جوزي مسافر بقلم روماني مكرم 3

 

صوت ضربات الشرطة على الباب الخارجي كان يهز جدران الشقة، يتزامن مع صوت السرينة المزعج الذي يملأ الشارع بأسره.

— “افتحي يا مدام ندى.. معانا أمر تفتيش!”

الكلمات نزلت عليا كالصاعقة. حسام بالفعل نفذ خطته؛ أبلغ الشرطة عن الشقة ليضمن القبض علينا معًا، الرجل الغريب المصاب على الأرض، وليلى بالبندقية، وأنا بالطبنجة والصندوق الحديدي! سيناريو مثالي ليخرج هو من اللعبة نظيفًا كالشعرة من العجين، ويسافر بالبند المتبقي من الأموال.

نظرتُ إلى ليلى.. كانت أنفاسها متلاحقة، وعيناها معلقتان بالصندوق الحديدي الملقى على الأرض بيننا. فجأة، وبدون مقدمات، ألقت ليلى البندقية من يدها على الأرض ورفعت يديها لأعلى، وقالت بصوت هامس ومحشرج:

— “لو فتحتِ والورق ده هنا.. إحنا الاتنين هنضيع. العقود دي فيها إمضاءاتك وتوكيلات رسمية باسمك.. حسام لبّسك كل الشركات الوهمية اللي نصب بيها على الناس.”

بلعتُ ريقي. لم يعد هناك وقت للشك أو التحليل؛ العدو الآن أصبح واضحًا، وهو حسام.

اندفعتُ نحو الأرض، خطفتُ الصندوق الحديدي وثبّت السلاح في وسطي، ثم نظرت إلى ليلى وقلت بسرعة:

— “ادخلي المطبخ.. داري الراجل ده وادعكي إيدك من آثار البارود بسرعة.. أنا اللي هفتح.”

الرجل الغريب كان شبه غائب عن الوعي ينزف من رأسه وجسده فوق بقايا زجاج النيش المكسور. سحبته ليلى بقوة غير طبيعية نحو الممر الداخلي، بينما تحركتُ أنا نحو شرفة الصالة. ألقيتُ بالصندوق الحديدي خلف الغسالة القديمة الموجودة في زاوية الشرفة وغطيته بقطعة قماش متسخة، ثم عدتُ مسرعة وأنا أحاول تنظيم أنفاسي.

وضعتُ مسدس حسام في جيب الروب الأسود الذي أرتديه، وتقدمتُ بخطوات ترتعش نحو الباب الخارجي.

فتحتُ الباب.. ليتدفق رجال الشرطة إلى الداخل يقودهم ضابط شاب بملامح جادة. نظر إليّ وإلى يدي المرتعشتين، ثم قال بنبرة حازمة:

— “أستاذة ندى؟ جايلنا بلاغ بوجود عمل مرخص باسم جوزك حسام، وبلاغ تاني عن وجود اقتحام وسرقة في الشقة وإطلاق نار.”

حاولتُ جاهدة أن يبدو صوتي طبيعيًا، فرسمتُ على وجهي ملامح الذعر والذهول:

— “أيوة يا فندم.. أنا كنت نايمة وفجأة سمعت صوت تكسير في الصالة، ولما طلعت لقيت الحرامي ده دخل الشقة وكان معاه سلاح.. والست دي..” أشرت إلى ليلى التي كانت تخرج من المطبخ وهي تبكي بخوف مصطنع: “.. دي ضيفتي، مرات صديق جوزي.. إحنا دافعنا عن نفسنا وزقيناه فالبتاع اتكسر عليه!”

نظر الضابط إلينا بشك، وأشار لعناصره بمعاينة المكان والتحفظ على الرجل المصاب والسلاح الملقى على الأرض. تقدم أحد الضباط المعاونين وهمس في أذن الضابط الكبير:

— “يا فندم.. فحصنا التليفون اللي جه منه البلاغ.. الرقم مسجل باسم حسام، وموقعه الحالي في محيط مطار القاهرة.. والطيارة بتاعته هتتحرك كمان نص ساعة!”

اتسعت عينا الضابط ونظر إليّ قائلًا:

— “جوزك فين يا مدام ندى؟ البلاغ ده هو اللي عامله بنفسه من تليفونه!”

قبل أن أنطق بحرف، رن تليفوني في جيبي.. كان رقمًا دوليًا غريبًا، لكنني كنت أعلم جيدًا من الطارق.

**لمتابعة الأحداث.. انتظروا الجزء السابع.**

**بقلم: الكاتب رومانى مكرم**

 

نظر إليّ الضابط بحدة وعيناه تتفحصان ملامح وجهي التي هرب منها الدم تمامًا. تليفوني في جيبي لم يتوقف عن الرنين، ينبض باهتزازات متتالية كأنه قنبلة موقوتة.

أشار لي الضابط بيده وقال بنبرة آمرة:

— “افتحي السبيكر يا مدام ندى.. وردي طبيعي جدًا.”

مددتُ إيدي المرتعشة، أخرجتُ الهاتف، وضغطتُ على زر الإجابة ثم فتحتُ مكبر الصوت.

جاء صوت حسام عبر الأثير.. لكنه لم يكن صوت الزوج الواثق المطمئن الذي هاتفني قبل يومين. كان يلهث، وصوت النداء الداخلي لمطار القاهرة يتردد بوضوح في خلفية المكالمة: *(على السادة المسافرين على الرحلة المتوجهة إلى…)*

— “ندى! أنتِ سامعاني؟” قالها حسام بصوت واطئ ومذعور.

بلعتُ ريقي ونظرتُ للضابط الذي أشار لي برأسه أن أتكلم:

— “سامعاك يا حسام.. أنت فين؟ والشرطة عندي في الشقة!”

ضحك حسام ضحكة سينيكية مكتومة، ثم قال:

— “عارف إنهم عندك.. أنا اللي مبلّغ. ندى، اسمعيني كويس ومتقاطعيشنيش، مفيش وقت، طيارتي هتطلع كمان عشر دقائق. ليلى اللي عندك في البيت دي حية.. دي مش مرات صاحبي، دي كانت بتشتغل معايا في الشركة هناك، وسرقت عقود وشيكات بملايين وهربت بيها على هنا. أنا بعتها لك البيت عشان تفتكريها ضحية وتخبيها، لحد ما الشرطة تقبض عليها عندك وهي معاها المسدس والورق!”

هنا، نظرتُ إلى ليلى الواقفة بعيدًا.. كانت عيناها تشتعلان برعب حقيقي، ودموعها تجمدت وهي تستمع لزوجها —أو من ظنته زوجها— وهو يبيعها علنًا.

تابَع حسام بنفس النبرة الباردة:

— “أنا أمنت لك مستقبلك يا ندى.. سبتلك بره الشقة في البلكونة صندوق حديد ورا الغسالة، فيه ورق هيثبت إن ليلى هي اللي زورت توكيل باسمك وعملت كل ده. سلمي ليلى للشرطة، وقوليلهم إنها اقتحمت البيت، والورق اللي في الصندوق هيبرأك ويحبسها هي والراجل اللي معاها.. أنا هسافر وبمجرد ما أوصل هكلمك وأقولك هتحصليني إزاي.”

توقفت أنفاسي. حسام يكذب.. يكذب حتى اللحظة الأخيرة! هو لا يعلم أنني فتحتُ الظرف القديم، ولا يعلم أن ليلى كشفت لي أن الصندوق يحتوي على إداناتي أنا وليس براءتي. هو وضع الصندوق ورا الغسالة قبل سفرة ليضمن أن تجده الشرطة أثناء التفتيش ويبدو الأمر وكأن ليلى هي من خبأته في بيتي!

نظرتُ إلى الضابط، ثم إلى ليلى، واتخذتُ قراري في ثانية واحدة.

— “حسام..” قلتها بصوت ثابت ومختلف تمامًا.

— “إيه يا حبيبتي؟”

— “أنا مش هسلم ليلى.. أنا هسلمك أنت.”

ساد الصمت عبر الهاتف لثانيتين، قبل أن يقول بحشرجة:

— “أنتِ بتقولي إيه يا ندى؟ أنتِ اتجننتِ؟ الصندوق اللي في البلكونة فيه…”

قاطعته بقوة:

— “الصندوق اللي في البلكونة أنا شفته وعرفت اللي فيه.. وعرفت الجواب القديم اللي من سنتين.. وعرفت التوكيل اللي أنت استخدمته عشان تلبسني قضاياك. ليلى مش لوحدها يا حسام.. إحنا الاتنين واقفين هنا، والشرطة سامعاك دلوقتي حالا على السبيكر.”

صوت أنفاس حسام المذعورة انقطع فجأة.. وسُمع صوت إغلاق الخط بعنف.

التفت الضابط فورًا إلى معاونيه وهتف بأعلى صوته:

— “إشارة فورية لشرطة مطار القاهرة.. تمنع المدعو حسام من السفر، يتقبض عليه فورًا قبل ما يدخل صالة المغادرة!”

اندلع التحرك في الشقة، بينما تراجعتُ أنا واستندتُ على الحائط وأنا أشعر أن جبلًا كان على صدري وانزاح. نظرتُ إلى ليلى، فجاءت نحوي وأمسكت بيدي بامتنان، لكن الضابط اقترب منا وقال بلهجة حاسمة:

— “المكالمة دي وضحت حاجات كتير.. بس برضه يا مدام ندى، إحنا محتاجين الصندوق الحديدي اللي في البلكونة.. ومحتاجينكم أنتم الاتنين معانا في القسم عشان نقفل المحضر، ولحد ما حسام يوصل هنا ونشوف مين فيكم الضحية.. ومين الجاني.”

**لمتابعة نهاية القصة المثيرة.. انتظروا الجزء الثامن والأخير.**

**بقلم: الكاتب رومانى مكرم**

## الجزء الثامن والأخير: الحقيقة العارية

ساد صمت مهيب في ردهة الشقة بعد أن غادر نصف القوة الأمنية متوجهين بسيارة الإسعاف التي نقلت الرجل المصاب، بينما بقي الضابط الشاب وثلاثة من رجاله بانتظار إحضار الصندوق الحديدي.

مشيتُ بخطوات ثقيلة نحو الشرفة، وجسدي يرتجف ليس خوفًا هذه المرة، بل من أثر الصدمة التي بدأت تتلاشى ليحل محلها وعي حاد ومرير. مددتُ يدي خلف الغسالة القديمة، وسحبتُ الصندوق الحديدي الأسود. كان ثقيلاً، مليئاً بالشرور التي كادت أن تقضي على حياتي وحريتي.

عدتُ إلى الصالة ووضعته على الطاولة أمام الضابط. أخرجت ليلى من جيبها مفتاحًا صغيرًا كانت قد عثرت عليه في ميدالية حسام القديمة، ومدت يدها به إليّ. نظرتُ في عينيها؛ لم نعد ضرتين، ولم نعد عدوتين، كنا امرأتين جمعتهما خديعة رجل واحد، وفرقتهما الأقدار ليلتقيا في ليلة مصيرية.

فتحتُ الصندوق.

انكشفت الأوراق.. عقود لشركات وهمية، شيكات بنكية بملايين الجنيهات، وكلها تملأها إمضاءات باسمي “ندى”، مقترنة بصورة التوكيل العام الذي وثقتُ فيه بجوزي ومنحته إياه قبل سنوات. لكن في قاع الصندوق، كان هناك شيء آخر لم يتوقعه حسام.. كانت هناك مستندات تحويلات بنكية لـحساب ليلى، وعقود زواج عرفي أخرى بأسماء نساء في بلاد مختلفة! حسام لم يكن مجرد نصاب، كان صيادًا محترفًا يختار ضحاياه بعناية، يتزوجهن، يستغل أسماءهن في عملياته القذرة، ثم يختفي ليتركهن يواجهن السجن.

أثناء فحص الضابط للأوراق، رن اللاسلكي الخاص به بعنف. جاء صوت مأمور القسم قاطعًا للأنفاس:

— “يا فندم، تمام الجنايات في المطار.. تم القبض على المدعو حسام أثناء محاولته عبور بوابات الجوازات برخصة سفر مزورة وباسم مستعار.. المتهم حاليًا في طريق ترحيله للقسم.”

في تلك اللحظة، سقطت ليلى على الأريكة وهي تنفث زفيرًا طويلًا، وراحت تبكي بنحيب هادئ، ليس حزنًا عليه، بل حمدًا على النجاة. أما أنا، فإني نظرت إلى نفسي في مرآة الصالة.. كنت ما زلت أرتدي الأسود بالكامل، نفس الرداء الذي استقبلتها به، لكن المرأة التي ترتديه الآن لم تعد “ندى” المغفلة الساذجة التي تصدق كل ما يقال لها.

## الحكمة (حكايات رومانى مكرم)

في غيابات العلاقات، ليس كل غياب سفرًا، وليس كل صمت أمانًا.

أكبر خطأ تقع فيه المرأة هو “الثقة العمياء” التي تلغي بها عقلها وحذرها تحت مسمى الحب أو الواجب. الثقة فضيلة، لكنها بلا وعي تصبح سذاجة تسلّم بها رقبتك لمن لا يرحم.

لقد أراد حسام أن يضرب عصفورين بحجر واحد: أن يتخلص من ليلى التي كشفت حقيقته، وأن يلبسني قضاياه ويهرب، مستغلاً طيبتي وسذاجتي. لكنه نسي أن حبل الكذب قصير، وأن المظلومين إذا اتحدوا، تحولت خطط الظالم إلى حبل يلتف حول عنقه.

يا كل زوجة، ويا كل امرأة: كوني سندًا لزوجك، ولكن لا تكوني ظلاً يلغي وجودك وعقلك. حافظي على ذمتك المالية المستقلة، ولا توقعي على ورق لا تفهمينه، ولا تمنحي توكيلاً مطلقًا يلغي حذرك. الحب أمان، والأمان لا يطلب منكِ أبدًا أن تغمضي عينيكِ عن الحقيقة.

انتهت اللعبة، وعاد حسام خلف القضبان ليحصد ما زرعت يداه، وبقيت أنا وليلى.. شاهدتين على أن القناع مهما كان جميلاً ومقنعًا، فإن يد الحقيقة لا بد أن تخلعه في النهاية.

**تمت القصّة.**

**بقلم: الكاتب رومانى مكرم**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *