اللي علمتينا كدة يا ماما! إنتِ اللي كنتِ بتقولي لي (اللي تعرف سر غيرها تملكه)!”

الحرب الكلامية بدأت تكشف المستور.. البيت اللي كان بيبان من بره “عيلة متماسكة” طلع عبارة عن شبكة من المصالح والفتن، وكل واحدة فينا كانت مجرد قطعة شطرنج في إيد التانية، إلا أنا اللي كنت بحاول أمشي بما يرضي الله.

أحمد جوزي شدني من إيدي وقال:

“يلا يا مروة، مالناش مكان هنا.. الحقيقة بانت وكل واحد لبس في عملته.”

لكن وإحنا خارجين، أميرة صرخت فجأة وهي ماسكة تليفونها:

“الحقوا! غادة أختكم عملت لايف (بث مباشر) على فيسبوك وفضحت الدنيا!”

كلنا وقفنا مكاننا.. غادة، بنت حماتي اللي كانت بتاخد التموين، لما عرفت إن سرها انكشف وإن الحاج صالح جاب الوصية، قررت إنها “تتغدى بينا قبل ما نتعشى بيها”، وطلعت تحكي أسرار البيت وتتهمنا كلنا بالسرقة والظلم، وتجيب سيرة مروة (أنا) وتقول كلام يسيء لسمعتي الشخصية.

الفضيحة مابقتش جوه البيت بس.. الفضيحة بقت على “المشاع” قدام الناس كلها.

حماتي قعدت على الأرض وهي بتلطم:

“يا فضيحتك يا (حكايات رومانى مكرم).. يا فضيحتك يا عيلة أبو أحمد! البنت هتخرب بيوتنا!”

محمود ساب نهى وجري على تحت، والرجالة كلهم وراه عشان يروحوا لغادة ويوقفوها، والبيت فجأة فضي علينا إحنا الحريم.

بصيت لسلايفي ولحماتي وقلت لهم بمرارة:

“عجبكم كدة؟ السوس لما بينخر في البيت من جوه، أول ما بيقع، بيقع على دماغ الكل.”

أميرة ودعاء بدأوا يبكوا، وحماتي كانت بتبص لي بنظرة فيها انكسار لأول مرة، لكن فجأة سمعنا صوت خبط عنيف على باب البيت تحت، وصوت ناس بتزعق باسمي “يا مروة! اطلعي يا مروة!”

قلبي سقط في رجليا.. مين اللي ممكن يجي في الوقت ده ويطلبني بالاسم؟

**يتبع…**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *