طليقتي جات تزورنا
طليقتي جت تزور ابننا، والموضوع انتهى بإنها باتت عندنا ليلتها. سبتها تنام على الكنبة في الصالة. بس بعد نص الليل، سمعت حاجة مكانش المفروض أسمعها خالص.
ومع أول ضوء للشمس، السور العالي اللي بنيته حوالين مشاعري على مدار سنتين عشان أحمي نفسي، اتشرخ فجأة شرخ مكنتش قادر أطنشة.
أنا اسمي أحمد الشناوي. عندي تمانية وتلاتين سنة، وعايش في بيت تلات أوض وصالة في آخر شارع هادي في مصر الجديدة.
البيت كبير عليا أنا وابن اللي عنده سبع سنين، بس أنا كنت شاري البيت ده زمان أيام ما كان جوازنا لسه واقف على رجله، وإحنا الاتنين كنا مصدقين في المستقبل اللي بنبنيه سوا. فكرة بيعه مكانتش بتيجي في بالي أصلاً. ساعات بقنع نفسي بأسباب عملية، زي إن المدرسة هنا ممتازة والجنينة ورا البيت تنفع يتجاب فيها ترامبولين، وساعات تانية بعترف لنفسي إن الحقيقة أعقد من كده بكتير.
ابني اسمه يوسف، وبندلعه نقوله جوزيف. عنده سبع سنين، وموقع سنتين من سنانه القدامانية، ومجنون بحاجة اسمها ديناصورات وأبطال خارقين، ومن غير أي تفكير، هو أحسن حاجة حصلت في حياتي كلها. يوسف ورث ضحكة أمه، من النوع اللي بيبدأ بابتسامة هادية وبعدين يفرقع ويملى المكان كله بهجة، وكل ما بسمع الضحكة دي جاية من الجنينة أو
الصالة، في حاجة جوايا بتتحرك بطريقة لسه مش عارف ألاقي لها كلام يوصفها صح.
أمه اسمها نهى.
عشنا مع بعض ست سنين متجوزين. اتعرفنا على بعض في أواخر العشرينات في مؤتمر شغل في التجمع.. هي كانت شغالة في الماركتنج، وأنا كنت مدير مشاريع تكنولوجيا معلومات IT. بالصدفة قعدنا على نفس الترابيزة في عشا العمل، وفضلنا نتكلم ونرغي لوقت متأخر لدرجة إن عمال القاعة بدأوا يلموا الكراسي من حوالينا.
اتخطبنا بعدها بحوالي سنة ونص. وطلبت إيدها في صباحية يوم سبت في حديقة الأزهر، بعد ما كنت مرتب كل تفصيلة بالدقيقة والثانية. واتجوزنا في فرح صغير في مصر الجديدة، كان فيه حوالي ستين فرد من القرايب والصحاب، وفرقة زفة فضلت تولع الدنيا لحد وش الصبح.
لوقت طويل، جوازنا كان ماشي وزي الفل.
بعدين بالراحة كده، كل حاجة بدأت تبوظ.
مكانش فيه فضايح ولا خناقات درامية، مفيش خيانة، ولا خناقة كبيرة من اللي بتهد البيت في ليلة وضيقها. الموضوع كان أهدى من كده بكثير.. اتنين كل واحد فيهم بدأ يروح في اتجاه بعيد عن التاني. اتنين كانوا شاطرين جداً في إنهم يربوا طفل مع بعض، بس مكنوش شاطرين في إنهم يفضلوا زوج وزوجة. وأخدنا حوالي سنتين عشان نقدر نستوعب ونقبل إن دي حاجة ودي حاجة تانية خالص.
إجراءات الطلاق خلصت في محكمة الأسرة بمصر الجديدة من سنة ونص. وإحنا الاتنين مشاركين في تربية يوسف.. بيقعد معايا طول أيام المدرسة هنا في مصر الجديدة، وبيقضي الإجازة بالتناوب مع نهى في شقتها اللي في التجمع.
والغريب إن الموضوع ده ماشي تمام جداً. التسليم والتسلم بيعدي بسلاسة، كلامنا مع بعض كله احترام، والخناقات شبه منعدمة. بنستخدم أبليكيشن مخصوص لتنظيم تربية الأطفال عشان نظبط المواعيد، وفي نتيحة مشتركة بينا عشان مواعيد المدرسة والدكاترة.
بس اللي مبنعملوش.. إننا ناكل لقمة سوا.
مبنتصلش ببعض عشان نطمن أو ندردش.
بقينا اتنين حبوا بعض بجد في يوم من الأيام، وتحولوا بالتدريج لشخصين غرايب عن بعض، كل واحد فيهم عايش بحذر وبعيد عن التاني. ولوقت طويل، أقنعت نفسي إن دي أصح طريقة عشان نعرف نعيش ونكمل. وفي الآخر، بقيت شاطر أوي في تصديق الكذبة دي.
كل ده اتغير في يوم جمعة في شهر مارس.
يوسف كان معايا طول الأسبوع، وكان المفروض نهى تيجي تاخده صباح السبت عشان تقضي معاه الويك إيند بتاعها. والنظام ده شغالين بيه بقالنا شهور.
عشان كده لما جرس الباب رن الساعة سبعة إلا ربع بالليل، وبصيت من الشباك ولمحتها واقفة بره ولابسة بالطو وشايلة شنطة على كتفها، أول فكرة جيت في بالي إن في مصيبة حصلت.
فتحت الباب.
قالتلي أهلاً.. أنا عارفة إنها مش ليلتي المفروض. بس أنا.. كان عندي اجتماع شغل في مصر الجديدة واتلغى، وبما إني بقيت قريبة من هنا، قلت أعدي أشوف يوسف قبل ما أروح.
كان باين عليها التعب والهدد.. مش التعب العادي بتاع أسبوع شغل تقيل، لأ، من النوع اللي بيهد الحيل وبيتدارى ورا العينين.
قلتلها أكيد طبعاً، اتفضلي ادخلي.
دخلت نهى، وبمجرد ما يوسف شافها، رمى اللعبة اللي في إيده وجري عليها وهو بيصرخ من الفرحة ماما!. هي نزلت على ركبها وأخدته في حضنها جامد، وقفلت عينيها وكأنها بتستمد منه طاقة. أنا وقفت على جنب أراقبهم، وحسيت بنغزة مألوفة في صدري، خليط من الدفا والوجع اللي دايماً بيظهر لما بنكون إحنا التلاتة في نفس الأوضة.
قضينا بقية السهرة بنظام مكنتش متوقعه. عملت عشا سريع، وقعدنا على سفرة واحدة لأول مرة من شهور طويلة. يوسف مكنش مبطل كلام، عمال يحكي لأمه عن الديناصور الجديد اللي عرفه، وعن صاحبه في المدرسة، وهي كانت بتسمعه باهتمام حقيقي وبتضحك ضحكتها اللي بتملا المكان. أنا كنت هادي، ببتسم لكلامهم وبشارك على خفيف، بس عيني مكنتش بتنزل من عليها؛ التعب اللي لمحته أول ما فتحت الباب مكنش مجرد إرهاق، كان باين في حركتها البطيئة وصوتها اللي فيه بحة غريبة.
على الساعة
لمحة نيوز
عشرة، يوسف بدأ يكبس عليه النوم. نهى دخلت معاه أوضته عشان تنيمه، وأنا قعدت في الصالة مستنيها تخرج عشان تمشي. الوقت سرقنا، والساعة دخلت في حداشر ونص وهي لسه جوه. قمت وفتحت الباب براحة، لقيتها نامت جنبه على السرير من كتر التعب، وإيدها لسه حاضناه.
مكنش ينفع أسيبها نايمة في أوضته، وفي نفس الوقت مكانش ينفع تمشي في وقت متأخر وزي دي وهي مش قادرة تفتح عينيها. صحيتها براحة، فتحت عينيها وهي مشوشة. قلتلها بصوت واطي نهى.. الوقت تأخر وأنتِ تعبانة، مش هينفع تسوقي للتجمع دلوقتي. نامي على الكنبة في الصالة الليلة دي.
هزت راسها بالموافقة من غير ما تجادل، ودا عرفني قد إيه هي مهدودة. جبتلها بطانية ومخدة، وظبطت لها الكنبة، وسيبتها ودخلت أوضتي وقفلت الباب.
على الساعة اتنين بعد نص الليل، قمت عشان أشرب. البيت كان هادي تماماً وضلمة، مفيش غير نور الشارع الخفيف اللي داخل من الشباك. وأنا معدي في الطرقة القريبة من الصالة، سمعت الصوت ده.
مكانش صوت حركة، ولا صوت فرجة على التليفزيون.
كان صوت عياط مكتوم.
وقفت في مكاني مش قادر أتحرك. نهى كانت دافنة وشها في المخدة وبتعيط بحرقة، بس بتحاول بكل قوتها إن صوتها ميتطلعش عشان متصحيش حد. العياط ده مكنش مجرد زعل عادي، كان في كمية وجع وضغط مكبوت بقاله شهور وبيطلع كله في اللحظة دي.
فضلت واقف لثواني مش عارف أعمل إيه.. هل أدخل وأطمن عليها؟ ولا أعمل نفسي مسمعتش حاجة عشان جرح كرامتها؟ في النهاية، رجعت أوضتي بالراحة وقعدت على السرير في الضلمة، وصوت شهقاتها المكتومة لسه بيرن في ودني.
لما الشمس طلعت وصحيت، لقيت الصالة فاضية والبطانية متطبقة ومحطوطة بنظام على الكنبة. نهى مشيت بدري قبل ما أنا أو يوسف نصحى، وسابت ورقة صغيرة على السفرة مكتوب فيها شكراً يا أحمد.. أشوفكم السبت.
بصيت للورقة، وحسيت إن السور اللي بقالي سنتين ببني فيه بالطوبة عشان أنسى وأعيش في سلام، انهار تماماً. مكنتش قادر أشيل من بالي فكرة إنها بتمر بحاجة صعبة لوحدها، وإن الهدوء اللي كنا عايشين فيه مكانش حقيقة، كان مجرد مسافة إحنا اللي خلقناها.
قعدت على كرسى السفرة وبصيت على كوباية الشاي اللي في إيدي، وفضل يوسف نايم جوه ولا حاسس بأي حاجة من اللي بتحصل حواليه.
طول اليوم وأنا مش عارف أركز في أي حاجة، كلامها، عياطها المكتوم، والورقة الصغيرة اللي سابتها.. كل ده عمال يلف في دماغي ومابيوقفش. يوسف صحي وفضل يسأل عليها هي ماما مشيت امتى يا بابا؟ قلتله إن كان وراها مشوار مهم وهتيجي تاخده بكره زي ما كنا متفقين.
يوم السبت الصبح، جرس الباب رن في نفس ميعادها المعتاد.
فتحت الباب، كانت واقفة ولابسة نضارة شمس سودا مخبية عينيها، وبتحاول ترسم على وشها الابتسامة الطبيعية اللي بنقابل بيها بعض كل أسبوع.
جاهز يا جو؟ قالتها بصوت عالي وهي بتبص ليوسف اللي كان بيجري يجيب شنطته.
يوسف خرج جري وركب العربية، وفضلنا أنا وهي واقفين على الباب لوحدنا لكام ثانية.
قلت لها بصوت واطي وهادي نهى.. أنتِ كويسة؟
اتشغلت في قفل السوستة بتاعة الشنطة اللي في إيدها وقالت وهي مابتجيبش عينها في عيني آه طبعاً، الحمد لله. ضغط شغل بس مش أكتر، شكراً على استضافة امبارح وتعبتك معايا.
أنا سمعتك امبارح بالليل.
الكلمة طلعت مني من غير ما أفكر، بس كانت لازم تطلع.
إيدها وقفت مكانها، ورفعت راسها وبصت لي من ورا النضارة. اللحظة دي كان فيها كمية سكوت غريبة، كأن الزمن وقف بينا في ممر الشقة. قلعت النضارة، وبان إن عينيها لسه منفوخة وتعبانة.
نزلت عينيها الأرض وقالت بنبرة مكسورة أول مرة أسمعها منها من يوم ما اتطلقنا أنا تعبانة أوي يا أحمد.. بمر بفترة صعبة في الشغل ومشاكل تانية كتير، وحاسة إني لوحدي تماماً ومفيش حد ساندني.. ومكنتش قادرة أبان ضعيفة قدام يوسف.
حسيت إن كل البرود والمسافات اللي صنعناها بيننا في سنة ونص دابت في ثانية واحدة. مكنتش شايف طليقتي اللي بيني وبينها محاكم وأوراق، كنت شايف البنت اللي عشت معاها ست سنين وبحبها وبحترمها.
مديت إيدي وحطيتها على كتفها بهدوء وقلت لها إحنا يمكن منفعناش نكون زوج وزوجة يا نهى.. بس ده ميعنيش إنك لوحدك. أنا هنا، ويوسف هنا، وإحنا لسه عيلة بشكل أو بآخر. لو احتجتي أي حاجة في أي وقت، بيتك ومكانك موجودين.
بصت لي وعينيها لمعت بالدموع، بس المرة دي كانت دموع راحة مش وجع. هزت راسها وقالت شكراً يا أحمد.. بجد شكراً.
لبست نضارتها تاني، ومشيت رايحة للعربية وهي خطوتها أخف بكتير من امبارح. وقفت أنا على الباب أراقب عربيتها وهي بتبعد، ولأول مرة من سنتين، حسيت إن الشرخ اللي اتشرخ في السور بتاعي مكانش حاجة وحشة.. بالعكس، ده كان الباب اللي رجع بيننا الإنسانية والرحمة اللي كنا محتاجينهم.
رجعت دخلت الشقة وقفلت الباب ورايا. المكان رجع هادي تاني، بس مبقاش هدوء غريب أو كئيب زي الأول. لأ، كان هدوء فيه نوع من السكينة، كأن في حمل ثقيل كان متشال فوق كتافنا وإحنا الاتنين نزلناه في الأرض.
دخلت المطبخ وبدأت ألم الكوبايات وأظبط المكان. غسلت الكوباية اللي شربت فيها قهوتها، ومسحت الرخامة، وأنا بعمل كل ده وأفكاري بدأت تترتب لأول مرة
من شهور. السنتين اللي فاتوا كنت حابس نفسي في قالب الراجل القوي الصامد اللي مبيتهزش، الراجل اللي طلق وبنى حياته من جديد ومبيفكرش في الماضي. كنت فاكر إن الجمود ده هو الشطارة، وإن المسافات والجفاء هما اللي هيحموني أنا ويوسف.
بس الحقيقة اللي فهمتها النهاردة، إن الطلاق مش معناه إننا نتحول لأعداء أو لغُرايب ميعرفوش عن بعض حاجة. إحنا بينا عشرة، وبينا طفل هو أغلى ما نملك، والرحمة والإنسانية مبيتطلقوش.
عدى اليومين بتوع الويك إيند وأنا بتابع يوسف بالتليفون كالعادة، بس نبرة صوت نهى المرة دي كانت مختلفة.. كانت أهدى، ومفيش فيها الحذر والتحفُّظ اللي كان بيميز مكالماتنا الرسمية السابقة.
يوم الأحد بالليل، يوسف رجع البيت. دخل جري عليا وحضني وهو بيضحك بابا! أنا وماما روحنا الملاهي ولعبنا كتير أوي!. بصيت وراه، لقيت نهى واقفة عند الباب. مكانتش لابسة نضارة الشمس، وعينيها كان فيها لمعة رضا حقيقية.
شاورتلي بابتسامة خفيفة وقالت تصبح على خير يا أحمد.
رديت عليها بنفس الابتسامة وأنتِ من أهله يا نهى.. سوقي براحة.
قفلت الباب وبصيت ليوسف وهو بيطلع كتبه عشان يجهز لشنطة المدرسة بتاعة الصبح. حسيت إن البيت مابقاش واسع وفاضي عليا زي زمان. السور اللي انهار مسبش وراه خراب، بالعكس، ساب مساحة جديدة عشان نعيش فيها بسلام.. مساحة تخلي ابنا يتربى بين أب وأم محترمين، حتى لو مش عايشين تحت سقف واحد.
من اليوم ده، شكل علاقتنا اختلف تماماً.
الأبليكيشن والنتيجة المشتركة لسه موجودين وبنظّم بيهم المواعيد، بس مبقوش هما الطريقة الوحيدة للكلام. بقينا ممكن نبعت لبعض رسالة عادية على الواتساب؛ صورة ليوسف وهو بيعمل حاجة تضحك في المدرسة، أو فويس نوت سريع بنطمن فيه على بعض لو حد فينا عنده ضغط شغل.
الحواجز النفسية اللي كنا بنعافر عشان نثبت بيها لنفسنا وللناس إننا تخطينا الصدمة اتكسرت، وحل مكانها نوع من النضج الهادي والمريح للكل، وبالذات ليوسف.
يوسف بقى يحس بالراحة دي في الجو.. مابقاش يشوف نظرات القلق الحذرة بين أبوه وأمه وقت التسليم والتسلم، بقى يشوف اتنين كبار بيحترموا بعض وبيبتسموا لبعض بصدق. وبقى يسأل عن أمه وهو معايا من غير ما يخاف إنه يضايقني، وأنا بقيت أجاوبه برحابة صدر وأقوله كلم ماما طمنها عليك.
في يوم جمعة بعد حوالي شهرين، كان يوسف نايم وصحيت بدري على صوت خبط خفيف على الباب. فتحت، لقيت نهى واقفة وجايبة معاها علبة فيها الفطير المشلتت اللي أنا بحبه من مكان معين كنا بنروح له زمان.
بصت لي بابتسامة صافية وقالت كنت قريبة من هناك واشتريت ليوسف وليك فطار.. قلت أعدي أديهولكم قبل ما أنزل الشغل.
أخدت منها العلبة وقلت لها تسلم إيدك يا نهى.. بجد شكراً. مش هتدخلي تشربي الشاي طيب قبل ما تنزلي؟
اعتذرت برقة وقالت إن وراها مواعيد، ولفت عشان تمشي. وأنا واقف على الباب وببص عليها وهي نازلة، حسيت بامتنان حقيقي للأيام وللتجربة دي كلها. إحنا منفعناش نكون زوج وزوجة، ودا نصيب، بس قدرنا نكون بني آدمين وبقينا أصدقاء حقيقيين وسند لبعض وقت الشدة.
السور اللي انهار مكنش خسارة، كان بداية لأنظف وأجمل مرحلة في حياتنا.. مرحلة عنوانها الرحمة والعشرة اللي متهونش غير على أولاد الأصول.
عدى الشتا ودخلنا في الصيف، والترتيب الجديد ده مكنش مجرد فترة هدوء مؤقتة، دا بقى النظام الطبيعي لحياتنا. بس الغريب إن مع كل خطوة كنا بنقربها كأصدقاء وأب وأم ليوسف، كان في مشاعر قديمة ومدفونة بتصحى بالراحة من غير ما نقصد. المشاعر دي مكانتش زي زمان أيام المشاكل وضغط الجواز، كانت أصفى وأعمق بكتير.
يوسف بقى عنده تمان سنين، وفي يوم عيد ميلاده، قررنا نعمله حفلة صغيرة في جنينة البيت عندي. نهى جت بدري عشان تساعدني في التعليق والزينة وتجهيز التورتة. وإحنا واقفين سوا بننفخ البلالين ونعلق النور، وبنضحك على يوسف وهو بيجري حوالينا، بصيت لها للحظة وحسيت إن المكان ده مش ناقصه حاجة.. البيت مبقاش كبير وفاضي، البيت بقى كامل وهي فيه.
بعد ما الحفلة خلصت وأصحاب يوسف مشيوا، يوسف دخل نام من كتر التعب واللعب. قعدت أنا ونهى في الجنينة نشرب شاي ورا البيت، والجو كان طراوة وهادي جداً.
بصيت لها وقلت بعد فترة سكوت مريحة عارفة يا نهى.. البيت ده بقاله سنين مكنتش فيه الروح دي.. الروح رجعتله ورجعتلي من يوم ما عيطتِ هنا على الكنبة.
سابت كوباية الشاي وبصت لي، وعينيها كان فيها نظرة دافية مفيهاش أي خوف أو حذر وأنا من يومها يا أحمد، وأنا حاسة إن الغربة اللي كنت عايشاها انتهت. السنتين اللي بعد الطلاق كانوا أصعب أيام حياتي، كنت فاكرة إني قوية ومكتفية، بس اكتشفت إن طعم الدنيا ملوش معنى وأنت بعيد عن الناس اللي بتحبهم.
قربت الكرسي بتاعي شوية وقلت بنبرة طالعة من كل قلبي إحنا لما بعدنا زمان، بعدنا عشان كنا تعبانين من الروتين والضغط والمشاكل، ومعرفناش نحافظ على بعض. بس السنتين دول علمونا قيمتنا وقيمة العشرة اللي بيننا. أنا مش عايزك تمشي تاني يا نهى.. مش عايزك تكوني ضيفة بتسلم وتمشي.. أنا عايزك ترجعي بيتك، وترجعيلي.
دموعها نزلت، بس المرة دي كانت ابتسامتها أوسع من الدموع. هزت راسها وقالت بصوت واطي ومليان راحة وأنا مش عايزة أبعد تاني يا
أحمد.. أنا عايزة نرجع عيلة بجد.
يومها، مأعلناش الموضوع بضجة. الموضوع تم بهدوء يشبه هدوء علاقتنا الجديدة. كلمنا أهلنا، ورجعنا لبعض رسمي، وبدأنا نرتب لنقل حاجتها تاني لمصر الجديدة.
أجمل لحظة في الرحلة دي كلها، كانت يوم ما جمعنا يوسف وقعدنا معاه في الصالة. قلت له جوزيف.. ماما مش هتمشي تاني يوم السبت.. ماما قاعدة معانا هنا على طول والبيت رجع بتاعنا إحنا التلاتة.
يوسف مبلمش ولا سأل كتير، هو بس رمى نفسه في حضننا إحنا الاتنين وفضل يضحك ضحكته اللي بتملا المكان بهجة.. الضحكة اللي ورثها من أمه، واللي من اليوم ده، بقت بتملى البيت كله كل يوم، بعد ما السور اتهد وبنينا مكانه بيت حقيقي مبني على الرحمة والمودة والفهم.
