جواز صالونات الجزء الاخير

بقلم روماني مكرم

الدكتور مدحت سابني وجري لداخل الأوضة، والممرضين قفلوا الباب وراهم بسرعة. من ورا الإزاز الشفاف، كنت شايف الحركة سريعة، دكتور بيجهز جهاز الصدمات، وممرضة بتجري بأكياس دم ومحاليل، والدكتور مدحت واقِف فوق راس مريم، والدموع اللي في عينيه مخلّياه مش قادر يثبت إيده وهو بيحاول يركب لها أنبوبة التنفس.

وقعت على ركبي في طرقة المستشفى.. هدومي المبلولة بمية البحر كانت بتنزل على الأرض، بس أنا مكنتش حاسس بالبرد، كنت حاسس بنــ,,ـــــار بتاكل في صدـ,,ـــري.

لأول مرة في حياتي أصلي من كل قلبي.. كنت ببكي وبخبط راسي في الحيطة وبقول: *يا رب.. أنا مش معترض على حكمك، بس بلاش تعاقبها هي بغبائي.. بلاش تحرمني من الملاك اللي يدوب بدأت أشوف النور على إيدها.. ابني يا رب اللي لسه مشفش الدنيا، متخليهوش يمــ,,ـــــوت قبل ما ييجي ويشيل اسم أمه.*

تامر قعد جنبي على الأرض، حط إيده على كتفي وهو بينتــ,,ـــــحب بصوت واطي:

“أحمد.. مريم قوية.. مريم استحملت الوجع والظلــ,,ـــــم والمرض اللي طلع وهم، مش هتمــ,,ـــــوت دلوقتي.. ادعيلها.”

فاتت نص ساعة كأنها نص قرن. الصفارة السريعة المرعبة بتاعة جهاز ضــ,,ـــــربات القلب بدأت تهدى تدريجيًا، وتتحول لنبضات منتظمة.. “بيب… بيب… بيب”.

الباب اتفتح، وخرج الدكتور مدحت. كان ساند ضهره على الحيطة وبيتنفّس بصعوبة، وشه كان عرقان ولونه خاطف. جريت عليه ومسكت إيده: “طمني يا دكتور.. طمني بالله عليك!”

الدكتور مدحت مسح وشه وبصلي بعيون حمرا وقال بنبرة هادية بس فيها حذر:

“الحمد لله.. لحقناها.. النبض استقر والمؤشرات الحيوية بدأت ترجع لطبيعتها. مريم دخلت في حاجة اسمها ‘صدمة عصبية حادة’ أدت لهبوط مفاجئ في الدورة الدموية.. جسمها رفض يستحمل الوجع أكتر من كده ففصل.. والحمد لله، الجنين لسه ثابت، بس الوضع حرج جداً يا أحمد.. مريم مش هتعيش ولا هتقوم على رجليها غير لو حست إن عندها سبب تعيش علشانه.”

هزيت راسي وعيني بتلمع بالدموع: “أنا السبب.. أنا السبب في كل اللي هي فيه.. طب ينفع أدــ,,ـــــخلا؟”

الدكتور مدحت بصلي بنظرة طويلة، نظرة أب بيسلم بنته للراجل اللي كسرها، بس شايف في عينه الندم الصادق، وقال: “ادخل.. بس افتكر، مريم محتاجة أمان.. مش شفقة.”

—

دخلت الأوضة بخطوات مرتعشة. الأجهزة كانت حوالين السر,,ـــــير، والخرطوم بتاع الأكسجين في مناخيرها، وإيدها الرفيعة متوصل فيها المحاليل. وشها البسيط الهادي كان نايم في سلام كأنها طفلة هربت من كابوس طويل.

قعدت على الكرسي اللي جنب السر,,ـــــير. مسكت إيدها الساقعة وحطيتها بين كفوفي وبدأت أدفيها بأنفاسي. نزلت راسي على إيدها وبكيت بسكوت.. بكيت على الشهور اللي ضاعت في البرود، على المقارنات التافهة، على اللحظة اللي زعقت فيها في وشها وهي شايلة هم الكون لوحدها.

“مريم…” همست بصوت مخنوق. “مريم، قومي يا حبيبتي.. أنتِ سليمة.. مفيش مرض، مفيش ورم.. الورق كان غلط.. أنتِ مفيش في جسمك غير حتة مني ومنك.. مريم، إحنا هنبدأ من جديد.. الشقة فداكي، هسكنك في قصر، بس قومي ونوري دنيتي تاني.”

في اللحظة دي، حسيت بحركة خفيفة في صوابعها.

رفعت راسي بسرعة.. مريم بدأت تفتح عينيها ببطء شديد. بصت للسقف، وبعدين لفت وشها ناحيتي. ملامحها مكنش فيها غضب، كان فيها علامات استفهام وكسرة لسه منمحتش.

شالت ماسك الأكسجين بضعف وقالت بصوت همس، باين فيه أثر المخدر:

“أنا فين؟.. أنا ممتش ليه يا أحمد؟.. أنا عاوزه اروح لأمي.”

دموعي نزلت وبست إيدها: “لأ يا قلب أحمد.. أنتِ هنا معايا.. ربنا نجّاكي عشانك وعشاني.. وعشان ابننا يا مريم.”

مريم حواجبها اتعقدت وبصتلي بذهول، وكأنها مش مستوعبة الكلمة: “ابننا؟”

قبل ما أرد عليها، الباب اتفتح ودخل الدكتور مدحت ومعه تامر. الدكتور مدحت قرب من السر,,ـــــير، وعينيه اتملت دموع وهو بيبص لمريم، وقعد على طرف السر,,ـــــير وقال بصوت كله حنان:

“مريم.. يا بنتي.. بصيلي.”

مريم بصت له باستغراب، والدكتور كمل وهو صوته بيترعش:

“أنا الدكتور مدحت.. بس أنا مش مجرد دكتورك.. أنا إبراهيم الهواري المحامي حكالك عني.. مريم، أنا كنت جوز والدتك ‘إلهام’ من عشرين سنة قبل ما تنفصل عني بسبب مشاكل عائلية وسافرت برا.. أنا عمري ما نسيت أمك، ولما رجعت وعرفت بمرضك من بنت أختي، صممت أتابعك بنفسي.. والظرف اللي كنت بديهولك في الكافيه مكنش مساعدة من غريب.. ده كان حقي عليكي كأب.. والتحاليل الجديدة طلعت يا مريم.. المعمل الأولاني غلط وغلطته كانت هتمــ,,ـــــوتنا كلنا.. أنتِ معندكيش أورام يا بنتي.. أنتِ سليمة تماماً، والتعب اللي عندك ده.. أثر حمل في أسبوعين.”

مريم قعدت على السر,,ـــــير فجأة رغم تعبها، وعينيها وسعت بصدمة هزت كيانها. بصت للدكتور مدحت، وبعدين بصتلي وأنا واقِف بدموعي، وحطت إيدها على بطنها وكأنها بتحاول تتأكد إن اللي بتسمعه ده مش حلم.

وفجأة، مريم بدأت تبكي.. بس المرة دي مكنش عياط وجع، كان عياط انهيار من الفرحة والخوف مع بعض. انحنيت عليها ودموعي نازلة وضمتها لصدـ,,ـــري بكل قوتي، وهي مستسلمتش ولا زقتني.. حطت راسها في كتفي وبقت تبكي وتشهق وهي ماسكة في قميصي المبلول كأنها لقت بر الأمان بعد عاصفة دمرت كل سفنها.

—

بعد يومين، مريم خرجت من المستشفى.. رجعنا شقة والدتها القديمة لإن شقتنا لسه إجراءات فك الشمع بتخلص بعد تنازل الدكتور مدحت.

الدنيا بدأت تصفى.. البرود اللي كان جوايا اتمسح وبقى مكانه لهفة وشوق حقيقيين.. الشوق اللي مكنتش حاسس بيه زمان، اتولد من رحم الوجع والخوف من الخسارة. بقيت ببصلها وأشوفها أجمل ست في الدنيا.. جمال الروح والنقاء والصلابة اللي شفتها فيها خلاني اتكسف من نفسي ومن تفاهتي القديمة.

مريم كانت قاعدة في الصالة، بتشرب كوباية لبن دافية وأنا قاعد جنبها بملس على شعرها. بصتلي وابتسمت ابتسامة هادية وقالت:

“أحمد.. أنت اتغيرت أوي.. بس أنا لسه خايفة.”

مسكت إيدها وحطيتها على قلبي: “خايفة من إيه يا مريم؟”

قالت ببراءة ودموع محبوسة: “خايفة تكون بتعمل كل ده عشان البيبي.. أو عشان صعبانة عليك بعد مــ,,ـــــوت أمي.. خايفة الشفقة دي تخلص، وترجع تبصلي بنفس النظرة الباهتة اللي .تني في أول جوازنا.”

نزلت على رجليها وبست إيدها وقلت بنبرة طالعة من أعماق قلبي:

“والله العظيم يا مريم، أنا بحبك أنتِ.. البيبي ده نعمة من ربنا عشان يربطني بيكي، بس أنتِ الأساس.. أنا شفت فيكي اللي عمري ما شفته في بنت.. شفت الستر، والأصل، والحنية اللي بتبني بيوت.. سامحيني على كل لحظة عتمة عيشتك فيها.. وأنا بوعدك، عمري كله اللي جاي هيبقى عشان أسعدك وبس.”

مريم ابتسمت، ولأول مرة أشوف الضحكة اللي شفتها في الكافيه زمان.. بس المرة دي كانت ليا أنا.. ضحكة نورت الشقة والكون كله في عيني.

—

عدى شهرين.. وحياتنا استقرت.. الشقة رجعت لنا وبدأنا ننقل حاجتنا فيها تاني.. ومريم بدأت ملامح الحمل تبان عليها وبقت صحتها أحسن بكتير بفضل رعاية الدكتور مدحت اللي بقى بيعاملنا كأولاده فعلاً وبيزورنا دايماً.

وفي ليلة.. كنا قاعدين في شقتنا الجديدة بعد ما رتبناها. مريم كانت جوه في المطبخ بتعمل عشا، وأنا قاعد في الصالة ماسك موبايلي.

وفجأة.. ظهر قدامي إشعار من رقم غريب على الواتساب..

فتحت الرسالة.. ولقيت مكتوب فيها جملة، وصورة ملحقة معاها خلت الدم يتجمد في عروقي، والموبايل يقع من إيدي على الأرض وأنا مش قادر أخد نفسي..

الرسالة كانت بتقول: *”مبروك الشقة الجديدة يا أحمد.. ومبروك الحمل.. بس افتكر إن القديم لسه مقفلش.. وأم مريم مماتتش بجلطة عادية.. أم مريم ماتت مقتولة، والقاتل قريب منك أوي!”*

وفوق الرسالة.. كانت صورة واضحة جداً لعلبة الدوا بتاعة مريم القديمة، ومحطوط جنبها شريط حبوب مجهول، وفي خلفية الصورة.. كانت السجادة بتاعة صالة شقتنا الحالية! يعني في حد دخل الشقة من ورايا وصورها!

وفي اللحظة دي.. مريم خرجت من المطبخ وهي مبتسمة وشايلة صينية الأكل وقالت: “العشا جاهز يا أحمد..”

بصيت لها والرعب ماليني.. مين اللي باعت الرسالة؟ ومين اللي دخل شقتنا؟ وهل الكابوس لسه مخلصش؟!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الصينية اتهزت في إيد مريم لما شافت وشي.. الابتسامة اختفت فجأة وحلت مكانها نظرة قلق وهي بتحط الصينية على الترابيزة بسرعة وتقرب مني:

“أحمد! مالك؟ وشك أصفر ليه كأنك شفت لغز؟ في إيه؟”

حطيت رجلي فوق الموباييل اللي وقع على الأرض بسرعة من غير ما تحس، وبلعت ريقي وأنا بحاول أبتسم ابتسامة مكسورة:

“لا.. لا مفيش يا حبيبتي، ده.. ده بس هبوط مفاجئ من قلة النوم وتعب الشغل.. متقلقيش.”

مريم بصتلي بشك، بس قعدت جنبي وطبطبت على كتفي: “طب ارتاح يا حبيبتي، أنا هجيبلك كوباية عصير ليمون ترفع ضغطك.”

أول ما دخلت المطبخ، سحبت الموبايل من على الأرض وأنا بتهز. فتحت الرسالة تاني وعيني مشلتش من على خلفية الصورة.. السجادة الكحلي في بني اللي في صالتنا! السجادة دي إحنا لسه فرشينها من أسبوع واحد بس بعد ما استلمنا الشقة وفكينا الشمع!

يعني اللي صور الصورة دي، دخل هنا.. في غيابنا.. أو.. أو حد من اللي بيدخلوا بيتنا دايماً!

دماغي بدأت تحدد الأشخاص.. مين اللي دخل الشقة دي من يوم ما رجعنا؟

تامر ابن خالتها.. والدكتور مدحت!

قفل الخط، وبقيت قاعد بفرك في إيدي والشك بياكل في عقلي زي السوس. أم مريم مماتتش بجلطة عادية؟ مقتولة؟! وشريط الحبوب المجهول اللي في الصورة ده إيه علاقته بالموضوع؟

—

عدى الليل وأنا منمتش دقيقة.. كنت صاحي باصص للسقف وبسمع أنفاس مريم الهادية جنبي وهي نايمة، وحاطط إيدي على بطنها وبدعي: *يا رب، أنا صدقت إن الدنيا ضحكتلي.. بلاش كوابيس تانية تطلع من تحت الأرض تنكد علينا.*

الصبح، أول ما مريم نزلت تشتري حاجات للبيت مع تامر، انتهزت الفرصة وكلمت الأستاذ إبراهيم الهواري المحامي. طلبت أقابله فورا في كافيه بعيد عن المستشفى والمحكمة.

وصلت الكافيه، ولقيت الأستاذ إبراهيم قاعد مستنيني. قعدت وقدام عيني ألف سؤال وسؤال، طلعت الموبايل وحطيته قدامه على الترابيزة:

“أقرأ الرسالة دي يا أستاذ إبراهيم.. وشوف الصورة دي كويس.”

المحامي مسك الموبايل، وملامحه الصارمة بدأت تتقبــ,,ـــــض، وعينيه وسعت وهو بيبص للصورة: “أحمد.. الكلام ده خطير جداً! الصورة دي جوه شقتكم؟”

هزيت راسي بعنــ,,ـــــف: “آه.. على السجادة الجديدة اللي فرشناها من أسبوع.. مين اللي باعت الرسالة دي؟ ومين اللي له مصلحة ي. حماتي.. ومين أصلاً اللي يقدر يدخل الشقة ويحط شريط حبوب جنب علبة دوا مريم؟”

المحامي سكت لثواني، حط الموبايل وقرب مني وقال بصوت واطي ومريب:

“أحمد.. شريط الحبوب اللي في الصورة ده، أنا عارفه كويس.. ده نوع من المنشطات العنيفة للقلب، لو أتاخد بجرعة زيادة لشخص عنده ضعف في الشرايين أو لسه جاياله جلطة.. بيعمل جلطة تانية فورية وقاتلة ومبتظهرش في التحاليل العادية غير كأنها وفــ,,ـــــاه طبيعية!”

جسمي كله قشعر: “يعني حماتي اتسممت بالدوا ده؟!”

المحامي هز راسه: “جايز جداً.. بس السؤال هنا: مين اللي كان مع حماتك في المستشفى في الرعاية المركزة وكان يقدر يدخل لها الدوا ده في المحلول أو العصير من غير ما حد يحس؟”

بدأت أفتكر الأحداث زي شريط السينما.. تامر كان مرافق معاها.. والدكتور مدحت كان هو المشرف على حالتها ودــ,,ـــــخلا كذا مرة لوحده بحكم إنه دكتور المستشفى!

المحامي كمل كلامه اللي نزل عليا زي الصاعقة:

“أحمد.. في حاجة كمان أنا مخبيها عليك بخصوص الدكتور مدحت.. أنت عارف إن القضية بتاعة الشقة انتهت بتنازله لإن الشقة طلعت ملكه أصلاً بعد ما ورثها من عيلة والدة مريم.. بس اللي أنت متعرفوش، إن الدكتور مدحت مكنش طليق إلهام وبس.. الدكتور مدحت قبل عشرين سنة، إلهام رفعت عليه قضية حجر وتزوير وأخدت منه كل أملاكه وشقته، وده كان السبب في إنه سافر برا مصر وهو مكسور ومشحون بالغل.. ولما رجع، رجع باسم شهرة جديد، ودخل حياة مريم بصفتها مريضة عشان ينتقم من أمها!”

وقف قلبي عن الدق.. الدكتور مدحت؟ الراجل الطيب اللي بكى على مريم؟ الراجل اللي دفع تكاليف علاجها؟ كل ده كان تمثيل؟

—

خرجت من عند المحامي وأنا مش شايف قدامي.. الشك بقى يخليني أشوف كل اللي حواليا شياطين. ركبت العربية ورجعت الشقة بسرعة. فتحت الباب بالراحة.. الشقة كانت هادية.

دخلت الصالة، وبقيت ببص للسجادة الكحلي.. وبصيت لعلبة الدوا بتاعة مريم المحطوطة على البار..

قربت من العلبة وبدأت أفتش فيها بجنون.. فتحتها، ولقيت جوه العلبة، تحت الأقراص العادية.. شريط حبوب صغير مقصوص منه حبايتين.. نفس الشريط اللي كان في الصورة! نفس الدوا القاتل للقلب!

“أنت بتعمل إيه يا أحمد؟”

الصوت جه من ورايا فجأة.. لت بسرعة وأنا مرعوب.

كانت مريم واقفة على باب الصالة، وماسكة في إيدها كيس طلبات.. وبصالي بنظرة غريبة.. نظرة مشوشة وخايفة.

حطيت الشريط في جيب الكوت بتاعي بسرعة وقلت بتوتر: “مفيش يا حبيبتي.. كنت بشوف الدوا بتاعك خلص ولا لأ.”

مريم قربت مني، حطت الكيس، وبصت في عيني مباشرة وقالت بنبرة هزت ثقتي في كل حاجة:

“أحمد.. أنت بتكذب عليا.. أنت مخبي حاجة من ليلة امبارح.. الرسالة اللي جاتلك على الموبايل كانت من مين؟”

بلعت ريقي ومبقتش عارف أقولها إيه.. أقولها إن أمك ميتة مقتولة؟ أقولها إن الدكتور اللي فاكراه أبوكي الروحي هو القاتل؟ ولا أقولها إن تامر ابن خالتك مشترك في المصيبة؟

وقبل ما أنطق.. جرس الباب رن بصوت متصل ومزعج.

مريم راحت فتحت الباب.. ودخل الدكتور مدحت، وكان معاه تامر.. والاتنين ملامحهم كانت متغيرة تماماً، مفيش الضحكة الحنينة ولا الودود.. الدكتور مدحت كان ماسك في إيده حقنة صغيرة مجهزة، وتامر قفل الباب وراه بالمفتاح وحط ضهره عليه وهو بيبصلي بنظرة برود قاتلة!

الدكتور مدحت خطى خطوة لقدام، وبص لمريم وقال بصوت هادي ومرعب:

“مريم يا بنتي.. اطلعي في أوضتك ارتاحي.. أنا جاي أدّي أحمد جرعة الدوا بتاعته.. عشان يرتاح من التفكير!”

بصيت لتامر وبصيت للمحضر اللي في جيب جيليه الدكتور، وعرفت إن السر كله انكشف، وإن المواجهة الأخيرة بدأت حالا جوه شقتنا! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الدكتور مدحت قفل الباب وراه بالمفتاح، وتامر فضل ساند ضهره عليه وهو بيبصلي بنظرة خالية من أي رحمة. مريم وقفت في النص بيننا، عينيها بتروح بين الحقنة اللي في إيد الدكتور وبين وشي المرعوب، وقالت بصوت بترعش:

“في إيه يا دكتور؟ أحمد ماله؟ وحقنة إيه دي اللي هيدها له؟”

خطيت خطوة لقدام وزقيت مريم ورا ضهري عشان أحميها، وطلعت شريط الحبوب اللي لقيته في علبة الدوا ورميته في وش الدكتور مدحت وزعقت بعلو صوتي:

“كفاية تمثيل لحد هنا يا دكتور! اللعبة انكشفت.. شريط الحبوب ده اللي موّت أم مريم في الرعاية المركزة، ونفس الشريط اللي كنت ناوي تصفي بيه مريم وابني عشان تاخد الشقة والعمارة وتنتقم من عيلتها كلها!”

مريم صرخت وحطت إيدها على بوقها وهي مش مصدقة، بصت لتامر وقالت: “تامر! أنت واقف معاه؟ ده . أمي! أنت بتساعد قاتل خالتي؟”

تامر ضحك بسخرية وغل وقال: “خالتي؟ خالتي دي اللي أكلت حق أمي في الميراث ورمت لنا الفتات؟ الدكتور مدحت هو اللي رجعلي حقي.. الشقة دي والعمارة دي من حقنا إحنا، وأنتِ وأمك أخدتوا أكتر من حقكم وياما اتذللنا ليكم!”

الدكتور مدحت قرب مننا والشر باين في عينيه وقال بنبرة باردة:

“أنا مكنتش ناوي أأذي مريم يا أحمد.. مريم دي بنتي اللي ملحقتش أفرح بيها، وأمها هي اللي حرمتني منها ومن أملاكي وعيشتني عشرين سنة في الغربة مكسور.. إلهام أخدت جزاءها، ومريم كانت هتعيش معايا معززة مكرمة والشقة هترجع باسمها.. بس غباءك أنت والرسالة اللي بعتهالك تامر من موبايل مجهول عشان يخوفك وتسيب الشقة وتطفش، هي اللي خليتك تفتش ورايا وتعرف السر اللي هيوديك ورا الشمس!”

رفع الدكتور الحقنة لفوق وقالي: “المحامي إبراهيم الهواري حكالك كل حاجة صح؟ بس للاسف مش هتلحق تقولهالك تاني.. الحقنة دي هتوصل لقلبك وفاتتك هتبقى جلطة طبيعية جداً زي حماتك، والكل هيقول إنك مت بحسرتك على شقتك وضياع فلوسك!”

الدكتور مدحت هجم عليا وتامر جرى يمسكني معاها.. مريم صرخت وجت تزق الدكتور، تامر زقها بعنــ,,ـــــف وقعت على الأرض وجت في بطنها.. شفت مراتي بتمــ,,ـــــوت من الوجع وبتنزف قدام عيني، وفي اللحظة دي اتولدت جوايا قوة وحش كاسر.

زقيت تامر بالبوكس في وشه وقّعته في الأرض، ولفت للدكتور مدحت ومسكت إيده اللي فيها الحقنة بكل قوتي.. وبقيت بضغط عليها لحد ما العروق في إيدي برزت.. الدكتور كان بيقاوم بكل غله، بس الندم والحب والخوف على مراتي وابني خلوا عزيمتي أقوى من جبال الدنيا.. ضغطت على إيده لحد ما صرخ والحقنة وقعت من إيده على الأرض.. زقيته بكل قوتي خبط في الحيطة ووقع مغمى عليه.

تامر قام وكان لسه هيجري على السكــ,,ـــــين اللي في المطبخ، لكن في اللحظة دي بالظبط.. الباب انكسر ودخلت قوات الشرطة ومعاهم الأستاذ إبراهيم الهواري المحامي!

المحامي بصلي وقال: “أنا مأمنك يا أحمد، من أول ما خرجت من عندي وأنا بلغت الشرطة وسجلنا المكالمات وراقبنا تامر لحد ما وصلنا هنا!”

الشرطة كلبشت تامر والدكتور مدحت اللي بدأ يفوق وهو بيبصلي بنظرات حسرة وغل، وأنا سبت الدنيا كلها وجريت على الأرض.. شلت مريم اللي كانت شبه غايبة عن الوعي والدم نازل منها، وصرخت: “إسعاف!! الحقوني بمراتي وابني!!”

—

في المستشفى..

عدت الساعات تقيلة ومخيفة.. كنت واقف قدام غرفة العمليات وبدعي ربنا من كل قلبي.. مكنتش بفكر في شقة، ولا في فلوس، ولا في جمال، ولا في أي قشور من اللي عطلت حياتي في الأول.. كنت بدور على ضحكة مريم وأمان مريم وبس.

بعد ساعتين.. الدكتور خرج وابتسم قالي: “الحمد لله يا أحمد.. لحقنا مريم، والنزيف وقف.. والجنين بخير وثابت، مريم بطلة واستحملت اللي مفيش جبل يستحمله.”

دخلت الأوضة لمريم.. وشها كان دبلان بس أول ما شافتني ابتسمت ابتسامتها الهادية الداغية اللي بقت بالنسبة لي بالدنيا كلها.. قربت منها وبست راسها وإيدها وقعدت على ركبي وجنبها:

“خلاص يا مريم.. الكابوس انقضى.. تامر ومدحت أخدوا جزاءهم والقضية اتقفلت.. والشقة والعمارة رجعوا ليكِ وباسمك رسمي.. بس أنا مش عاوز الشقة دي، إحنا هنبيع كل حاجة ونبدأ في مكان جديد، مكان مكنش فيه غير حبنا وبس.”

مريم مسكت إيدي وضغطت عليها وقالت بنبرة مليانة رضا: “أنا مش عاوزه غيرك يا أحمد.. أنت بقيت بيتي وأماني الحقيقي.”

### الحكمة

> “جواز الصالونات” أو غيره.. مكنش هو المشكلة.. المشكلة كانت في عيني اللي كانت بتدور على “قشور الجمال” الخارجي، وعميت عن جمال الروح والنقاء والأصل اللي بيتبني بيه البيوت.

> الجمال الخارجي بيبلى مع الوقت والتعب والمرض.. لكن “الأصل الطيب” والست الصالحة اللي بتشيل سرك وبتحميك في غيبتك وبتستحمل قسوتك بابتسامة، هي دي الكنز الحقيقي اللي الراجل لازم يحارب علشانه.

> أنا كنت هخسر ملاك بسبب تفاهة نظرتي.. بس ربنا عطاني فرصة تانية عشان أعرف إن “البيوت المتبنية على الستر والأصل” هي البيوت اللي بتعيش.. وإن الحب الحقيقي مبيجيش بالنظرة الأولى.. الحب بيتولد من المواقف، والوجع، والمشاركة، والخوف على اللي بتحبه. حافظوا على النعم اللي في إيديكم قبل ما تضيع.. وتكتشفوا قيمتها متأخر أوي.

>

**تمت بحمد الله**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *