يوم زفاف طليقي بقلم ندي الجمل
بعد ست شهور من الطلاق، طليقي الملياردير كلّمني بنفسه علشان يذلّني… كان عايزني أسمع زفة فرحه وأنا مكسورة.
قالّي بكل شماتة:
— “أنا خلاص هتجوز… ولو عندِك دموع، هاتيها الفرح.”
بس بعد ثواني… صوت عياط طفل طلع فجأة في السماعات، وخلاه يسيب العروسة على المذبح ويجري على المستشفى ببدلة الفرح…
من غير ما يعرف إن السر اللي مستنيه هناك هيدمر حياته للأبد.
كريم الدمنهوري اتصل بطليقته بنفسه من على سلالم الكنيسة…
مش علشان يعزمها.
ولا علشان يعتذر.
لا… كان عايزها تسمع صوت الأجراس.
مش من السوشيال ميديا…
ولا من جرايد المجتمع اللي كانت طول عمرها تبتسم لـ “ليلى عزت” وهي مستنية لحظة سقوطها.
كريم كان عايز ليلى تسمع كل حاجة منه هو.
صوت الكمانات تحت سقف الكنيسة الفخم…
صوت الكاسات وهي بتخبط في بعض…
ضحكات رجال الأعمال…
همسات الصحافة…
وفلاشات الكاميرات اللي مستنية “فرح السنة”.
كان عايزها تستوعب إنه بعد ست شهور بس من ما طردها من حياته، ومن بيته، ومن اسمه، ومن الشركة اللي كانت واقفة معاه فيها من أول يوم…
هيبدلها قدام المجتمع كله.
ليلى كانت هتسيب التليفون يرن لحد ما يفصل.
كانت نايمة على سرير في أوضة خاصة بمستشفى في القاهرة الجديدة…
شعرها لازق في وشها من التعب…
وجسمها واجعها بطريقة حتى مش قادرة توصفها.
المطر كان نازل برا على إزاز الأوضة… مخلي القاهرة كلها باينة ضبابية وباردة.
وعلى الترابيزة جنبها بوكيهين ورد أبيض ضخمين باعتهم أمها قبل ما تنزل تتخانق مع الممرضة عشان القهوة ومواعيد الزيارة، وتسأل إذا الأغنيا بياخدوا مخدات أنعم من باقي البشر ولا لأ.
لكن ليلى ماكانتش مركزة مع أي حاجة.
لأن اللي كان نايم على صدرها… كان بنتها.
طفلة لسه مولودة من ساعتين بس.
وشها أحمر…
إيديها الصغيرة مقفولة بعصبية…
وكأنها جاية الدنيا مستعدة تحارب.
الموبايل فضل يهتز.
“كريم الدمنهوري”.
ليلى فضلت باصة للاسم لحد ما الحروف نفسها بقت غريبة عليها.
من ست شهور بس… كان الاسم ده لسه اسمها هي كمان.
في المحكمة، كريم وقف قدام القاضي بمنتهى البرود وقال إنها ست مختلة… عصبية… فاشلة… ومعندهاش أي قيمة من غير فلوس عيلته.
يومها ليلى عيطت.
مش علشان بتحبه.
الحب كان مات من زمان…
حتة حتة…
مع كل إيصال فندق لقته…
وكل قميص راجع بريحة ست تانية…
وكل رسالة مسحها وهي رجعتها من موبايله.
هي عيطت لأنها كانت مكسورة… مرهقة… وخايفة.
وخايفة أكتر لأنها وقتها ماكنتش تعرف إنها حامل.
دلوقتي بقت تعرف.
وعلشان كده… ردت.
— “ليلى…”
صوته كان مليان فرحة مستفزة… الفرحة اللي طول عمرها محتاجة جمهور.
— “حبيت تبقي تسمعي الخبر مني بنفسي.”
قالت ببرود:
— “ذوق أوي.”
سكت ثانية… واضح إنه كان مستني انهيار.
عيّاط.
غيرة.
أي رد يثبت إنه لسه مأثر فيها.
لكن كريم عمره ما فهم إن السكوت أوقات بيكون أقوى إهانة.
قال بثقة:
— “أنا بتجوز النهارده. أنا ونادين في كنيسة سانت مارك… الفرح بعد ساعة.”
ليلى بصت للبنت الصغيرة اللي نايمة على صدرها.
نادين فؤاد.
السكرتيرة التنفيذية بتاعته السابقة.
عندها ٢٨ سنة… دايمًا متشيكة زيادة عن اللزوم… بابتسامة حادة كأنها س/كينة.
هي نفسها اللي كانت تدخل لليلى في الاجتماعات تقولها:
“إنتِ دايمًا شيك جدًا يا مدام كريم.”
وفي نفس الوقت تبعت مواعيدها ورسائلها الخاصة لكريم من ورا ضهرها.
ونفس الست اللي قضت معاه أربع سفريات كاملة في أوضته بالفندق… بينما ليلى كانت قاعدة في البيت بتكدب على نفسها وتقول “أكيد مضغوط في الشغل”.
— “مبروك.”
قالتها ليلى بهدوء.
كريم ضحك ضحكة خفيفة مستفزة:
— “لسه باردة… ولسه بتعرفي تخبي مشاعرك بطريقة تخوف.”
ما ردتش.
فكمل:
— “نادين أصرت نعزمك الفرح… قالت دي حركة راقية. نوع من النضج يعني. القاعة في فندق كبير والتجمع الساعة ٨. مافيش بينا مشاكل.”
ليلى كررت كلامه بسخرية خفيفة:
— “آه… مافيش مشاكل.”
— “هي بصراحة بتشفق عليكي. وإحنا الاتنين كمان. ممكن تيجي وتعملي نفسك اتخطيتِ… أو على الأقل تمثلي.”
في اللحظة دي… البيبي اتحركت بين إيديها.
ليلى عدلت البطانية عليها بإيد مرتعشة شوية.
كريم سمع الحركة.
فسأل باستغراب:
— “إنتِ في السرير؟ الساعة داخلة على ٣ العصر.”
ليلى ردت بهدوء قاتل:
— “أنا في المستشفى.”
الضحك والمزيكا اللي وراه اختفوا فجأة.
وسأل بسرعة:
— “إيه؟”
ليلى بصت لبنتها الصغيرة وهي نايمة على صدرها، وبعدها قالت بهدوء:
— “في مستشفى.”
سكت كريم ثانيتين… بس المرة دي السكات ماكانش ثقة.
كان قلق.
— “مستشفى ليه؟”
قبل ما ترد، البيبي عيطت فجأة… عياط صغير وضعيف، لكنه واضح جدًا.
والدنيا وقفت عند كريم.
سمعته بيشهق في السماعة.
— “الصوت ده إيه؟”
ليلى ما ردتش.
الممرضة دخلت في اللحظة دي وهي شايلة ملف وقالت بعفوية: — “مدام ليلى، لازم نمضي ورق المولودة قبل—”
كريم قاطعها بصوت عالي: — “مولوووودة؟!”
الممرضة اتجمدت مكانها.
أما ليلى… فقفلت عينيها للحظة.
طبعًا.
حتى اللحظة دي ماكانش ليها نصيب تعيشها بهدوء.
كريم رجع يتكلم، بس صوته المرة دي كان مختلف… متوتر بشكل عمرها ما سمعته منه: — “ليلى… في طفل عندك؟”
قالت ببساطة: — “آه.”
— “إزاي يعني آه؟!”
— “زي أي ست بتولد يا كريم.”
سكت.
ثواني طويلة جدًا.
لدرجة إنها بدأت تسمع صوت أجراس الكنيسة بوضوح من وراه.
بعدين قال كلمة واحدة بصوت مخنوق: — “لا.”
ليلى لأول مرة ابتسمت ابتسامة صغيرة.
الكلمة دي لوحدها كانت فيها مشاعر أكتر من كل جوازهم.
— “لا؟”
قالتها بهدوء.
— “بس واضح إنها حصلت.”
— “إنتِ قلتي إنكِ… إنكِ ماتقدريش تخلفي!”
ليلى فتحت عينيها ببطء: — “أنا ماقلتش كده أبدًا. إنتَ اللي كنت بتقول ده.”
وفجأة… كل اللي حصل في المحكمة رجعلها.
لما وقف قدام الناس وقال إنها “مهووسة بالخلفة”.
وإنها “ناقصة نفسيًا”.
ولما لمح قدام الكل إنها مستحيل تبقى أم.
وساعتها نادين كانت واقفة جنبه، ماسكة دراعه، وبتبص لليلى بنظرة شفقة مزيفة وهي بتقول للصحافة: — “مش كل الستات ينفع يبقوا أمهات.”
ليلى عمرها ما نسيت الجملة دي.
رجع صوت كريم مرتبك: — “الطفل ده… اتولد إمتى؟”
— “من ساعتين.”
— “وإنتِ كنتِ حامل بقالك قد إيه؟”
ليلى ضحكت ضحكة خافتة: — “إنتَ راجل أعمال كبير يا كريم… أكيد تعرف تحسب.”
وفجأة سمعت دوشة عنده.
أصوات ناس بتجري.
واحدة ست بتقول: — “العريس! الناس مستنياك!”
ورجل تاني: — “أستاذ كريم، المراسم هتبدأ!”
لكن كريم كان بيتحرك بسرعة وهو بيتنفس بعنف.
— “أنا جاي المستشفى.”
ليلى رفعت حاجبها: — “مش كنت هتتجوز؟”
— “ليلى… الطفل ده ابني؟”
بصت لبنتها الصغيرة.
نفس العينين الرمادي اللي عنده.
نفس الملامح العنيدة.
وقالت بمنتهى البرود: — “إنتَ اللي قولت إني مستحيل أخلف… فاكر؟”
— “جاوبيني!”
الممرضة بصت لليلى بتوتر قبل ما تخرج وتقفل الباب.
أما هي… ففضلت ساكتة شوية طويلة جدًا.
لحد ما كريم بدأ يفقد أعصابه: — “ليلى!”
قالت أخيرًا: — “آه يا كريم… بنتك.”
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت حاجة وقعت جامد جدًا عنده.
وبعدين صراخ بعيد.
واضح إن العروسة فهمت إن في كارثة حصلت.
لكن كريم ماكانش سامع أي حد.
كان نفسه متقطع وهو بيقول: — “مستحيل…”
ليلى بصت لبنتها بحنان: — “بس حصل.”
وفجأة الخط اتقفل.
بعد أقل من عشرين دقيقة…
باب أوضتها اتفتح بعنف.
وكريم دخل.
ببدلة الفرح السودا…
الكرافتة مفكوكة…
وشعره مبهدل من المطر.
وورا ضهره ممرضة بتحاول تمنعه: — “يا فندم مينفعش تدخل بالشكل ده—”
لكنه ماكنش سامع.
كل تركيزه كان على الطفلة اللي في حضن ليلى.
وقف مكانه…
وكأن الأرض اتحركت من تحته.
لأن أول ما شاف البنت…
عرف فورًا إنها بنته.
نفس عينيه بالظبط.
كريم فضل واقف مكانه كأنه اتشل.
عينه متعلقة بالبيبي…
وكل لون وشه اختفى بالتدريج.
البنت الصغيرة كانت نايمة بهدوء في حضن ليلى، لكن ملامحها كانت كفاية تهد أي كدبة عاش بيها آخر شهور.
نفس العينين الرمادي.
نفس شكل الفك.
حتى الطريقة اللي مكشرة بيها وهي نايمة… شبهه بشكل مرعب.
كريم قرب خطوة ببطء، وصوته خرج مبحوح: — “دي… بنتي؟”
ليلى رفعت عينيها ليه: — “أنت شايف إيه؟”
بلع ريقه بصعوبة.
واضح إنه كان بيحاول يفتكر…
مواعيد.
أيام.
ليالي رجع فيها البيت متأخر وهو سكران.
خناقات.
أوراق الطلاق.
وفجأة الحقيقة خبطته دفعة واحدة.
ليلى كانت حامل وقت المحكمة.
حامل… وهو كان بيحطمها قدام الناس كلها.
قعد على الكرسي اللي جنب السرير كأنه فقد القدرة على الوقوف.
وهمس: — “ليه ماقولتيليش؟”
ليلى ضحكت ضحكة قصيرة كلها تعب: — “كنت هتصدقني؟”
ماعرفش يرد.
لأنهم الاتنين عارفين الإجابة.
لا.
كان وقتها مصدق نادين أكتر منها.
مصدق المحامين.
مصدق التقارير الملفقة اللي اتدفعلها ملايين علشان تثبت إن ليلى “مختلة” و”غير مستقرة”.
وفجأة افتكر حاجة خلت عينيه تتوسع بخضة: — “التحليل…”
ليلى سكتت.
كريم قام واقف مرة واحدة: — “التحليل الطبي اللي المحامي جابه للمحكمة… اللي بيقول إن عندك مشاكل تمنع الحمل…”
ليلى بصتله بثبات: — “كان متزور.”
كريم حس إن قلبه وقف.
— “إيه؟”
— “اكتشفت ده بعد الطلاق بأسبوعين.”
سكتت ثانية، وبعدين كملت: — “الدكتور اللي مضى التقرير اختفى بعدها بيومين وسافر.”
كريم بدأ يهز راسه ببطء كأنه رافض يسمع.
— “لا… لا… مستحيل…”
— “بس ده اللي حصل.”
الهدوء في الأوضة بقى مرعب.
صوت المطر برا…
وصوت أجهزة المستشفى…
ونَفَس كريم اللي بقى سريع ومضطرب.
وفجأة قال: — “مين عمل كده؟”
ليلى ما ردتش فورًا.
لكن نظرتها قالت كل حاجة.
ونادين فجأة جت في دماغه.
افتكر إزاي كانت دايمًا أول واحدة تدخل مكتبه بعد أي زيارة ليلى للدكتور.
إزاي كانت تعرف تفاصيل عمره ما قالها لحد.
إزاي أقنعته إن ليلى “بتتلاعب بيه نفسيًا”.
كريم رجع خطوة لورا كأنه اتخبط.
— “لا…”
ليلى قالت بهدوء: — “مراتك الجديدة لعبت اللعبة صح.”
— “إنتِ بتقولي إن نادين—”
— “أنا مابقتش بقول حاجة. الأدلة هي اللي قالت.”
وسحبت ملف أبيض من درج الكومود.
حطته قدامه.
كريم فتحه بإيد مرتعشة.
تحاليل أصلية.
تقارير مزورة.
تحويلات مالية.
إيميلات مطبوعة.
واسم نادين موجود في كل صفحة تقريبًا.
كل ما يقلب ورقة… وشه كان بيقلب أفتح.
لحد ما وصل لآخر صفحة.
فاتورة من محقق خاص.
وفيها جملة واحدة متسطرة بالأحمر:
“الهدف: إثبات عقم الزوجة لتسريع إجراءات الطلاق ومنع أي مطالبات مستقبلية تخص الورثة.”
كريم حس إنه مش قادر يتنفس.
ورجع يبص للبنت الصغيرة.
وريثته.
بنته.
البنت اللي كان المفروض يعرف بوجودها من شهور…
واللي مراته الجديدة حاولت تمحيها قبل ما تتولد أصلًا.
وفجأة…
باب الأوضة اتفتح بعنف.
ونادين دخلت.
فستان الفرح الأبيض متبهدل من المطر…
المكياج سايح…
وعينيها مليانين رعب.
أول ما شافت الملف في إيد كريم…
عرفت إن كل حاجة انتهت.
نادين وقفت عند الباب وهي بتنهج بعنف، كأنها جريت لحد المستشفى من غير ما تحس بنفسها.
الطرحة البيضا كانت واقعة من على شعرها…
والمسكارا سايحة تحت عينيها.
لكن ولا ده كله كان مرعب قد نظرة كريم.
العريس اللي كان من ساعة واقف قدام الكل بثقة الملوك…
بقى دلوقتي واقف كأنه مستعد يق*تل حد.
نادين حاولت تتكلم: — “كريم… اسمعني—”
— “إنتِ عملتي إيه؟”
صوته كان واطي جدًا.
وده خوّفها أكتر من الصريخ.
بصت بسرعة على ليلى، وكأنها مستنية منها إنقاذ… أو شفقة.
لكن ليلى كانت هادية بشكل مرعب وهي ضامة بنتها لصدرها.
نادين قربت خطوة: — “أنا كنت بحاول أحميك.”
كريم ضحك ضحكة قصيرة مليانة صدمة: — “تحميني؟!”
وشد أول ورقة من الملف ولوّح بيها في وشها: — “إنتِ زورتي تحاليل طبية!”
— “ماكنتش مزورة بالكامل—”
— “بس!”
صوته هز الأوضة كلها.
البيبي فزعت وبدأت تعيط.
وفي ثانية، كل حاجة في كريم اتغيرت.
لف فورًا ناحية الصوت…
وبص للبنت الصغيرة كأن العالم كله اختفى.
ليلى لاحظت اللحظة دي وسكتت.
لأول مرة في عمره… كريم الدمنهوري كان باين عليه الخوف الحقيقي.
مش خوف على نفسه.
خوف من إنه خسر حاجة ماكانش يعرف قيمتها إلا بعد ما راحت.
نادين بصتلهم بذهول: — “إنتَ… بتبصلها كده ليه؟!”
كريم ما ردش.
كان مركز مع البيبي وهي بتعيط بعصبية وتحرك إيديها الصغيرة.
ليلى هزتها بهدوء، لكن التعب كان واضح عليها.
وفجأة، كريم قرب بتردد: — “هي… مالها؟”
ليلى بصتله باستغراب: — “بتعيط.”
— “أقصد… محتاجة إيه؟”
لأول مرة، صوته ماكانش فيه غرور.
كان فيه ارتباك راجل عمره ما شال طفل قبل كده.
ليلى بصت فيه ثواني طويلة… وبعدين قالت: — “ممكن تكون جعانة.”
وقف متجمد مكانه كأنه مش فاهم يتحرك إزاي.
أما نادين، فكانت بتبص عليهم بانهيار.
وفجأة صرخت: — “إنتَ مستوعب اللي بيحصل؟! إحنا كان المفروض نتجوز النهارده!”
كريم لف ببطء.
نظرة عينيه خلتها ترجع خطوة لورا.
— “إحنا؟”
قالها كأنه أول مرة يسمع الكلمة.
— “بعد اللي عملتيه… فاكرة لسه فيه إحنا؟”
نادين بدأ صوتها يترعش: — “أنا عملت ده علشانك! علشان كنت بتحبها أكتر مني! حتى وهي ماشية كنت لسه بتجري وراها!”
— “اخرسي.”
— “كنت دايمًا تبص عليها كأنها الحاجة الوحيدة الحقيقية في حياتك! وأنا؟! أنا كنت بعمل كل حاجة علشان تختارني!”
كريم ضغط على أسنانه بعنف: — “فاختارتي تدفني بنتي قبل ما تتولد؟!”
الأوضة سكتت فجأة.
حتى نادين نفسها اتصدمت من الجملة.
ليلى حست قلبها يدق أسرع.
أما كريم… فكان بيبص على الملف بإيد بتترعش.
واضح إنه بدأ يربط حاجات أكتر.
بص لنادين ببطء وقال: — “هي كانت بتنزل السلم يوم ما أجهضت في الشهر التالت…”
نادين سكتت.
كريم قرب منها خطوة: — “إنتِ كنتِ هناك.”
وشها شحب فجأة.
ليلى عقدت حواجبها: — “إيه؟”
كريم بص لليلى، وصوته بقى مكسور: — “فاكرة يوم ما وقعتي في بيتنا القديم؟”
ليلى قلبها انقبض.
طبعًا فاكرة.
اليوم اللي فقدت فيه أول حمل ليها.
اليوم اللي الدكتور قالهم بعده إن فرص الحمل بقت ضعيفة.
نادين بدأت تهز راسها بسرعة: — “لا… لا… مايبصليش كده…”
لكن كريم كان خلاص فهم.
افتكر.
نادين كانت آخر واحدة شافت ليلى قبل ما تقع.
وكانت هي اللي قالت وقتها إن الأرض كانت مبلولة بالصدفة.
كريم همس بصدمة: — “إنتِ عملتيها…”
نادين انفجرت فجأة: — “أيوة!!”
الصمت اتقطع كأن قنبلة انفجرت.
وعينيها لمعت بجنون وهي بتصرخ: — “أيوة عملتها! لأنها كانت دايمًا عندها كل حاجة! الاسم! الحب! المكانة! حتى وإنتَ بتخونها… كنت بترجع لها هي!”
ليلى حسّت الدم اتسحب من وشها.
أما كريم… فكان باصص لنادين كأنه شايف وحش لأول مرة.
ونادين ضحكت وسط دموعها: — “بس أنا ماكنتش أعرف إنها حامل ساعتها…”
الجملة نزلت على الأوضة كأنها رصاصة.
ليلى حسّت جسمها كله تلج.
إيديها شدت على بنتها الصغيرة تلقائيًا، وكأنها بتحميها من العالم كله.
أما كريم… فكان واقف ساكت بشكل مرعب.
الهدوء اللي قبل الانفجار.
نادين بدأت تتراجع بخوف: — “كريم… أنا—”
لكنه قاطعها فجأة: — “إنتِ ق/تلتي بنتي الأولى.”
قالها بصوت هادي جدًا… وده كان أسوأ بكتير من الصريخ.
نادين دموعها نزلت بسرعة: — “ماكنش قصدي! والله ماكنش قصدي الحمل يضيع! أنا بس كنت عايزاها تبعد عنك!”
كريم ضحك ضحكة مخيفة وفاضية: — “تبعد؟”
وبعدين أشار ناحية ليلى: — “دي كانت مراتي.”
وأشار للبنت الصغيرة: — “وده كان طفلي.”
نادين صرخت بانهيار: — “وأنا كنت بحبك!”
— “إنتِ ماتعرفيش يعني إيه حب.”
صوته كان بارد لدرجة خلتها ترتعش.
ليلى عمرها ما شافت كريم بالشكل ده.
الرجل اللي طول عمره متحكم في أعصابه…
واقف دلوقتي وعينيه مليانة كراهية حقيقية.
وفجأة مد إيده بالملف ناحية الباب: — “اطلعي بره.”
نادين بصتله بصدمة: — “إنتَ بترميني؟ علشانها؟!”
— “لا.”
قرب منها خطوة، وصوته بقى أوطى: — “علشان أنا لو بصيتلك ثانية زيادة… ممكن أعمل حاجة أندم عليها.”
نادين شهقت بخوف حقيقي.
واضح إنها لأول مرة تستوعب إنها خسرت.
مش بس الجوازة.
ولا الفلوس.
كريم نفسه.
الممرضة دخلت بسرعة بعد ما سمعت الصريخ: — “في إيه هنا؟!”
لكن قبل ما حد يرد، نادين خرجت تجري وهي بتعيط بشكل هستيري.
الباب اتقفل وراها بعنف.
وسكتت الأوضة.
ثواني طويلة…
بعدين كريم قعد على الكرسي تاني ببطء شديد، وحط وشه بين إيديه.
ولأول مرة…
ليلى سمعته بيعيط.
مش بصوت عالي.
لكن النفس المكسور اللي بيطلع من واحد الدنيا كلها وقعت فوق دماغه.
فضل كده شوية… قبل ما يرفع عينيه للبنت الصغيرة.
كانت هديت أخيرًا.
نايمة وسط البطانية، ولا كأنها قلبت حياة ناس كاملة في كام ساعة.
كريم همس: — “اسمها إيه؟”
ليلى بصتلها بحنان: — “مريم.”
كرر الاسم كأنه بيدوقه لأول مرة: — “مريم…”
وبعدين رفع عينيه لليلى: — “كنتِ ناوية ماتقوليش أبدًا؟”
ليلى سكتت شوية.
الحقيقة؟
كانت ناوية فعلًا.
كانت ناوية تربي بنتها بعيد عن قسوته… وعن عالمه الوسخ… وعن ناس زي نادين.
لكن وهي باصة عليه دلوقتي…
كان واضح إنه اتكسر بطريقة عمرها ما شافتها.
قالت بهدوء: — “كنت خايفة.”
كريم قفل عينيه بألم.
طبعًا كانت خايفة.
هو بنفسه كان السبب.
بعد لحظة طويلة، قال: — “أنا دمرتك.”
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة كلها تعب: — “آه… دمرتني فعلًا.”
الكلمة ضربته أكتر من أي صريخ.
فضل ساكت… قبل ما يبص للبنت تاني ويسأل بتردد: — “ممكن… أشيلها؟”
ليلى بصتله طويل.
الرجل ده كان يومًا حب عمرها…
وبعدين بقى أكبر خيبة عرفتها.
لكن رغم كل حاجة…
كان أبو بنتها.
قربت مريم منه بحذر.
وكريم مد إيده كأنه خايف يلمسها.
أول ما البنت استقرت في حضنه… اتجمد.
الطفلة الصغيرة فتحت عينيها الرمادي وبصتله مباشرة.
وفي اللحظة دي…
كريم انهار بالكامل.
دموعه نزلت وهو بيحضنها بخفة شديدة، كأنها أغلى حاجة لمسها في حياته.
وهمس بصوت متقطع: — “أنا آسف…”
ليلى بصتلهم بصمت.
لكنها ماقالتش “سامحتك”.
لأن بعض الجروح…
حتى الحب مايعرفش يصلحها.
بعد ٣ شهور…
صورة واحدة قلبت السوشيال ميديا ورجال الأعمال في القاهرة كلها.
صورة كريم الدمنهوري وهو خارج من مقر شركته الرئيسي…
من غير حراسة.
من غير ابتسامته المعتادة.
ومن غير خاتم الجواز.
العناوين كانت نار:
“فضيحة تزوير تهز مجموعة الدمنهوري.”
“فتح تحقيقات داخلية بعد تسريب مستندات خطيرة.”
“اختفاء نادين فؤاد من الحياة العامة.”
وفي وسط كل ده…
كانت في صورة تانية الناس ماتكلمتش عنها كفاية.
كريم وهو شايل طفلة صغيرة قدام مستشفى أطفال.
مريم.
الوحيدة اللي فضلت معاه بعد ما كل حاجة وقعت.
مجلس الإدارة أجبره يتنحى مؤقتًا بعد الفضايح.
الصحافة أكلته حي.
ونادين اختفت بعد ما المحامين بدأوا يتحركوا رسمي.
لكن أكتر حاجة كانت بتقتله…
إنه كل يوم يصحى عارف إنه هو اللي سلّم حياته كلها للخراب بإيده.
ليلى كانت قاعدة في شقتها الجديدة وقتها.
شقة هادية على النيل… صغيرة مقارنة بالقصور اللي عاشت فيها زمان، لكنها أول مكان تحس فيه بالأمان من سنين.
مريم كانت نايمة جنبها على الكنبة، بإيديها الصغيرة ماسكة صباع أمها.
رن الجرس.
ليلى عرفت مين قبل حتى ما تبص في العين السحرية.
كريم.
فتحت الباب بهدوء.
كان لابس قميص بسيط لأول مرة تقريبًا… من غير بدلة… من غير صورة “رجل الأعمال الكامل”.
بس التعب؟
كان مالي وشه.
بصلها ثواني طويلة قبل ما يقول: — “ممكن أشوفها؟”
ليلى فتحت الباب من غير كلام.
دخل ببطء… كأنه داخل مكان مقدس.
أول ما شاف مريم نايمة… ملامحه كلها لانت.
ركع جنب الكنبة ومد إيده يعدل البطانية عليها بحذر شديد.
ليلى كانت واقفة بعيدة تراقبه.
وقالت أخيرًا: — “المحامين بتوعك بعتولي عرض تسوية جديد.”
كريم ما بصش لها: — “ارفضيه.”
استغربت.
لف ببطء وقال: — “خدي كل حاجة.”
ليلى عقدت حواجبها: — “إيه؟”
ابتسم ابتسامة مكسورة: — “الشركة… الأسهم… البيت القديم… أي حاجة. مش فارق.”
— “كريم—”
— “أنا خسرت الحاجة الوحيدة اللي كانت فعلًا مهمة.”
بص لمريم وهو بيقولها.
والمرادي… ليلى صدقته.
سكتت شوية قبل ما تقول: — “هي محتاجة أبوها.”
رفع عينيه بسرعة كأنه مش مستوعب.
لكنها كملت بهدوء: — “بس ده مايعنيش إني هرجعلك.”
الكلمة نزلت عليه بهدوء… لكنه كان متوقعها.
قرب يقف قدامها، والمسافة بينهم بقت صغيرة جدًا.
— “في يوم من الأيام… كنتِ كل حاجة حلوة عندي.”
ليلى حست قلبها وجعها رغمًا عنها.
لكن الماضي كان تقيل زيادة عن اللزوم.
قالت بصوت هادي: — “وأنتَ كنت أكبر درس اتعلمته.”
ابتسم بحزن.
وماجادلش.
لأنه للمرة الأولى… بقى يفهم إن الحب لو اتكسر بطريقة وحشة كفاية، عمره ما يرجع زي الأول.
مريم اتحركت فجأة وصحت بعياط خفيف.
كريم شالها بسرعة تلقائية، كأنه بقى حافظها.
والطفلة الصغيرة سكتت أول ما استقرت في حضنه.
ليلى بصتلهم…
وشافت حاجة عمرها ما تخيلت تشوفها:
كريم الدمنهوري… الرجل اللي كان يقدر يشتري أي شيء…
واقف في نص أوضة هادية، شايل بنته كأنها أثمن حاجة في الدنيا، وعارف إنه مستحيل يشتري قلب أمها تاني.
وخارج الشباك…
كانت القاهرة بتلمع تحت المطر.
أما جوا الأوضة…
فأول مرة من سنين، ليلى حست إن النهاية دي… عادلة.
بقلم ندى الجمل