طالمه امك ست البيت الاخير
الجزء الرابع
عدت التلات أيام وكأنهم تلات سنين. أحمد كان قاعد في البيت، البيت اللي كان حاسه كأنه قفص مقفول عليه. بقلم منــال عـلـي
أمه كانت رايحة جاية، بتحاول تفتح مواضيع عشان تخرجه من حالته، بس أحمد كان بيرد بكلمة ونص، عينيه كانت دبلانة، وأفكاره كانت في مكان تاني خالص. لأول مرة، قعد يراجع نفسه.. فكر في كل لحظة دينا حاولت فيها تقرب منه، وكل مرة كانت بتطلب منه حقها الطبيعي في الخصوصية، وهو كان بيقابل ده بالصد واللامبالاة، وبحجة “أمي هي الأساس”. بقلم منــال عـلـي
في الليلة الرابعة، أحمد مقدرش يستحمل أكتر من كده. قام لبس هدومه، وخرج من البيت من غير ما يفتح بقه لأمه. كان سايق العربية، وعقله شريط بيعرض فيه كل تفاصيل حياته مع دينا. وصل قدام بيت أهلها، قلبه كان بيدق بعنف، خوف من اللي جاي، وخوف من إنه ميكونش فيه “رجوع” حصري على صفحه روايات واقتباسات
خبط على الباب.. فتح له والد دينا، كان باين عليه الزعل، بس كان راجل حكيم. بص لأحمد وقال له بصوت هادي: «دينا جوه، بس يا ابني لازم تعرف إن اللي حصل مش هينفع يتصلح بكلمتين حلوين، دينا اتكسرت جواها حاجات كتير.»
أحمد هز راسه بأسف ودخل. لقى دينا قاعدة في الصالة، وشها كان شاحب بس فيه قوة غريبة، قوة اللي خد قرار ومش نادم عليه. أول ما شافته، عينيها اتجمعت فيها الدموع، بس ممسحتهاش.
— «أحمد؟ إيه اللي جابك؟» قالتها بصوت هادي ومتحفظ.
أحمد قعد قدامها، وبدأ يتكلم بصدق لأول مرة:
— «جيت عشان أقولك إني فكرت.. فكرت كتير أوي يا دينا. لأول مرة في حياتي، شوفت الدنيا من غير عيون أمي. شوفت إزاي أنا ظلمتك، وظلمت نفسي معاكي. أنا كنت فاكر إني بارّ بأمي لما بسمح لها تتدخل في حياتنا، بس اكتشفت إني كنت بظلمك إنتي، وبظلم علاقتنا، وبخلي بيتنا مسرح لأي حد يدخله ويخرج منه بمزاجه.»
دينا سكتت، بتسمع كلامه، بتدور فيه عن صدق.
— «يا أحمد.. الخسارة مش في إنك بطلت تسمع كلامها، الخسارة كانت في إنك بطلت تسمعني أنا. أنا مكنتش عايزة أبعدك عن أهلك، كنت عايزة أحس إني “ست بيت” فعلاً، إني ليا كيان وليا خصوصية في مملكتي الصغيرة.» بقلم منــال عـلـي
أحمد مسك إيديها، وإيديه كانت بترتعش:
— «أنا عارف. وعارف إني خسرت كتير، بس أنا مش عايز أخسرك إنتي. أنا أخدت قرار، ومش رجع فيه. أنا اشتريت شقة تانية، بعيد عن بيت أهلي، عشان نبدأ حياتنا بجد، حياتنا إحنا وبس، بشروطنا إحنا وبس، ومن غير أي تدخلات. أمي ليها كل الاحترام والتقدير، وهزورها وهبرّها، بس حياتنا الشخصية.. دي خط أحمر لا هي ولا غيرها يعديه.»
دينا بصت له بتركيز، وكانت حاسة إن ده الكلام اللي كانت بتحلم تسمعه:
— «والشقة القديمة؟ وأمك؟»
أحمد اتنهد:
— «أمك مش هتتغير في يوم وليلة، ده أنا عارفه، بس أنا اللي هغير طريقتي. أنا اللي هحط الحدود، وأنا اللي هقول “لأ” لما أحس إن الكلام زاد عن حده. أنا اللي هحمي بيتنا يا دينا، مش إنتي اللي هتحميه. أنا اللي لازم أواجه.»
دينا بدأت تحس ببارقة أمل، بس كان لسه جواها خايفة:
— «إنت عارف يا أحمد إن دي مسؤلية كبيرة؟ خصوصاً إن أمك مش متعودة على كدة؟»
أحمد ابتسم ابتسامة باهتة بس مليانة تصميم:
— «عارف. وعارف إن الفترة اللي جاية هتكون صعبة، وهنسمع كلام كتير، وهنتعرض لضغوط.. بس أنا مستعد. مستعد عشانك، وعشان نعيش حياتنا اللي نستاهلها.»
دينا قامت وقفت، وبصت في عين أحمد، شافت فيها الندم الحقيقي والرغبة في التغيير. بقلم منــال عـلـي
— «أنا موافقة يا أحمد.. بس بشرط.»
— «أي شرط يا دينا، قولي.»
— «الشرط إننا نبتدي صفحة جديدة بجد، بصدق وبصراحة. أي حاجة تضايقنا نقولها لبعض قبل ما تكبر، وقبل ما أي حد يدخل بينا.»
أحمد وقف قدامها وخدها في حضنه، ولأول مرة من فترة طويلة، دينا حست إنها رجعت بيتها الحقيقي.. في قلب جوزها اللي بدأ يفهم يعني إيه “رجولة” بجد.
تاني يوم، أحمد راح لأمه. كانت مستنية منه يرجع “زي ما كان”. قعد معاها، وبمنتهى الهدوء والحزم، شرح لها كل حاجة. سمعت منه كلام مكنتش تتخيل إنه يقوله. في الأول حاولت تصرخ وتعمل “نوبة غضب”، بس أحمد كان ثابت، كان حازم من غير قسوة، وواضح من غير إهانة.
— «يا ماما، أنا بحبك وبحترمك، وإنتي فوق راسي، بس دي حياتي أنا ومراتي. والخصوصية هي اللي هتخلي علاقتنا كويسة، وأي تدخل تاني معناه إننا هنبعد أكتر.»
أم أحمد لأول مرة سكتت.. شافت في عيون ابنها إصرار مكنتش متوقعاه. بدأت تدرك إن ابنها بيكبر، وإن في ست تانية دخلت حياته ليها حق عليه.
دينا رجعت مع أحمد، مش لنفس الشقة، بس لحياة تانية خالص. بدأوا يأسسوا بيتهم الجديد بالحب والتفاهم. البيت كان هادي، مرتب بطريقتهم، مليان بضحكاتهم. طبعاً، كان فيه مواقف ومناوشات، ومكالمات من الأم، وزيارات، بس أحمد كان دايماً “الحيطة السد” اللي بتحمي دينا، وكان دايماً بيوصل رسالة واضحة لأمه إن حدود بيتهم ممنوع تجاوزها.
دينا عرفت إنها كسبت مش بس جوزها، كسبت نفسها.. كسبت كرامتها.. وكسبت “البيت” اللي كانت بتحلم بيه. والحب اللي كان بيموت، بدأ ينبت من جديد، أقوى وأجمل، لأنهم اتعلموا إن الحب مش بس مشاعر، الحب “موقف”، والبيت مش بس جدران، البيت “حماية واحترام”.
وعاشت دينا وأحمد حياتهم.. مش حياة خالية من المشاكل، بس حياة قائمة على “الاحترام المتبادل”، حياة فيها “دينا” بطلة، وأحمد “سند”، وبيت مفتوح بالحب، بس “مقفول” على أسرارهم وخصوصيتهم.
وهنا، انتهت قصة دينا وأحمد.. مش كبداية لنهاية، بس كنهاية لبداية جديدة، حياة مبنية على أسس سليمة، زي ما بيقولوا “على نور”.. وبالفعل، عاشوا في هدوء وسعادة، لأنهم فهموا أخيراً إن “الخصوصية” هي سر استمرار أي علاقة، وإن “الرجولة” هي اللي بتخلي الست تحس بأمان مش بس في بيتها، لكن في قلب جوزها كمان.
